كما تعلم أيها القارئ الكريم بأننا أسدلنا ستار بحثنا السابق عن الإشكالية الثالثة التي طرح أصحابها تساؤلات عديدة دارت حول كيفية الإسراء هل كانت بالجسد أم بالروح أم بكليهما؟ وهل كانت في الحلم أم باليقظة؟ و قد قمنا بالرد على هذه التساؤلات بما يثري فكرك، وسنستعرض اليوم سوية إشكالا آخراً وهو الإشكال الرابع من بين الإشكالات الخمسة التي تعهدنا بالرد عليها ضمن سلسلتنا هذه.
(الاشكال الرابع):
يدّعي أصحاب هذا الإشكال بأنّ المســجد الأقصى موجود في الســماء الرابعة والمســمّى بالبيت المعمور، وليس ذاك الموجود في بيت المقدس بأرض فلسطين، وقد ذهب لهذا القول بعض علماء الشيعة وليس كلهم، مستندين برأيهم على ثلاث روايات فقط سنستعرضها لاحقا، لذا سنبدأ بحثنا أيها العزيز بأراء علماء ومفسرين شيعة يتبنون هذا الرأي:
ـ الأول: الفيض الكاشاني في كتابه (التفسير الأصفى) - ج 1 - ص 669: يفسّر قوله تعالى (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) :يعني إلى ملكوت المسجد الأقصى . قال : " ذاك في السماء ، إليه أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كما يستطرد قوله أيضا في كتابه الآخر (التفسير الصافي، ج 3 / ص 166): أي إلى ملكوت المسجد الأقصى الذي هو في السماء كما يظهر من الأخبار الآتية في قوله تعالى (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) أي لنريه من آياتنا إنه هو السميع لأقوال عبده البصير لأفعاله.
ـ الثاني: ســلطان محمد الجنابذي الملقب بسلطان علي شاه في كتابه (بيان الســعادة في مقامات العبادة) (٢ /٤٣١): ... المســجد الأقصى الذي في بيت المقدس أو إلى المســجد الأقصى الذي هو في الســماء الرابعة المســمى بالبيت المعمور الذي المســجد الأقصى مظهره وهو ملكوته كما أن المسجد الحرام مظهره وهو ملكوته.
-الثالث: الشيخ عباس القمي في كتابه (منتهى الآمال) ص ٧٠: وهو عالم ومحدّث وليس مفسر، يقول: والمشــهور على أن المســجد الأقصى هو بيت المقدس، ولكن يظهر من الأحاديث الكثيرة أنّ المراد منه هو البيت المعمور الذي يقع في السماء الرابعة وهو أبعد المساجد.
ولتكتمل فكرة أصحاب هذا الرأي يجب عرض الروايات التي يعتمدون عليها قبل البدء بالرد على أراءهم، وهي:
ـ تفسير القمي: حدثني خالد عن الحسن بن محبوب عن محمد بن يسار (سيّار) عن مالك الأسدي عن إسماعيل الجعفي قال كنت في المسجد الحرام قاعدا وأبو جعفر عليه السلام في ناحية فرفع رأسه فنظر إلى السماء مرة وإلى الكعبة مرة ثم قال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)، وكرر ذلك ثلاث مرات ثم التفت إلي فقال: أي شيء يقولون أهل العراق في هذه الآية يا عراقي؟ قلت يقولون أُسْرِىَ به من المسجد الحرام إلى البيت المقدّس فقال: لا ليس كما يقولون، ولكنه أُسْرِىَ به من هذه إلى هذه وأشار بيده إلى السماء... إلخ. (تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي - ج ٢ - الصفحة ٢٤٣)
ـ اليقين لابن طاووس: عن الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إنّ الله عزّ وجل يقول في كتابه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فكان من آيات الله التي أراها محمدا أنّه انتهى به جبرئيل إلى البيت المعمور وهو المسجد الأقصى، فلما دنا منه أتى جبرئيل عينا فتوضأ منها، ثم قال: يا محمد توضأ، ثم قام جبرئيل فأذن، ثم قال للنبي (ص): تقدم فصل واجهر بالقراءة فإن خلفك أفقا من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله عزّ و جل ... (اليقين في إمرة أمير المؤمنين: ص 87 و88).
ـ تفسير العياشي: عن سلام الحنّاط عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المساجد التي لها الفضل، فقال: المسجد الحرام ومسجد الرسول(ص)، قلت: والمسجد الأقصى جُعلت فداك؟ فقال: ذاك في السماء، إليه أسرى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: إنّ الناس يقولون: إنّه بيت المقدس؟ فقال: مسجد الكوفة أفضل منه. (تفسير العياشي - محمد بن مسعود العياشي - ج ٢ - الصفحة ٢٧٩).
