12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

العلوم الاجتماعية في الحداثة الغربية بين التحدي و الطموح

يسأل البعض بذكاء:
لماذا لم تنتج الحداثة الغربية نظرية اجتماعية محكمة تدرس تطورات المجتمع و ظواهره و تتنبأ بمستقبله بدقة كما تفعل قوانين نيوتن للحركة الميكانيكية في عالم الطبيعة؟
للإجابة على هذا السؤال، لابد أن نستعرض تاريخ علم الإجتماع و أحد نظرياته المشهورة.
أوروبا و بداية النهضة العلمية:
تبنت الكنيسة المسيحية في العصور الوسطى بعض الأفكار اليونانية كمركزية الأرض و جعلتها من مقدسات الدين التي لا يجوز مخالفتها، حتى هبت رياح التغيير في القرن الرابع عشر و بدأت العلوم الاسلامية و غيرها تصل الى فلورنسا في ايطاليا ثم انتقلت منها الى فرنسا و اسبانيا فانتشرت بعض الفنون كالنحت و الرسم و غيرهما. رافق ذلك ترجمة فلسفة ابن رشد و كتب ابن سينا و ابن الهيثم و البيروني و غيرهم هم من العلماء المسلمين، خاصة في علم الفلك و ما أنتجه مرصد مراغة الذي أسسه نصير الدين الطوسي عام 1259م. هكذا انطلقت في الغرب نهضة علمية كان من روادها كوبرنيكس الذي أثبت مع زملاء سبقوه مركزية الشمس و دوران الأرض و بقية كواكب المجموعة الشمسية حولها. ثم تبعه غاليليو الذي وثق هذه النظريات باستخدام التلسكوب الذي صنعه لأول مرة، و نذكر هنا اقتباسا من غاليليو حيث قال: ( توجد الفلسفة في هذا الكتاب الكبير، كتاب الكون، وهو مفتوح لنا باستمرار. ولكن لا يمكننا فهم الكتاب إذا لم نعرف اللغة التي كتب بها ولم نحاول تعلم الحروف المستخدمة في كتابته. إنه مكتوب بلغة الرياضيات ولغتها هي الدوائر، والمثلثات وأشكالٌ أخرى هندسية، وبدونها فلا يستطيع الإنسان فهم حتى كلمة واحدة من الطبيعة والكون، وبدونها يضل الإنسان في دهليزٍ كبيرٍ مظلم). كانت ردة فعل الكنيسة فظيعة جدا فاحرقت البعض و عاقبت آخرين لأنهم تبنوا نظريات تخالف العقيدة الكنيسة بمركزية الأرض. لقد مثل هذا طعنة قاسية في قدسية الكنيسة و ثقة المجتمع الغربي فيها خاصة بعد أن أكمل الرواد العلماء هذه النظريات مثل اسحق نيوتن الذي أسس علم الفزياء و اليه ينسب علم التفاضل و التكامل فوضع قوانين الحركة الميكانيكية و قانون الجذب العام و الكثير من الانجازات العلمية الرائعة.
من جانب آخر، كان تعاون الكنيسة مع الإقطاع و الطبقات الغنية لكسب المال و الإحتيال على الآخرين ببيع صكوك الغفران عبر سنين طويلة عاملا مهما في نزع الثقة من الكنيسة و عدم الرضوخ لها. أستمر هذا الصراع ضدّ الكنيسة حتى ثار مارتن لوثر (1483 – 1546) على الكنيسة الكاثوليكية وأسس البروتستانتية، فأعترض على صكوك الغفران و ترجم الانجيل من اللاتينية الى الألمانية وسمح للقساوسة بالزواج و مرت أوروبا في صراعات طائفية رهيبة بين الكاثوليكية و البروتستانتية كان منها حرب الثلاثين عاما بين (1618 – 1648) و التي أنخفض بسببها عدد سكان المانيا بنسبة 30% و قتل نصف عدد سكان بعض المناطق و ثلثي سكان مناطق آخرى. بدأت هذه الحروب طائفية ثم تحولت الى حروب آخرى أكلت الأخضر و اليابس ثم أنتهت تقريبا بصلح وستفاليا عام (1648). هكذا أنتهت هذه الحروب بقبول البروتستانتية في بعض مناطق أوروبا و منها انتقلت مع المهاجرين الى شمال امريكا. جاءت هذه الحركة الاصلاحية متزامنة مع الكثير من الابداعات العلمية حيث أنطلق علماء الطبيعة و الفلك في الرصد و الملاحظة و التجربة فحققوا الإنجازات العلمية العظيمة.
