اعتزاز
وعدتكم، أعزائي القرّاء، في الحلقة السابقة أن أتكلم بتفصيل أكثر عن زيارة الشاعر الكبير السيد مصطفى جمال الدين لمدينة قم المقدسة.
زارها السيد في أواخر أيام حياته وأقامت له (مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث) احتفاءً وتكريمًا شارك فيه جمع من الشعراء، وكنت من ضمنهم، كما كان الحضور حضورًا حاشدًا.
من ضمن فقرات الحفل قصيدة عمودية فكاهية للشاعر جواد جميل، موضوعها الشعر الحرّ، رجح فيها الشاعر كفة الشعر الحرّ على الشعر العمودي، ودعا فيها السيد لكتابة الشعر الحرّ، مع أنه لم يكتب سوى العمودي في حياته.
والمفاجأة بعد مشاركة جواد جميل مباشرة كانت مشاركتي، فألقيت قصيدة مؤيدة للشعر العمودي ومرجحة له على الشعر الحرّ، ولم يكن ذلك بترتيب مسبق بيننا،
وصار السجال بين الجمهور تأييدًا لقصيدتي، والسيد في صفّ الشعر العمودي، فحدثت ضجة مترافقة مع جوٍّ فكاهي رائع.
ثم ألقى السيد في نهاية التكريم كلمة شكر فيها المنظمين والحضور ومدح المشاركين واعتبرهم نخبة مميّزة وذكر بعض الأسماء بخصوصها، منهم: جواد جميل، وفرات الأسدي، وثامر الوندي، وعلي الفرج.
كما ألقى السيد قصيدة جديدة كانت آخر قصيدة كتبها قبيل وفاته رحمه الله، على الوزن المنسرح، وكان ذلك باقتراح من الأستاذ ثامر الوندي؛ لأنّ السيّد لم يكتب عليه أبدًا من قبل.
قال في مطلعها:
طَارَ فَلَا رِيشُهُ ولَا الزَّغَبُ
يُدرِكُ أيَّانَ يَنتَهِي التَّعَبُ
وهذا البيت ينعى نفسه، وفي ختامها قال:
قَدْ كَرّمُونِي أًخاً وَيُخجِلُنِي
أنْ يُدَّعَى أنّنِي أًخٌ وأب
وَفَاؤُكُم دُونَ فًيضِ غَيمَتِهِ
شُكرِي وَمَأوَى السّحَائِبِ التّرُبُ
في ختام الحفل أحاط المشاركون بالسيد للسلام عليه وسلّمت عليه وأهديته القصيدة التي كتبتها، وكان رحمه الله منشرح الصدر تعلو وجهه ابتسامة عريضة، إلّا أنّ التعب كان واضحًا عليه، كما كان يعاني من السعال، فتوقعنا أنّ ذلك نتيجة تعب السفر وتغيّر الجوّ وكثرة اللقاءات مع محبّيه ومريديه، كلّ هذا أثر في صحته، لذلك أكثر الإخوان من تقديم عصير الليمون له لزيادة مناعته وتجديد نشاطه، ولكنه طوال فترة إقامته في قم المقدسة لم يذهب إلى الطبيب.
ولما رجع السيد إلى سورية حيث مقرّ إقامته - في تلك الفترة العصيبة على العراقيين - لما رجع ذهب إلى الطبيب، ومع الأسف، شُخصت حالته بسرطان الرئة.
انتقل من سورية إلى لندن للعلاج، ونقل لي أحد الأصدقاء: أنّ السيد عندما أجرى الفحوصات هناك أبلغه الأطباء أنّ النهاية اقتربت ولا يفصله عنها إلّا ما يقرب من ستة أشهر فقط.
وفعلًا، هذا ما حصل، وتوفي السيد بعد ستة أشهر إلى رحمة الله ورضوانه وقد شاركت في تأبينه بثلاث قصائد:
الأولى: (سيّد الحرف)، بعد مرور أسبوع على وفاته، وكان من الحاضرين والوجهاء المرجع السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، ومطلع القصيدة:
سَيِّدَ الْحَرْفِ جُرْحُنَا جُرْحَانِ
مَوْتُ عَيْنَيْكَ وَانْطِفَاءُ الْمَعَانِي
يَا لَعَيْنَيْكَ وَانْمَحَى مِنْكَ لَوْنٌ
كُلُّ أَشْعَارِنَا بِلَا أَلْوَانِ
والأخرى: (جنازة الضوء)، بعد مرور أربعين يومًا، ومطلعها:
الْوَرْدُ وَهْوَ عَلَى عَيْنَيْكَ مَصْلُوبُ
لَكِنَّ طِيبَكَ فِي أَشْعَارِنَا طِيبُ
وَالصَّمْتُ وَهْوَ هَلَاكٌ جَاثِمٌ بِفَمِي
شِعْرٌ كَشِعْرِكَ فِيهِ الْكَوْنُ مَكْتُوبُ
والثالثة: (وجهُك وعامٌ مشنوق)، في الذكرى السنوية الأولى، ومطلعها:
تَمْضِـي وَيَسْقُطُ عَامُ
وَقَلْبُكَ الأَيَّامُ
إِنْ يَصْمُتِ الضَّوْء عَنَّا
فَوَجْهُكَ البَسَّامُ
والأمر العجيب أنّ ابنه السيد مهند جمال الدين وهو شاعر أيضًا، وكذلك من طلبة العلوم الدينية والمحصلين، بعد مرور سنة تقريبًا، التقيته في مدينة قم بعد استقراره فيها للدراسة وقال لي:
بعد رحيل والدي ونزع ملابسه وجدنا قصيدتك محتفظًا بها في جيبه، وهكذا كان لهذا الفعل من سيّد النخيل المقفّى، وقع جميل على نفسي، ما زلت أعيش آثاره الطيبة وأعتزّ بها أبداً ما حييت.




