يُعْرَفُ الشعبُ الياباني عَامّةً، بِعددٍ مِن، أرقَى وأسمَى، المُكتسَبات المُتحضّرَة، مِثل تِكنولوجِيا العُلوم المطوّرة؛ والاهتمام بمنهجية التعليم؛ والمُحافظة على البيئة؛ وتَصعِيد الصناعة الراقية، واحتِرام بيئة العمل؛ وتقدِيس بَعضٍ مِن شتى العادات الاجتماعية الدمِثة… وفِي وِعَاء جَعبةِ حَافِظة ذاكرتي المُتواضِعة بعض مِنها، مِمّا سَمِعتة أصَالة، ومما تَناقَلتّه بعضُ وَسائلِ الإعلام، ومَنصاتِ التواصُل الاجتماعي؛ ومِن بَين تلك العادات المُتجذّرَة عِندهُم: عَزائِم التفاني البتلاء؛ ومظاهِر إرادة والوَلاء والإِخلاص المتأصّلين، في أداء مَهامّ العمل، حَيث لَا تكاد تَسمع؛ أو تَرى مُوظفًا يابانيًا مُغادَرته لِموقِع عمله قبل أن يُغادر رئيسه، احترامًا وتبجيلًا… وتّمتدّ حَلقات سِلسِلة الوَلاء المُتفاني للشّركة، أو المؤسّسة، التي يعمل بِها الفرد، أو الٱفراد، لدرجةٍ كَبيرةٍ جدًا… ومِن أغرب مَا سَمِعته في أواخِر سَبعينيات القرن المُنصرِم، عندما كُنت مُبتعثًا للدّراسة، في أمريكا، عَن عُموم مُوظفِي شركة "ميتسوبيشي" الرائدة، في تنوع الصناعة الشامِلة، على سَبيل المِثال، حيثُ إنّ مُنتسِبيها كانوا شَديدِي الوَلاء والتفَاني للشركة، لدرجة أنّ الشبّان والشابّات المُقبِلين حَديثًا على الزواج، يَحصلُون على قُرِوض مَالية مُيسّرة مِن الشركة نفسِها؛ وتتمّ أَمتَع مَراسِيم الزواج الاجتماعية، على مَواقع الشركة؛ وتُوزّع بطاقات الدعوة مِن انتاج الشركة؛ كما تُقدّم أكداسٌ مِن الهَدايا والمَشروبات، مِن مُنتجات الشركة أيضًا؛ وتَقوم الشركة الأُم
بتجهيزات وَسائل النقل في حَافلات ميتسوبيشي الفخمة…!
وفِي فَترةِ الدراسةِ ذاتِها، في أمريكا، سَمِعت عن مُحاضِرٍ ياباني، قَدِم إلى أمريكا آنذاك، بدَعوةٍ رَسميةٍ مِن إحدى الجامعات الأمريكية؛ لإلقاء مُحاضرةٍ عِلميةٍ، لمُدّةٍ وَجِيزَةٍ… وبَعد إلقاء مُحاضرته العلمية، في الجامعة المُضِيف، لَم يتبقّ عِنده إلاّ بِضع سَاعاتٍ قليلةٍ للتسوّقِ، حَيثُ اشترى بعض الهدايا والتحف- على عَجَلٍ- لأَفراد أُسرته… وعِندمَا عَاد إلى بلده اليابان مُحمّلًا بحقِيبة الهدايا الثمَينَة المُفرِحَة، كُسِر هُناك طَوقُ المُفاجأةِ المُدهِشةِ، حَيثُ كانت جُلّ مُشتريات المُحاضِر المُستبشِر العائد، تَحمِل عِبارة: (صُنِع في اليابان).