الحداثة الغربية:
عدة عوامل مهدت للحداثة الغربية منها:
1. نجاح العلماء في اثبات مركزية الشمس رغم عناد الكنيسة و تعسفها حيث كانت تتبنى مركزية الأرض، مما يعني خطأ الكنيسة آنذاك. لقد تسبب هذا في الدعوة الى ضرورة فصل الدين عن العلوم الطبيعية،
2. نجاح الثورة الاصلاحية البروتستانتية ضد الكنيسة الكاثوليكية، مما أعطى الفرد حرية أكثر في قراءة الانجيل و فهمه بلغته المحلية و نزع القداسة عن صكوك الغفران و عن تصرفات الكنيسة المتعاونة مع الاقطاعيين،
3. بروز الكثير من المنظرين و المصلحين من أمثال جون لوك و جاك روسو و غيرهم الذين دعوا الى تبني الحرية و أنظمة العقد الاجتماعي و سن القوانين الوضعية.
هكذا تبلورت رؤية الحداثة الغربية بأن الإنسان محور الكون، فهو كائن حرّ عقلاني يملك كل وسائل التفكير الضرورية لفهم الطبيعة والحياة المادية التي يمكن تجربتها و ملاحظة نتائجها و قياس كمياتها و استنتاج نظرياتها بدقة. و بذلك أصبح المنهج التجريبي و ما يتبعه من منطق رياضي و قوانين عقلية هي المصادر الرئيسية للفكر البشري فغاب الدين و الوحي و ما وراء المادة. أي أن الحداثة الغربية رأت ما يلي:
1. مادية الكون (لايؤثر في الطبيعة سوى المادة التي يمكن اجراء التجارب عليها)، هذا لايعني انكار الخالق بل يعني قصر العلاقة مع الخالق لمن يشاء في الكنيسة دون أن يتدخل هذا الاعتقاد في فهم العلوم او وضع حدود لتطورها او تنظيم حياة المجتمع الغربي،
2. عقلانية الانسان (العقل قادر على فهم الحياة و تدبير شؤونها، فلا حاجة الى الدين).
المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية:
تطورت العلوم الطبيعية من خلال تكرار التجارب في المختبرات على السوائل و المعادن و غيرها و عبر رصد حركات الأجرام السماوية باستخدام التلسكوبات. ثم تم معالجة هذه النتائج بقوانين رياضية و بناء على بديهيات عقلية لاستنتاج قوانين و نظريات كلية.
يتكون المنهج التجريبي من أربع مراحل:
1. الملاحظة و التجربة مع التكرار و الدقة في المراصد و المختبرات
2. افتراض علاقة او معادلة تحقق نتائج التجربة و تثبتها علميا
3. اثبات الفرضية عبر تطبيقها في ظروف أخرى او مواد أخرى لتصبح قانونا او نظرية
4. تطبيق النظرية في الحياة العملية
تتميز نتائج المنهج التجريبي بأنها:
• موضوعية مستقلة قابلة للتكرار و لا تعتمد على صاحب التجربة
• كمية يمكن قياس نتائجها و التأكد من دقتها و تفسيرها
• الوصول الى شبه يقين بنتائج التجارب و القوانين و النظريات
• عالمية التطبيق فلا تختص بجغرافيا او تاريخ معين
• حتمية النتيجة عند توفر الأسباب المؤدية لها.
