12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

التسقيطات المتبادلة.. وآثارها السلبية على المجتمع

التسقيط حالة وهمية مفتعلة وأخلاق فاسدة، أركانها الغيبة والنميمة، ولا تخلو من بهتان، تؤدي إلى هتك النفس المحترمة المنهي عنه شرعًا، ناتجة عن الرغبة بإصرار في تحكيم توجه فكري أحادي مغلق يحارب كل تصحيح للتراث ومستجدات العصر، للسيطرة قهرًا على شرائح المجتمع بأكمله "مرض نفسي يحمله المُسقط جهلًا أو عمدًا وقصدًا، يسعى من خلاله إلى تحقيق ما تريده القيادة الفردية" لا يرى صحة لأفكار غيره لحبه للذات وفشله في تعامل مقبول حتى في حد أدنى للتعايش السلمي الاجتماعي ولإثبات وجوده أو من يتبع، يبدأ في تسقيط الإصلاحيين باعتبارهم عابثين بالتاريخ كما يظن ويحلو له تسميتهم وإن علوا شأنًا وعلمًا ومكانة واتصفوا بالنزاهة، الكل عنده على خطأ ودون مستواه، مقنعًا أتباعه أنه يملك الصواب حصريًا وغيره مخطئ.
أحيانًا يتقمص هذا الاتجاه أناس لهم وزنهم في المجتمع، ومع أنهم يعلمون الحقيقة وما يفعلونه وهمًا إلا أنهم يقومون به "لشيء في نفس يعقوب أو كما وجدنا عليه آباءنا" حتى تنبثق تكتلات فكرية والكل يرد على الآخر بوحشية تنشىء عداوات وتحزبات لهذا وذاك تتمخض عنها فِرق متعددة، تدخل في نفق مظلم يضرب بعضها بعضًا دون أن يُعلم المحق من المبطل، الكل يسحب بساط فضائل الآخر لصاحبه ويستبدل الرذائل بالفضائل لمن لا يحب ويزيد.
هذه مشكلة عظمى أصبحنا وأمسينا نعاني منها عند تدقيق التاريخ والمنقولات الروائية "وما أكثر الأكاذيب والتزوير فيها" حتى أقحمنا القيادات الدينية الأحياء منهم والأموات "وهم خياراتنا المفضلة" والنخب من مفكرين ومحققين من يقول ما يخالف من اتبع أو أقواله أو يتساءل فقد أحدث في الدين أمرًا وكأنه غيّر سُنة وابتدع أُخرى، نَصِفه بالضال المُضِل، نخرجه من ملة الإسلام ونحكم عليه بالردة نترك قوله ونقع في ذاته "فإن أخذنا نجدّ السير بهذه الطريقة لا نستبعد عن قريب انبثاق عقائد وتيارات منحرفة خارجة عن التوحيد يصعب السيطرة عليها، وذلك لعدم إيمانها بأفكار تتصارع "على هوامش تاريخية وروائية مرسلة ومُطالبة بإلغاء رموز التصحيح وتجفيف الأقلام" ترى جميعها على باطل وتسلك طريقًا بعيدًا عن ساحتها من هنا، وحتى نحمي الشباب الحاضر والأجيال القادمة علينا:
أولًا: للصالح العام احترام الآراء وإن لم توافقنا أو يلزمنا العمل بها ما دامت لا تخالف الأحكام التوقيفية ولا التشريع ومبادئ الاجتهاد لمن يحق له، أو تنال من أساسيات العقيدة ولا تسمم الأخلاق والتربية الصحيحة.
لك رأي وللآخرين آراء احتَرم تُحتَرم بدلًا من إجبار غيرك أن يلتزم برأيك وأنت رافض لرأيه، اعمل بما تراه ودعه وما يرى وأن نصفي قلوبنا من الأحقاد والحسد فهما أساسا كل بلية، ولا نسمح بدخول حمَلة الحطب بيننا، يشعلونها نارًا واهمين تدفئتنا والقصد إحراقنا دون أن نشعر وإذا بها نار نمرود، وقتها يصعب إخمادها، في المقابل تكميم الأفواه عن قول كلمة الحق يسبب انفجارًا مرعبًا يصم الآذان عن سماع قول لاعب الدور وغيره، وإن كان حقًا لفقد الثقة بالجميع.
ثانيًا: أن يكون تقدير الرموز الدينية من أولويات اهتمامنا، اختلاف فتاواهم ليس بالجديد أو المخالف للشرع، هو رحمة لنا وأمره يعنيهم، ولكل مجتهد رأيه، ولنا فيها مصالح في حالات نأخذ من الجميع بحسب شروطها الفقهية الصادرة المبينة وعدم النيل من الأتباع، وأن نجعل الحوار والنقاش فيما يُطرح بعيدًا عن شخصنة القائل أو استفزاز الطرف المقابل والتحول إلى عداوة شرسة تُحشد لها الجيوش من الطرفين.

ثالثًا: كونك من أتباع فلان لا يحق لك تهميش البقية، أو التقليل من شأنهم، خصوصًا من لهم حق فيما يُعرض ومن يريد أن يفهم ما يُختلف عليه، وغير مستبعد احتياجك لهم فيما بعد الإقصاء من غير أسباب، أداة تمزق المجتمع وتزرع الكراهية بين أبنائه وتزيد الانقسامات.
نتمنى أن نرى مجتمعًا مثاليًا متعايشًا بسلام مع اختلاف آرائه، يسوده مبدأ الاحترام المتبادل القائم على تفضيل المصلحة العامة على سواها. عندما نحكّم عقولنا نسود وإن مكنا الجهلة منا هلكنا وأهلكنا مَن دوننا واستُعبدنا.
وهل سمعتم يومًا مجتمعًا ساده الجهل فنجا، ولكن في الاعتدال النجاة؟ لا تُسقط حتى لا تُسقَط.



error: المحتوي محمي