وتَمرّ السِّنُون، بَعد عَقدٍ مِن الزمن، وقَد عَمِلتُ مُعلمًا بالهيأة الملكية، ورُشِّحتُ وأنا- على رأسِ العمل- للدّراسة في واحدٍ مَن سِلسَلة "الكُورسات" التربوية الشائقة، عند أُستاذ عَربي، دَارس ومُتخرّج في اليابان، في كلية الجبيل الصناعية… حَيثُ مِن أبرزِ مَا أفادَه الأُستاذ أصَالةً، عَن بعض القيَم الاجتماعية المتأصّلة عِند الشعب الياباني، مَظاهِر احترام العلم والتعليم؛ حَيث إنّ المعلمَ هُناك يَحظَى بهيبةِ الاحترامِ؛ ويتمتّعُ بإجلالِ التقدير، أنّى حَلّ وارتحَل… ولشدّةِ اهتمامِ المجتمع الياباني بدَورِ الأُم، في مُتابعة تعلِيم أبنائها، تُسَلّّم الأمُ كِتابًا مُساعِدًا، يشرح كيف تُساعِد الأُمّ أولادها على المُذاكَرة والمُتابعَة، في المنهج المُقرّر، مَع بداية السنةِ الدراسيةِ؛ يُسمّى "كتاب الأُم" ليَتسنّى لَها مُتابَعة دُروس أبنائها، في المنزل، في مُجتمع يقدّس فيه الفرد مَهام وأولويّات عَملِه الرسمي… عَلاوَة على مَوضُوع النظافة العامة، ودَمَاثة الخُلق، فإن الشعب الياباني يُعْرَف عَنه بحُبّه الشديد لمَظاهِر النظافة والأَناقة، في سَائر هِندامِه، وفي بيئةِ عَملِه، وفي مَقرّ سَكنِه؛ ومِن أغربِ وأعجب الإجراءات، ودِقّة الترتِيبات، مَا يَحظاه عامِل النظافة هُناك، مِن اهتمامٍ واحترامٍ، إذْ عَادة مَا يُنتخَب انتخابًا دَقِيقًا، مِن أفراد سُكّان الحي، ويَتمتّع بمُواصَفاتٍ جِسمانيةٍ، كالخِقةٍ والرَشاقةٍ المُميّزةٍ؛ ويُعطَى رَاتبٍا مُجزِيًا؛ ويُسمّى "بالمُهندِس البيئي"
وفَيمَا يَخُصّ مُجتمع الفَتيات، والنّسوَة المُتزوّجات… فكلّ فتاةٍ- تدرِس في سُلّم التعليم النظامِي- لا بُد لَها مَن دِراسة كُورس إلزامِي في تنسِيقِ الزهُور، إضافة إلى دِراسة المَنهج المُقرّر… ومِمّا يُميّز النساء المُتزوّجات هُناك، فإنّ إحداهُن إذا زارت جَارتَها، تقوم المُزارَة، بقدِيم مَراسِم الضيافَة المعرُوفة عِندهُن؛ وفي أثناء جَلسة الاستقبال، تجتهِد بتعريف ضَيفتِها بأحدثِ مُستجدّاتِ وابداعَاتِ زوجِها في مَجالِ عَملِه، بشيءٍ مِن التوثِيق؛ وتطلِعُها على بعض أحدَث المُخطّطات الخاصة، بعمل زَوجِها الكادِح؛ عِوضًا عَن هَدر وإضَاعة الوقت فِي الحدِيث المُستهلَك عَن مُستجدّات المُوضَة والمِكياج، و الطهِي، وإعداد أطباق الطعام، كما هُو الشأن فِي مَعظم المُجتمعاتِ النسائية، عِند الشعوب الأُخرى… عَلاوَة على تِلك المُكتسبّات الراقِية الحَضارِية عِند المَرأة اليابانية المُتحضّرة، إلاّ أنّها مَازَالت تؤمِن بأُمُور الشعوذَة؛ وتَجرِي وَراء المُعتقدَاتِ الصنَمِية؛ وتُصدّق سَيلًا مِن الخُرافَات المِيثُولوجِية المًتوارَثة، جُملةً وتَفصِيلًا…!