الثورة الصناعية:
بدأت في اوروبا صناعة النسيج و السفن و انتقلت بعدها الصناعة الى كل جوانب الحياة الأخرى. احتاجت الصناعة الى اليد العاملة، فسافر الكثير من ابناء و بنات الأرياف الأوربية الى المدن الصناعية للإلتحاق بالمصانع، فسكنوا بمفردهم بعيدا عن أجواء أسرهم و مجتمعاتهم الأصلية. و صاحب هذا الأجواء اختلاط بين ثقافات مختلفة و شعور بالوحدة و الغربة مع وفرة للمال و المتع المادية. نتيجة هذه الظروف ضعفت العلاقات العائلية و غابت الرقابة الاجتماعية فاضطربت المعايير الاخلاقية و انتشر الشعور بالاغتراب، و برزت ظاهرة الإنتحار و الكثير من الظواهر الاجتماعية الجديدة. و قد صاحب هذه الثورة الصناعية بعض الأحداث الكبرى التي مرت على بريطانيا و الثورة الفرنسية التي نادت بشعارات الحرية و المساواة و العقد الاجتماعي.
ولادة علم الإجتماع:
في أجواء الثورة الصناعية و ما صاحبها من ظواهر اجتماعية، برزت الحاجة الماسة لفهم المجتمع و دراسة ظواهره و محاولة معالجتها و وضع حلول لها. لقد انبهر أوغست كونت (1798 - 1857 ) بابداعات اسحق نيوتن في علم الفيزياء و الحركة التي أستطاعت ان تدرس حركة الأجرام السماوية، فأعتقد أن باستطاعته تأسيس علم يعنى بدراسة حركة المجتمع و الوصول الى قوانين اجتماعية ثابتة و دقيقة ليتنبأ بظواهره بصورة دقيقة، حتى أنه أطلق على هذا العلم الجديد اسم فيزياء المجتمع، ثم عاد بعد مدة ليغيّر هذا الاسم الى علم الاجتماع Sociology
الفلسفة الوضعية: رأى كونت كغيره من علماء عصره الذين عايشوا انتصار العلوم الطبيعية على آراء الكنيسة، أن البشرية تطورت فكريا عبر الزمن حتى و صلت في طورها الثالث و الأخير الى تبني المنهج التجريبي و الذي اثبت نجاحه في العلوم الطبيعية بديلا عن الخرافات و الغيبيات، و بناء عليه فالعقل هو الوسيلة التي يجب استخدامها في المنهج التجريبي لفهم العلوم الانسانية و الاجتماعية.
ابجديات علم الإجتماع:
المجتمع هو مجموع الأفراد الذين يعيشون في مكان و زمان معين و تربطهم علاقات تبادلية او غيرها، حيث يقوم الأفراد كل حسب مكانته بأداء أدوار لتلبية الحاجات الضرورية لحياته و حياة بقية أفراد المجتمع. و تبرز هنا مقولتان مهمتان في علم الإجتماع و هما المكانة و الدور:
المكانة: هي الموقع او الوظيفة التي يقوم بها الفرد في حياته الاجتماعية و التي تكون متعددة غالبا (فلنفترض مثلا: أنه أب لأسرة و موظف في شركة و عضو في نادي رياضي).
الدور: المسؤوليات و الأعباء التي يقوم بها في كل مكانة او وظيفة يقوم بها، ( فهو في افتراضنا السابق: يقوم بمسؤوليات الأب في الأسرة، و يقوم بأداء خدمات الموظف في الشركة، و يقوم ايضا بنشاطه الرياضي و اجتماعاته مع زملائه في النادي كعضو في نادي رياضي).
