12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

العُرف والتعاقدُ الضِّمني

نوعان من التعاقد يعتريان وجود الإنسان في الحياة؛ الأول فعلي، يتمثل في عقد ملزم لطرفين، أو أطراف متعددة، كما في البيع والشراء، وتأسيس الشركات، أو شراء المنازل والعقارات، والثاني ضمني؛ يلتزم بموجبه الأفراد بسلوك أو قول، دون أن يكون هنالك ما يشير إلى وجوب أداء ذلك السلوك أو القول.

يتميز التعاقد الفعلي بأنه مكتوب معروف للجميع، إذ يخضع لشروط محددة، بموجبها يغدو ساري المفعول، وأي إخلال من قبل أحد الأطراف؛ يعني إنهاء التعاقد، وهو ما قد يترتب عليه التزامات أخرى، ربما تحتاج معها للقضاء؛ لفض الخصومة الحاصلة.

القوانين المكتوبة، التي يمكن العودة إليها؛ تعدُّ أهم ميزات التعاقد الفعلي، إذ لا يكون ساري المفعول؛ إلا بموافقة المتعاقِدين واتفاقهم على قبولها، والعمل بها، وهو ما يؤدي إلى إقرارها كأصل في تحديد أدوارهم، وكيفية تفاعلهم، وصولًا إلى مدى استفادتهم.

التعاقد الفعلي واضح، مكشوف، يمكن بسهولة معرفة شروطه، وآليات عمله، وإلى أين يقود، ومن هم الأشخاص المعنيون به، لذا حينما يدبُّ خلاف، يستطيعون بسهولة اللجوء إلى الشروط المتفق عليها؛ من أجل تجاوزه، أما إذا ازداد الخلاف، فيتم اللجوء إلى الجهة المختصة بتنفيذه؛ لفض نزاعهم.

التعاقد الضمني لا يسير بذات الطريقة؛ إذ يفتقر إلى البنود والمعايير المكتوبة، فيتم الاكتفاء بأحكام العادة، والعرف، وما اتفق عليه الناس، التي هي أمور غير مستقرة، وغير ثابتة، في أيِّ مجتمع وزمان، فالمعايير بين الفلسطينيين؛ تختلف عن المعايير بين العراقيين، أو المصريين، أو السوريين، أو البلجيكيين، أو الروس، أو غيرهم، وهي كذلك تختلف لديهم اليوم عما قبل ثلاثين، أو خمسين سنة.

الافتقار إلى بنود مكتوبة؛ جعل التعاقد الضمني ملتبِسًا، وغير واضح، ويمكن الانسحاب منه؛ دون حدوث ضرر، أو أن تترتب عليه التزامات، قد تفضي إلى اللجوء للقضاء، إلا ضمن حالاتٍ قليلة، يتساوى فيها الضمني والصريح في التعبير؛ كما هو حال تعاملات التجارة، أو ما يُشار إليه بالعُرف بين التجار، فهنا العُرف حلَّ محل التعاقد الفعلي، واكتسبَ شروطه.

يحصل التعاقد الضمني بين شريكين، أو أكثر؛ حيث يؤدي كل شريك دوره، دون الحاجة إلى تنبيه من البقية، فإن كانوا من نفس المستوى؛ أصبح ملزمًا لهم بالتساوي، فإن أرادوا الإبقاء عليه؛ بقي، وإن أرادوا عدم الإبقاء عليه؛ لم يبقَ، بعد أن يستوفي الشروط المطلوبة، أمَّا إن كانوا من مستويات مختلفة، ومراتب بعضُها أعلى من بعض، فالضرر يتجه من الأعلى إلى الأدنى، دون أن تترتب عليه التزامات الإخلال، حينما يتنصَّل عن أداء تعاقده.

من الأمثلة البارزة على التعاقد الضمني؛ مسألة "البقشيش" المدفوع في المقاهي والمطاعم، فهي إكرام لخدمة يقدِّمها الطرف الثاني دون أن يُطلب منه، كأن يعمل على الإتيان بكرسي إضافي، أو سرعة تجهيز الطلب، أو غيرها من الأعمال التي لا تستحق أجرًا يفوق المدفوع.

مثال "البقشيش" يعد أشهر الأمثلة على التعاقد الضمني؛ لشيوعه في العديد من البلدان، فيمكن القياس عليه، والأخذ بنتائجه، التي لن تختلف من مكان إلى آخر، أو من زمان إلى آخر، خصوصًا أنه لن تترتب عليه التزامات حين الإخلال بشروطه، إذ يمكن للمستفيد عدم ترك نقودٍ وقت الخروج من المطعم، أو المقهى، ولن يتلقى لومًا على فعله.

تختلف مقاربة المسألة حينما يصبح التعاقد شِبه ملزم؛ كما يحصل عند قدوم مدعوٍّ، حيث ينبغي الخضوع لشروط وأعراف المجتمع في استقباله، فإن أخلَّ بواحد منها ناله التأنيب واللوم؛ كأن يستقبله متمدِّدًا، أو يكتفي باللقاء به عند باب المنزل دون إدخاله، أو يكتفي بالمصافحة دون تقديم طعام وشراب، في مجتمع يراها معايير للاستقبال والضيافة المثالية.

الإخلال بشروط التعاقد، من قِبل فرد تجاه أفراد من نفس المستوى؛ مُكلفٌ من الناحية المعنوية، إذ قد يتسبب في التشهير ببخله، أو سوء سلوكه، كما سيوصف بأنه "قليل أصل"، وليس لديه "ذوق"، و"لا يعرف علوم العرب وعاداتها"، وستظل "وصمة عار" تلاحقه وتلاحق أبناءه من بعده.

يعد التعاقد الضمني طريقة حياة داخل المجتمع، فيتأثر بعاداته، وتقاليده، وأعرافه، التي بدورها تتحكم في شروطه، ومعاييره، وكيفية إنتاجه، فالأعلى رتبة؛ يمكنه التنصُّل من الشروط دون لوم، بينما الأدنى رتبة؛ ملزمٌ بها، ولا يمكنه التنصُّل، وإلا انهال عليه التقريع، وهو ما يُكرِّس الطبقيَّة والتفاوت، معيدًا في الأثناء؛ إحياء فكرة "السيد والعبد"، إنما بشكل عصري وجذَّاب.



error: المحتوي محمي