إلى مَن انتشلني مِن تِيهِ الظَّلام، وأعادَنِي صُبْحاً مُشرقاً، إلى مَن أَشعَلَني أحاسيسَ مُفعمة، وَأَفاضَ عليَّ الحياةَ نابضة، إلى مَن أَطفأ مِن صدري الهَم، وأضاءَ في عيني السعادة، إلى مَن شَيَّدَ عُشِّي عالياً، وأَضفَى عليه مِن رُوحهِ دِفئاً وأناقة، إلى مَن علَّمَنِي فنَّ الحُبّ، وصياغةَ الكَلِم، إلى مَن أظهرني جاهلاً بثمنِ (الطابوقة، وكيس الإسمنت)، إلى العزيز على قلبي، إلى أخي السيد موسى السيد علوي الخضراوي هذه القصيدة.
أَعِدْنِيْ عَلَى عَيْنَيْكَ صُبْحَاً تَنَفَّسَا؛
ضَلَلْتُ عَلَى مَسْرَايَ، وَاللَّيلُ عَسْعَسَا
وَمَا مَدَّتِ البَيْدَاءُ كَفَّاً لِغَارِقٍ
سِوَى أَنَّهَا كَانَتْ مِنَ الـمَوْتِ أَشْرَسَا
أَتِيْهُ عَلَى دَرْبِيْ، وَدَرْبِيَ مَاكِرٌ؛
يُرِيْنِيَ رَغْمَ الوَاضِحَاتِ تَلَبُّسَا
وَيُبْعِدُنِيْ عَمَّا أَرَاهُ حَقِيْقَةً،
وَيُوْهِمُنِيْ أَنِّيْ تَصَيَّدْتُ أَنْفَسَا
وَيَرْكُضُ بِيْ نَحْوَ الوَرَاءِ، وَطَالَمَا
حَسِبْتُ مَكَانِيْ السَّابِقَ الـمُتَفَرِّسَا
فَلَا أَنَا أَوْقَفْتُ العَوَاصِفَ جَانِبَاً،
وَلَا زَوْرَقِيْ - مِنْهَا عَلَى شَاطِئٍ – رَسَا
وَلَا فَرَّ مِنْ عَيْنِيْ طُمُوْحِيْ، وَلَا أَنا
بَلَغْتُ طُمُوْحَاً بِالإِرَادَاتِ كُرِّسَا
تَعِبْتُ أُنَادِيْ الدَّرْبَ: يَا دَرْبُ خَلِّنِيْ؛
فَمَا أَنَا مِمَّنْ عَنْ مَرَامِيْهِ أَيَّسَا
تَعِبْتُ أُنَادِيْ، وَالصَّدَى يَدْفَعُ الصَّدَى،
وَخَابَ نِدَائيْ يَوْمَ نَادَيْتُ أَخْرَسَا
قَسَا الدَّرْبُ! لَكِنْ مَا أَلَانَ عَزِيْمَتِيْ،
عَسَى قَسْوَةٌ؛ تَبْنِيْ اعْتْزَاماً مُؤسَّسَا!
*****
أَعِدْنِيْ عَلَى عَيْنَيْكَ صُبْحَاً تَلَمَّسَا
أَحَاسِيْسَكَ الحرَّى؛ فَأَزْهَرَ مُشْمِسَا
وَأَعْبَقَ وَرْدَاً، وَاسْتَهَامَ مُغَرِّدَاً،
وَمَاسَ قُدُوْدَاً، وَاستَعَارَكَ مُكْتَسَى
وَهَبَّ غَرَامَاً، وَاسْتَفَاضَ مَنَاهِلَاً،
وَطَالَ ظِلَالَاً، وَاصْطَفَى مِنْكَ مُؤْنِسَا
أَعِدْنِيْ وَزِدْنِيْ بَهْجَةً، وَاطْرُدِ الأسَى،
وَطَمْئِنْ جَنَانِيْ إنْ بِهِ الشَّرُّ وَسْوَسَا
وَقِفْ بِيْ عَلَى نَبْعِ الـمُرُوْءَاتِ؛ أَرْتَشِفْ
سَجَايَاكَ أَقْدَاحَاً تَدُوْرُ، وَأَكْؤُسَا
وَطُفْ بِيْ عَلَى سَاجِيْ نَسِيْمِكَ؛ إِنَّنِيْ
وَجَدْتُكَ لِلْمَخْنُوْقِ أُفْقَاً، وَمَنْفَسَا
وَأُنْشُوْدَةً سَكْرَى، تَذُوْبُ بِوَالِهٍ،
وَتُوْسِعُهُ مِنْ لَذَّةِ العَيْشِ سُنْدُسَا
