12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

استثمار الحالة الثقافية محليًّا.. (قراءة في تقرير الحالة الثقافية السعودية 2021م)

ثمة قصة واقعية (بحسب ناقلها) تنفع للانطلاق نحو كشف الحال الثقافي في القطيف، فـ: أحد المسافرين القادمين عبر مطار الملك فهد الدولي، طلب حين الوصول إلى موظفة الجمارك؛ أن تدلَّه على الأماكن السياحية في القطيف، فكان جوابها عدم وجود أماكن سياحية، ومن الأفضل ألا يتعب نفسه!
إلى هنا تنتهي القصة، ويبدأ دور المثقف في تحليلها، فهذه الموظفة يتضح أنها لا تعلم عن الأماكن السياحية في المنطقة، التي يصل عمر بعضها إلى آلاف السنوات، والسبب عدم وجود قوائم موضوعة لتراث المنطقة، وهنا نسأل السؤال المهم: مسؤولية مَن كتابة قوائم التراث والسياحة والمتاحف والأماكن التي تنفع للزيارة في القطيف؟

الإجابة بالتأكيد تتعلق بأبناء المنطقة أنفسهم، فهم المسؤولون عن تسجيل أماكن التراث، وصونها من العبث، وفتح الأبواب أمام القادمين للاستفادة منها، وتجربة الأحسائيين ليست ببعيدة؛ إذ استطاعوا تسجيل تراثهم في منظمة اليونسكو، فلماذا لا يتم ضم قلعة تاروت الشهيرة وحمَّامها إلى قائمة التراث العالمية كخطوة أولى؟!

القصور في المتابعة والاهتمام؛ ولَّد إهمالاً لهذا الأثر المهم على مستوى المملكة والعالم، فإمكانية الاستفادة منه، واستثماره سياحيًا متوفرة، فمن يُعطِّل هذا الاستثمار؟ أعتقد هي مجموعة عوامل تظافرت وشكلت حاجزًا منع الاستفادة من وجوده، ولا يمكن نسبة السبب إلى شخص محدد أو هيئة معينة.

مرحلة العوامل المعطِّلة تجاوزتها وزارة الثقافة حين أقرَّت هيئة خاصة بالآثار، مهمتها تسجيل الأماكن السياحية، والاستفادة منها، فحولها يمكن إقامة عديد من الفعاليات، كما يمكن الاستفادة منها في صناعة سوق رائجة للملبوسات، والتحف، والمصنوعات التراثية.

في فقرة عنوانها "صون التراث والإدارة المستدامة له" في تقرير الحالة الثقافية، نقرأ كلامًا مهمًا عن التوثيق وإعداد قوائم الحصر والتنقيب والمسح والاكتشافات، وكذلك عن البحث العلمي، وإنتاج المعرفة في مجال التراث، مختتمًا أن في الشرقية وحدها 698 موقعًا مسجلًا، فهذا الحصر: "يهدف إلى حمايته وتنميته تنمية مستدامة وتعريف الجمهور به".

أعود إلى القصة التي بدأت بها لأقول: إن الخطأ ليس في رد الموظفة؛ حيث إنها لا تمتلك القوائم السياحية، فمن يمتلكها وزارة الثقافة، ولن تبخل بتوزيعها على منافذ الحدود المختلفة، إذ هو من صميم أهدافها وعملها، لأنه يؤدي إلى "تنميته تنمية مستدامة وتعريف الجمهور به".

كذلك نقرأ أن من "استراتيجيات هيئة التراث": توثيق الفنون الشعبية والموسيقى والرقصات التقليدية والمأكولات التراثية وتشجيع الفعاليات المتعلقة بها، إضافة إلى تسجيل وحفظ وترميم المواقع الأثرية، وكذلك تأهيلها كواجهات سياحية ثقافية.

أيضًا نجد في فصل "الاقتصاد الإبداعي"؛ الذي يشمل نشاطات كالبرمجيات وتصنيع الإلكترونيات وألعاب الفيديو أنه يمكن الإفادة منه في إضفاء الطابع الجمالي على المنطقة، بناء على تراثها في الزراعة والغوص، عبر صناعة منتجات تمثِّل تلك الحِقبة، أو تصميم المحلات، والإسهام في تزيين الشوارع.

فالهدف يتمثَّل في تحويل الأفكار الإبداعية، إلى سلع وخدمات ثقافية، قابلة للنشر والعرض والاستهلاك؛ كالأثاث والملبوسات والمنسوجات والتحف والهدايا.

الفولكلور الشعبي من رقصات اليامال، وأغنيات البحر، وأهازيج الزواج، مرورًا بالدوخلة والمساحة الممنوحة لها، وليس انتهاء بالخوص والسعف والمصنوعات التي يتم إنتاجها من النخلة، جميع ذلك وأكثر مما ينبغي أن يتم تسجيله ضمن قوائم الوزارة؛ لحفظه، "وتنميته تنمية مستدامة وتعريف الجمهور به".

بالانتقال إلى المتاحف والمكتبات؛ حيث تعد من أكثر الأماكن السياحية، التي تجذب القادمين من داخل وخارج المنطقة، فالقطيف بما تحتوي من تراث ضارب في العمق؛ تمتلك عديدًا من المتاحف والمكتبات الخاصة، التي يوجد في بعضها مخطوطات قديمة ونادرة.

بالرغم من أهمية المتاحف والمكتبات الخاصة إلا أن استثمارها الاستثمار السياحي قليل، فما الفائدة من وجودها إذن؛ إذا كانت الأبواب مغلقة دونها؟! فائدتها لصاحبها وعائلته ولجماعة قليلة من أصدقائه، أمَّا بقية المجتمع؟ فلا يستفيد من وجودها، فهؤلاء ينبغي حثهم لتسجيل متاحفهم ومكتباتهم ضمن قوائم الوزارة، وبالتالي الاستفادة منها سياحيًا وثقافيًا.

وبالانتقال إلى الطباعة والنشر والتأليف، فقبل أزمة كوفيد 19، وبشهادة الأستاذ خالد اليوسف، الذي اعتمدت الوزارة عليه ببلوغرافيا للحصول على عدد المطبوعات في المملكة، تحدَّث عن ريادة القطيف في الإصدارات الأدبية، وأنها الرقم الأول بين محافظات ومناطق المملكة.

ريادة القطيف في مجال التأليف تصاحبها كثرة الفعاليات والمهرجانات، والمتابع للشأن الثقافي يكتشف ذلك، فمن الأمسيات الشعرية، والفعاليات المتصلة به، إلى الفعاليات الصحية، والاجتماعية، والثقافية، فثمة حركة ثقافية كبيرة، ينبغي الاهتمام بها، وتنميتها عبر إشراك الجهات العامة والخاصة، والأهم هو تسجيلها ضمن قوائم الوزارة ما أمكن ذلك، القوائم نفسها التي ستكون في قادم الأيام في خدمة السياح والزائرين وستُعرِّفهم بتراث المنطقة وثقافتها.



error: المحتوي محمي