لذلك كلما كان هذا الفرد كفؤا في أداء أدواره المناطة به، كلما أستفادت الأسرة منه كأب، و أستفادت منه الشركة كموظف و أستفاد منه النادي كلاعب. والعكس صحيح، حين يتقاعس عن أداء أدواره او يكون غير كفؤ، تبرز مظاهر الضعف و الوهن في الأسرة و الشركة و النادي.
مثال من علم الإجتماع (نظرية البنائية الوظيفية):
البنائية الوظيفية نظرية كلاسيكية تنظر الى المجتمع الكبير و ليس الى الفرد فتدرس البنى الاجتماعية مثل الأسرة و الدين و الظواهر الكبرى التي يشترك فيها الكثير من الأفراد كالبطالة و الطلاق و الانتحار. أسسها أوغست كونت و طوّرها ايميل دوركهايم و بعده ميرتون ثم بارسونز و غيرهم. و سميت بالبنائية الوظيفية لأنها ترى أن المجتمع يتكون من مجموعة بنى (أي أنظمة او انساق) و سميت وظيفية لأن كل بنية فيه تقوم بوظيفة معينة فتتكامل هذه البنى و يتحقق الاستقرار في المجتمع.
فكما يتكون جسم الإنسان من عدة أجهزة مثل الهضمي و التنفسي و العصبي، يقوم كل منها بواجبه لخدمة الجسد، كذلك المجتمع يتكون من أفراد يجتمعون في انظمة او انساق تقوم بخدمة المجتمع (ملاحظة: كلمة نسق جاءت من التنسيق و التعاون لتحقيق هدف معين).
مثال: يوجد في المجتمع أنساق اي انظمة أسرية و صحية و تعليمية و اقتصادية و غيرهم. فالأسرة مثلا هي أول خلية اجتماعية و ذات طبيعة اخلاقية و قد تكون نووية تتكون من الأب و الأم و الأطفال فقط و قد تكون ممتدة فتشمل الأجداد و الجدات و الأعمام و الأخوال.
يوجد في كل نسق او نظام مجموعة من افراد المجتمع لكل منهم مكانته و دوره المناط به ضمن برامج و مستوى أداء يتفق عليه الجميع، و لكل نظام مدخلات و مخرجات. يتأثر و يتفاعل كل نظام بالأنظمة الأخرى، فمثلا النظام التعليمي يتأثر بالنظام الأسري الذي يزوده بالمدخلات (وهي الأطفال الصغار الملتحقين بالمدرسة)، و مخرجات النظام التعليمي هم (الخريجون من مهندسين و اطباء و اساتذة و محاسبين و غيرهم) يلتحقون بالشركات و المؤسسات كمدخلات للنظام الإقتصادي و هكذا. فاذا تغير او أختل اي نظام تتأثر الأنظمة الأخرى. فمثلا إذا تميز النظام الأسري و ربّى أطفالا مبدعين، و اذا تميز النظام التعليمي فأسس بنية تعليمية رائعة، تميز الخريجون الذين سيعملون في المؤسسات و الشركات و بذلك يتميز و ينتج النظام الإقتصادي فيتحسن وضع الأسر المالي و المعيشي و نتيجة ذلك يبدعون أكثر في تربية و تعليم أطفالهم و هكذا تستمر الدورة الاجتماعية.
أسباب الإنحراف في المجتمع:
درس روبرت كنغ ميرتون (1910-2003) أسباب الانحراف في المجتمعات، مستخدما نظرية البنائية الوظيفية، فرأى أنّ المجتمع و ليس الأفراد هو من يحدّد:
• الاهداف الثقافية العامة: فمثلا المجتمعات العلمية قد ترى الحصول على الجوائز التقديرية او الابداع العلمي هدفا ساميا بينما ترى مجتمعات آخرى تحقيق الغنى والثروة هدفها الأسمى، و قد ترى مجتمعات آخرى الخدمة الاجتماعية هدفا ساميا.