وَتَمْلَأُهُ مِنْ نَفْسِكَ الـحُبَّ أَنْفُسَا،
وَتَجْعَلُ مِنْ صَعْبِ الـمُحَالَاتِ أَسْلَسَا
فَمَا أَنَا إِلَّا بُرْعُمٌ بَلَّهُ النَّدَى،
فَكَيْفَ أَصُدُّ العَصْفَ إِنْ بِي تَغَطْرَسَا؟
*****
أَعِدْنِيْ عَلَى عَيْنَيْكَ صُبْحَاً تَحَسَّسَا
فُؤَادَكَ لَـهَّابَاً؛ فَصَاتَ وَأهْمَسَا
وَهَامَ، وَهَامَتْ قَبْلَهُ أُمْنِيَاتُهُ
تُسَابِقُهُ، وَالشَّوْقُ يُذْكِيْ التَّحَمُّسَا
مَضَى، وَمَضَتْ أَحلامُهُ تُسْرِعُ الخُطَى،
وَأَلْقَتْ وَرَاءَ الظَّهْرِ عَنْهَا التَّوَجُّسَا
عَلَى مُقْلَتِيْ مَازِلَتَ أبْهَجَ مَا رَأتْ،
وَفِيْ شَفَتِيْ أَحْلَى مَذَاقَاً وَمُحْتَسَى
مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَرْتَجِيْ النَّفْسُ طَلْعَةً؟
أَلَسْتَ بِأَضْلَاعِيْ تَبَوَّأتَ مَجْلِسَا؟
أَذِبْنِيْ! كَمَا ذَابَتْ بِثَغْرِكَ بَسْمَةٌ
تَفَايَضُ إِحْسَاسَاً، وَتَخْتَالُ نَرْجِسَا
أَنَا الوَلَهُ الـمَحْمُوْمُ، لَوْ سَالَ قَطْرَةً؛
لَأَزْهَرَ فِيْ مَيْتٍ حَيَاةً، وَأَشْمُسَا
أَلَـمْ أَكُ ذَاكَ العَذْبَ مِنْ مَائجِ الهَوَى!
يَجُوْلُ بِعَيْنِيْ طَاهِرَاً، وَمُقَدَّسَا
*****
أَعِدْنِيْ عَلَى عَيْنَيْكَ صُبْحَاً تَمَرَّسَا،
بِتَقْوِيْمِهِ الـمُعْوَجَّ والـمُتَقَوِّسَا
وَهَبْنِيْ مِنَ الإبْدَاعِ يَا حُسْنُ، زَاهِيَاً؛
أُشَكِّلُ مِنْهُ زَاهِيَاتٍ وَمَلْبَسَا
وَأَرْسِمُ مِنْهُ مَا يُسَكِّنُ هَائجَاً،
وَمَا يَزْدَهِيْ مِنْهُ نَهَارِيَ وَالـمَسَا
وَمَا تَعْكِسُ الـمِرْآةُ مِنْ تِيْهِ رَافِلٍ،
يُعِيْدُ انْتِشَاءً لِاخْضِرَارٍ تَيَبَّسَا
رَأَيْتُكَ فِيْ هَذِيْ الـحَيَاةِ حَيَاتَهَا،
وَضَحْكَتَهَا فِيْ حَالِكٍ إِنْ تَعَبَّسَا
وَبَهْجَتَهَا إِنْ لَفَّهَا عَاصِفُ الشَّجَا،
وَطُهْرَاً إِذَا أَطْرَافُ ثَوْبٍ تَدَنَّسَا
سَكَبْتَ عَلَى دَامِيْ جُرُوْحِيَ بَلْسَمَاً،
وَجُدْتَ - عَلَى رُوْحِيْ بِرُوْحِكَ – مُغْرِسَا
وَطَوَّقْتَنِي عِقْدَاً، وَنَمَّيْتَنِيْ هَوَىً؛
وَأفْعَمْتَنِيْ جُوْدَاً، حَوَالَيْ تَكَدَّسَا
رَعَيْتَ، وَأَعْلَيْتَ البِنَاءَ وشِئْتَ أَنْ،
يُشَابِهَ - مِنْكَ القَلْبَ ذَوْقَاً – وَيَعْكِسَا
فَكَانَ كَأَبْهَى مَا يَلُوْحُ لِنَاظِرٍ،
تَسَامَى – اخْتِيَالَاً فِيْ الـمَدَى - وَتَرَأَسَا
وَمَنْ صَارَ - فِيْ نَبْضِ العُرُوْقِ – دِمَاءَهَا،
فَلَا عَجَبٌ لَوَ كَانَ ذَاكَ الـمُهَنِّدِسَا
*****