وبعد أن أسهبنا إسهابا في عرض الأراء والأدلة التي يرتكزون عليها جاء دورنا لنبسط ردودنا على طاولة البحث فنجيب إشكالهم بأربع نقاط مختصرة هي:
1ـ أنّ أصل الروايات ضعيفٌة جداً و بالتالي لا يمكن الاعتماد عليها بتاتا لأنها لا تصل إلى حد الاطمئنان بل حد الترجيح الظني.
2ـ لو افترضنا صحة الروايات من الناحية السندية، سنكتشف من الوهلة الأولى بأن متنها ضعيف جدًا لعدم انسجامها مع الآية القرآنية، فالروايات الثلاث تدل على أن السماء الرابعة وجود مثالي وروحاني مع أن الآية الشريفة الذي بينّاه سابقاً في الإشكال الثاني أن وجوده مادي وجسدي، ولذا لا يعتمد على هذا الرأي. ويمكن ل
لقارئ الكريم العودة للجزء الثاني من البحث من خلال الدخول على الرابط التالي: (هنا).
3ـ أن العلماء الذين اعتمدوا على الروايات الثلاث إما هم إخباريون أو أصحاب منهج أخباري، إذ يرتفع لديهم منسوب تقديس الروايات بدون تحقيق أو تدقيق في صحتها.
4ـ أما فكرة أن المسجد الأقصى ملكوتي فهي من أفكار الغلاة المتطرفين الذين دسّوا سمومهم في الروايات التي تشبّث بها العلماء الأخباريون الذين يقدسونها تقديسًا كبيرًا دون تمحيص، وبالتالي يصعب عليهم أن يرفضوا مثل هذه الروايات وغيرها، وأظن أن هذه الروايات الثلاث وجدت لإلغاء عظمة بيت المقدس، وسنطرح هذه الفكرة الخطيرة في المقال الآتي.
وللأسف الشديد فإن بعض أصحاب الرأي الآخر من غير الشيعة يتهمون جميع علماء الشيعة بأنهم يتبنون فكرة (المسجد الأقصى الملكوتي) على الرغم من قلة المؤيدين لها، الذين لم يتجاوزوا عدد الأصابع أو أكثر بقليل، أما المعارضون لها فهم من العلماء أصحاب التحقيق والتدقيق الذين يعتقدون بأن المسجد الأقصى هو بيت المقدس بالحقيقة والواقع، وسنستعرض منهم أربعة علماء فقط على سبيل المثال لا الحصر:
١) الشّيخ الطوسي: شيخ الطائفة، وأوّل مفسّر للقرآن الكريم، من أعلام القرن الرابع الهجري، يقول في التبيان ج ٦ / ٤٤٦: والمسجد الأقصى هو بيت المقدس، وهو مسجد سليمان بن داود - في قول الحسن وغيره من المفسرين - وإنما قيل له: الأقصى، لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام.
٢) الشّيخ الطبرسي: من أعلام القرن الخامس الهجري، يقول في (جامع الجوامع) - ج ٢ - الصفحة ٣٥٨: والمسجد الأقصى هو بيت المقدس، لأنّه لم يكن حينئذٍ وراءه مسجد". يقول أيضا في (مجمع البيان) ج ٦ - الصفحة ٢١٥ "فإنّ الإسراء إلى بيت المقدس وقد نطق به القرآن ولا يدفعه مسلم".
3) السيّد الطباطبائي: قال في (الميزان) ج ١٣ - الصفحة ٦ "المسجد الأقصى هو بيت المقدس، والهيكل الّذي بناه داود وسليمان، وقدَّسه الله لبني إسرائيل، وقد سمّي المسجد الأقصى لكونه أبعد مسجد بالنّسبة الى مكان النبيّ(ص) ومن معه من المخاطبين، وهو مكّة الّتي فيها المسجد الحرام.
4) الشيخ مكارم شيرازي: قال في (الأمثل) ج ٨ - الصفحة ٣٨٧: "الآية تتحدَّث عن إسراء النبيّ(ص)، أي سفره ليلاً من المسجد الحرام في مكَّة المكرَّمة، إلى المسجد الأقصى في القدس الشّريف".
وسوف يكون المقال الآتي بإذن الله بعنوان صراع بين مسجدين، لارتباطه بمقالنا هذا، فتابع.