• الوسائل المشروعة: يحددها المجتمع لتحقيق الاهداف الثقافية العامة، فمثلا قد يؤسس مجتمع معين الجامعات و معاهد البحوث للتفوق العلمي، بينما يسمح مجتمع آخر بالعمل وتأسيس الشركات ولا يسمح بالسرقة،
أما أسباب الإنحراف فهي ما يلي:
1. عدم انسجام الاهداف المطلوب تحقيقها مع الوسائل المشروعة، أي انه اذا كانت المعايير والوسائل لا توصل إلى النتائج المطلوبة فان هذا سيؤدي إلى انحرافات، و قد لا يوفر المجتمع الوسائل المطلوبة بينما يضغط نفسيا لتحقيق الأهداف،
2. خلق الناس مختلفين في طاقاتهم و قدراتهم، لذا حتى عندما تنسجم الأهداف و الوسائل، فان بعض الافراد يستطيع تحقيق الاهداف عن طريق الوسائل المشروعة، أما البعض الآخر قد لا يستطيع تحقيقها فيلجأ إلى وسائل منحرفة غير مشروعة.
الانحراف في المجتمع الأمريكي:
يرى ميرتون أنّ القيم الثقافية في المجتمع الامريكي تشجّع على تحقيق الأهداف المادية كالغنى والثروة وتدفع لها بقوة، ونتيجة طغيان الاهداف المادية وجاذبيتها، والطموحات المادية المرتفعة جدا وعدم قدرة بعض الافراد على تحقيقها عبر الوسائل المشروعة، لذا قد يلجأ البعض منهم للانحراف واستخدام الوسائل غير المشروعة كالجنس والمخدرات و الغش المالي كما فعل برنارد مادوف في فضيحته المالية في سوق الوول ستريت التي اعلن عنها في ديسمبر 2008، و المثال الآخر هو ما تسببت به البنوك الأمريكية و ضغوطها على موظفيها لتعظيم الأرباح حيث تم التساهل في القروض و الرهونات العقارية حتى انتهت بكارثة الرهن العقاري في عام 2008 التي كادت ان تعصف بالاقتصاد العالمي.
كيف يسير المجتمع ذاتيا دون محرك خارجي:
يوضّح تالكوت بارسونز (1902-1979) : أنّ الانسان حر عقلاني يختار فعله من ضمن الخيارات المتاحة له، ونتيجة التنشئة الاجتماعية التي تربّى فيها، فإنّ فعله هذا يأتي متناسقا مع القيم والمعايير الاجتماعية التي توافق عليها المجتمع «الضمير الجمعي». وحيث أنّ الفرد لا يعيش في فراغ بل في بيئة اجتماعية، لذلك يؤدي فعله إلى تفاعل وردود فعل من الآخرين في المجتمع فيتفاوضون حتى يتفقون على فعل معين يرتضيه الجميع. هذا التوافق بين الفاعلين يضمن تناسق المجتمع مما يجعل المجتمع يتحرك و يتجدد ذاتيا دون الحاجة الى محرك خارجي.
خذ مثلا فردا يعمل في شركة ويستلم راتبا محددا مقابل عمله الذي يؤديه. الشركة تفرض عليه قيما ومعاييرا ضرورية وهي الزامية لجميع الموظفين، هذه القيم والمعايير تنظم النواحي المادية النفعية وتلبي الحاجات النفسية لدى جميع العاملين في الشركة مثل المحبة والتعاون واحترام الزملاء. غاية الفرد العامل من الالتزام بالقيم التي فرضتها الشركة هو الوصول إلى الاشباع المادي اي الحصول على مرتبه المالي والاشباع المعنوي اي تقدير زملائه. إنّ حصول هذا الاشباع يجعل الفرد يكرر الافعال فيؤدي دوره في الشركة كاملا. و بالمثل، يؤدي كل فرد من العاملين دوره في الشركة كاملا مما يجعل عمل الشركة وسيرها ذاتيا.
