إن نزعة فعل الخير جاءت بها الديانات والعقائد، ونادت بها مختلف الثقافات الإنسانية، وأجمع عليها البشر كافة، وقد جاء الدين الإسلامي إكمالًا للسلوكيات الفطرية، ومتضمنًا للقيم الإنسانية، مؤكدًا في مضامين كتاب الله قصصًا لأنبياء وأولياء دائمًا ما بادروا للعمل التطوعي، حاثًا الإنسانية على مساعدة الآخرين في كل المواقف دون انتظار مقابل مادي أو معنوي؛ إن العمل التطوعي هو أن تعطي من دون إجبار أو إكراه، وأسمى من ذلك أن تبذل من دون إخبار وإعلام، وتعطي طواعيةً من أنفسنا، واستشعاراً برغبةٍ داخلية منّا.
العملُ التطوُّعيُّ عنوانٌ حقيقيٌ وتاريخيٌ بشمولهِ وتنوّعهِ وتنميتِه؛ والتطوع بالمكافآت لا يندرج تحت العمل التطوعي، فهذا سوء فهم بين التطوع، والعمل. فالدخول لجهة تطوعية وانتظار المكافأة خطأ حاصل؛ لأن العمل التطوعي أساسه الاهتمام برفعة المجتمع وذلك بالتضحية بالوقت والمجهود دون مقابل.
وأكتب إلى الجهات التطوعية والخيرية وبعض المتطوعين قبل الشروع في العمل في عدم انتظار الجزاء والشكر، وأنه لا يجب أن يكون "الشكر" عادة متكررة وتقليدًا تضج به المحافل، فإن تكرار الجزاء والشكر بأشكالهما المادية والمعنوية يصبح مفهومًا عند المتطوع أنه حقٌ أصيل يجب توفيره.
لحظة، ما الفرق بين الجزاء والشكر؟ الجزاء مقابلة فعل بفعل، أي: أنت تقدم لي خدمة، وأنا في المقابل أقدم لك خدمة أخرى، وأما الشكر فمقابلة الفعل باللسان، أنت تقدم لي خدمة معيّنة، فأقول لك: شكرًا، ما قصرت، تفضلت علينا، تكرمت علينا.
إن المتطوع الحقيقي لا ينتظر مالًا ولا جاهًا ولا كلمة شكر؛ ولكنه يعمل مرضاة لله، هو لا يعمل من أجل ذاك الضمير "أنا"؛ ولكنه يعمل من أجل "هو" و"هي" و"نحن" و"هؤلاء"، وجمال العمل التطوعي هو أنك تعمل من أجل غيرك دون انتظار المقابل؛ وقد حفل كتاب الله بأمثلة عدة على عدم انتظار كلمات الشكر والثناء حيّن التطوع، ومن ذلك قصة الإمام علي والسيدة فاطمة والإمامان الحسن والحسين -عليهم السلام- في صومهم، إذ لم يكن في البيت شيء من طعام للأكل بعد الصوم، فاستدان الإمام علي ثلاثة أصواع من الحنطة والدقيق، وجاء بها إلى الزهراء. في أول يوم، عجنت شيئًا منها، وعملت خمسة أقراص بعددهم، فلما وُضِعَت مائدة الإفطار، وأرادوا أن يأكلوا، وإذا بمسكين على الباب يقول: أنا مسكين من مساكين المسلمين، وإذا بهم كل واحد منهم يحاول أن يسبق الآخر في سبيل أن يحرز التطوع الأصيل، فتبرعوا بما عندهم إلى ذلك المسكين.
في الليلة الثانية، وُضِعَت مائدة الإفطار، أرادوا أن يأكلوا، وإذا بيتيم على الباب، وإذا بهم يتسابقون إلى إحراز تلك الفضيلة، فآثروا ذلك اليتيم على أنفسهم، وتصدقوا بأقراصهم. وفي الليلة الثالثة، وقف أسير عليهم، تصدقوا بما عندهم من الأقراص، وباتوا ثلاثة أيام لم يشربوا إلا الماء.
أتى علي بالحسن والحسين إلى رسول الله، وقد انهارت صحتهما، فلما رأى الرسول ذلك تعجب فجاء بهما إلى البيت، وإذا بفاطمة الزهراء رآها وقد التصق بطنها بظهرها من شدة الضمور والجوع، فتألم الرسول لذلك، جلس، فنزل جبرئيل من السماء وقال: أهنّئك يا رسول الله بهذه الآية، وتلا عليه: "إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا" .
هذه خلاصة العمل التطوعي الخالص لوجه الله تعالى، ضربوا المثل الأروع في التطوع، والمثل الأعلى في الخير والعمل الاجتماعي، صغارًا وكبارًا، رجالاً ونساءً؛ فمقابلة الشكر باللسان تسمى شكرًا، وأما مقابلة الفعل بالفعل فتسمى جزاء، فأهل البيت يقولون: لا نريد منكم خدمة تقدمونها لنا، ولا ثناء باللسان أيضًا، وإنما نريد وجه الله عز وجل.
هنا عليّنا أن نجعل همتنا عالية، ونيتنا خالصة، ولا نلتفت لمن لم يذق حلاوة قضاء الحوائج؛ لأنهم لا يعملون أبدًا؛ لأن قدراتهم بسيطة ولا يريدون غيرهم أن يعمل حسدًا من عند أنفسهم "فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث"؛ نعم، لا تنتظر الشكر من أحد، ويكفي ثواب الرب الصمد، وما عليك ممن جحد وحقد وحسد.
المراجع:
• سورة الإنسان، الآية ٩
• سورة الأعراف، الآية ١٧٦