وفِي جَوفِ حَافِظتِي لقطةٌ اجتماعِيةٌ مُثلَى، لاَ أكاد أنساهَا؛ قِرأتها في إحدى وَسائل التواصُل الاجتماعي، ذات مَرّةٍ، مَفادُها: إنّ
طيارًا مِصريًا، كان يَقُود رِحلةً جَوِيةً اعتيادِيةً بين القاهِرة وطُوكيو، واسمه: محمد سالم؛ وعِند وُصولِه إلى مَطار طوكيو الدولي، تَعوّد محمد سالم أنْ يبِيت في فُندقٍ مُعينٍ، قُرب المطار؛ هذا، وبَعد فترة مِن الزمن توقّفت الرحلة الجوية، بين القاهرة وطوكيو... ثم استأْنِفت بَعد فترةٍ؛ ليعُود الطيار، محمد سالم إلى المَبِيت في الفندق السابق نفسِه… هذا وبَعد أن استرَاح بُرهةً، في غرفتِه، وإذا بشخصٍ مِن إستقبال الفندق، يتّصل به، ويَطلب مِنه الحُضُور إلى مَكتب استقبال الفندق؛ ليسلّمه ظَرفًا مُغلفًا، مَشفوعًا بمَبلغٍ نقديِ مِن الدولارات، قد نسيها الكابتن في غرفتِه، في آخِر مَرّةٍ نزل بالفندق… فكانت فَرحةُ الكابتن: محمد سالم فَرحَتين: فَرحةُ عَودة المبلغ المفقُود إلى جَيبه؛ وفَرحَةُ خَلة الأمانةِ، التي أكْبَرها الطيار، عِند وَدَاعَةِ خُلُق مُوظف الفندق الأمين… وفِي لحظةِ الموقفِ الصادِم عَينِه، قام الكابتن بإهداء الموظف، مْكافاة مَالية نَظِير أمَانته، فرفضَها رَفضًا شديدًا... وبَعدها دَعا الكابتن الموظف ذاته، إلى وجبة عَشاء... فرفض المُوظف تلبية الدعوة، ثانية قائلًا: آسِف، لَا أتقاضَى رَشوةً على أمَانتِي… !
(وهُناكَ عَددٌ مِن ٱغْرَب العادات والتقالِيد، تَسودُ في عُمق مَفاصِلِ المُجتمَع الياباني المُحافِظ مِنها على سَبيل المثال: (التشاؤم مِن الرقم "أربعة" إذ يُحاول اليابانيون الهرُوب مِنه، وتَفادِية، قَدرَ الإمكان، في مَواقف حَياتِهم اليومية؛ ورَفض قُبُول "البقشيش" عِند تقديم خِدمة مَا يقومُ بها الموظف للعُملاء؛ وكَراهية الإسترخاء، أثناء النهار، بعد تناول وجبة الطعام؛ لاعتقادهم أنّ الشخص الذي يَفعل ذلك، سَيتحوّل إلى بَقرةٍ؛ ولايُمكن للموظف في المؤسّسة، أو الشركة الانصراف مِن مَوقع العمل مُباشرة، مِن تِلقاء نفسه، حتى بَعد نِهاية الدوام، وعَليه الاستِئذان مِن رئيسِه المباشِر، قبل الانصراف؛ وإنْ فَعلَ الموظف ذلك، فقد أخلَّ بخَلّة عُرفِ الولَاء الوظيفي للمؤسسة، أو الشركة)*... وهناك سِجلٌّ ضاف يطُول، ذِكره، في مُجتمعٍ مُحافظٍ؛ تتوارَثُ فيه الأجيال الشابّة ذلك النسيج الدّمِث مِن الخليط المُتمازِج السلِس، مِن سِيلٍ مِن بَاقاتٍ حُبلى مِن أسْفاطِ السلوكيّات المُمارَسة، وأنماطِ جِعاب المُعتقدَات الاجتماعية العُرفِية المُتعارَفة، مِن شائع العادات والتقاليد؛ ولكلّ مُجتمعٍ عَاداته وتَقاليده المألوفة المُتّبعة… (وهُناك مِن العادات التي تَغلغَلت مُؤخرًا، في صَمِيمِ مَفاصلِ الشعبِ الياباني بقوّة: كإدمان شُرب الخُمُور والانتحار، والنسَب في تزايدٍ طَردِيٍ، عِند كِبار السّن)* … والسؤالُ الصّرِيح الصّادِح: هل بَوِسْعِ تِلك الباقات السائدة مِن العادات والتقاليد اليابانية الأصِيلة، أنْ تُقاوِم وتَتصَدّى لصَيحَات وصَرعَات مَدّ تيارات العَولَمة الساحِقة، جُملة وتَفصِيلًا، أمْ أنّ خَرزَات العِقد اللؤلُئية المُنضّدة، سَتنفرِطُ وتَتَفرّق يومًا مَا، وتَنداحُ أجزاؤها، في دوّامةِ هَزيمةِ مَدّ العَولَمة الساحِقة الماحِقة؟!
* قناة مفيد المعلوماتية- يوتيوب
* السائح الموثِّق: أنس اسكندر- يوتيوب



