12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

سيرة طالب (٢٦)

مسرحية الورع الشكلي
كنت أتباحث مع الشيخ صالح الجدعان المدني في كتاب (علم أصول الفقه في ثوبه الجديد) للشيخ محمد جواد المغنية، وكان وقت المباحثة بعد صلاة المغرب مباشرة، نصلي صلاة خفيفة بوقت يناهز ربع ساعة ونأخذ طريقنا للمباحثة.
ذات مرّة رآني أحد المشايخ الكبار من منطقتنا، وأنا في طريقي للمباحثة، سلّم عليَّ، وسألني عن وجهتي وسبب تأبطّي هذا الكتاب الأصولي. فأجبته أنّي في طريقي للمباحثة مع بعض الطلبة، فتعجب من فعلنا، وارتسمت على وجهه ملامح تُنبئ عن عدم ارتياحه، ثم انصرف كلٌّ منّا لشأنه.
وبعد أيام قليلة زارنا ذلك الشيخ الكبير في مقرّ إقامتنا في جهة (الصوص)، ولم تكن مثل هذه الزيارة من عاداته، حتى فهمنا أنّ الهدف من زيارته هو القيام بتكليفه الشرعي تجاهنا.
وبعد أن اتخذ مجلسه شرع يرسل مواعظه ونصائحه مشفوعة بمزيد من عبارات الزجر والتقريع، ثم راح يصف المشهد الأخير الذي شهده بنفسه، قائلاً:
رأيت أحد طلبة العلم في وقت صلاة المغرب، وقت الراحة، وقت المناجاة، فماذا فعل ذلك الطالب؟! أسرع في أداء صلاته؛ حتى لا يتأخر عن درسٍ يتباحث فيه مع أقرانه.
واصفاً سلوكنا بالفعل الخطأ وأمارات الغضب قد تمكّنت منه، فبدا لنا كالأب المتوحش، ونحن أبناؤه الذين اقترفنا إحدى الكبائر التي يعاقب عليها الشرع بأشدّ العقوبة!.
انتهت المسرحية الأولى جاءت مسرحية أخرى:
صيحات بكائية
اجتمعنا مع بعض اصدقائنا طلبة العلم في أيام شهر رمضان المباركة ونحن ما زلنا نسكن في حيّ السيدة زينب (ع)، إذ تلقّينا دعوة لتناول طعام الإفطار في شقة ذلك الشيخ الواعظ السابق، وكان من عادة المتزوجين من طلبة القطيف أن يستضيفوا غير المتزوجين. لبّينا دعوته، وكاشن في استقبالنا ابن الشيخ، وعددنا يقرب من ثمانية أشخاص أو أقل.
وفي الوقت الذي كان فيه الابن مشغولاً بإحضار أطباق الطعام، كنّا نسمع صيحات عالية بكائية في صلاة الشيخ في غرفة خاصة، ونحن في حال من الصمت المطبق، ولا أبالغ إذا قلت أنّ بكاء الشيخ استغرق مدّة نصف ساعة تقريباً، منذ وصولنا إلى مجلسه حتى وقت مشاركته معنا طعام الإفطار.
كفكف دموعه بعد استغراق النفس في وقت صلاته الفريضة والتنفل مع أغلب المستحبات.
أطعمنا بالفطور حياءً منّا، واستصغاراً من أنفسنا، وكان الغالب على جلستنا معه هي الصمت المطبق، ثم خرجنا من بيته معتقدين أنّ صلاتنا وصيامنا، بل سائر عباداتنا، هواء بل هراء بعدما سمعنا هذه الصيحات والتنفّل من الشيخ الواعظ، وهو يعلم أننا نسمعه على يقين.
أقول: إن فعل ابن الشيخ في تهيئة الطعام أكثر عبادة من تلك الصيحات، وعلى فرض أن الصيحات أكثر ثوابا فإنها منحصرة في الإخلاص لله وبواطن النفس، ولا تشمل جميع حالات الظواهر والبواطن، فتأمل جيدا أيها القارئ لئلا يتغافلون عليك بالورع الشكلي.
وهنا أيضا مسرحية ثالثة:
الازدواجية
سمعت ذلك الشيخ الواعظ يوماً من الأيام وهو يتكلم عن دعوات بعض المشايخ الذين يروّجون لمرجعيّات محدّدة، وأنّ من يدعو عموم الناس لتقليد مرجع محدّد تميل إليه نفسه لأيّ غرض كان، فإنّ مصيره نار الله الموقدة في الآخرة، وكأنّه موكّل بخلق الله، فيدخل الجنة بسلام من يشاء، ويهوي بغيرهم في نار جهنم من يشاء.
وبعد أيام من هذه الحادثة ذهبت لزيارة الشيخ المذكور لغرض معيّن، ولما دخلت مجلسه رأيت مجموعة - أكثر من مئة نسخة - من كتب الأحكام الشرعية لأحد المراجع المعروفين بخطّه، ففوجئت بهذه الازدواجية والتناقض بين الأقوال والأفعال.
النتيجة
تعلق في أذهان الكثير الذين يمرّون بتجارب وحوادث آثار - إيجابية أو سلبية - في نفوسهم، وممّا ترك الأثر الكبير في نفسي مشاهد مسلسل يوسف الصّديق (ع)، وأعظم لقطة أثرت علي كلام (ألخماهو) في محاكمته، يقول بما معناه:
"إنّنا نكذب على الناس ونكرّر الكذب حتى نصدّق ونعتقد به".
ولا تعليق!.





error: المحتوي محمي