نقد البنائية الوظيفية:
هذه النظرية تعتبر الفرد أداة صغيرة في آلة المجتمع الكبير، وعلى الفرد أن يتقن دوره ويؤديه، وان لم يفعل، فسيطحنه المجتمع. فهي لا تعطي الانسان كامل القدرة والتأثير، كعقلاني خلاق يستطيع التفكير والتغيير بالطريقة المناسبة، فسلوك الفرد يحكمه ضمير الجماعة و أي فرد يشذ بأفكاره يتعرض إلى ضغط معنوي للرجوع الى القيم المجتمعية.
كما أن هذه النظرية محافظة، تؤيّد الاستقرار، حيث يتوافق الجميع على المصلحة المشتركة وتطبيق القانون وعدم الاخلال به. لذا فهي تهتم بمصلحة المجتمع وليس بمصلحة الافراد ولا بالعرقيات المختلفة.
كما أنه عندما تدرس هذه النظرية أي ظاهرة اجتماعية مثل الطلاق أو الجريمة، لا تدرس الفرد بل تدرس البناء الاجتماعي كالأسرة والمدرسة، و لذلك تهتم كثيرا بالتعليم والتربية لتضمن تنشئة مستقرة غير متمردة.
الخاتمة:
لقد تبنت الحداثة الغربية ما يلي:
• محورية الانسان و عقلانيته و قدرته على فهم العلوم الطبيعية و الاجتماعية بعيدا عن الدين لأنها رأت في الدين تقييدا لحرية الانسان و حرمانا له من عقلانيته. و قد أسست بناء على ذلك العديد من النظريات و منها نظرية البنائية الوظيفية التي تم نقاشها في هذه الورقة. لكن النتيجة جاءت نقيض ما تراه الحداثة، فقد تبين ان البنائية الوظيفية جعلت الفرد أداة صغيرة في آلة المجتمع الكبير، وعلى الفرد أن يتقن دوره ويؤديه، وان لم يفعل، فسيطحنه المجتمع. لذا لا يملك الانسان القدرة والتأثير، كعقلاني خلاق يستطيع التفكير والتغيير بالطريقة المناسبة بل هو شيء من أشياء المجتمع تحكمه قوانين المجتمع و ميوله كالموضة و الظواهر الأخرى. و كمثال على سلب هذه العقلانية و الحرية الفردية ، ننظر الى علاقة الموظف بالشركة التي يعمل فيها، و التي قد تضطر نتيجة عواصف السوق و انخفاض اسعار اسهمها الى تسريحه مع الآلاف من زملائه لخفض التكاليف. هكذا يحكم السوق على الشركة فتحكم الشركة على الفرد نتيجة هذا البناء الذي تبنته الرأسمالية بسوقها الحر و نظريتها البنائية الوظيفية.
• تبنت الحداثة المنهج التجريبي كأساس لفهم العلوم الاجتماعية بعد أن انبهرت بنجاح المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية و بناء على المادية البحتة التي لاترى أثرا لماوراء المادة في نفس الانسان و حياته. لكن العلوم الإنسانية كالدين و اللغة و التاريخ و الاقتصاد و الأدب و الفن تتعامل مع الحس الإنساني و الجوانب الغير مادية كما تتعامل مع جوانب الانسان المادية. فالظواهر الإنسانية ليست خارجية مستقلة عن الإنسان، بل هي تعتمد على دوافعه النفسية الداخلية، فكل فعل إنساني لا يمكن قياسه كميا وإنما يمكن فهمه ووصفه في محاولة الوصول إلى نظرية دقيقة. هذا المنهج الذاتي قد يفتقد الموضوعية، لأن الباحث يحتاج إلى إعمال ذهنه للوصول إلى فهم ذاتي للظاهرة واستنتاج أسبابها.
أرجو أن تكون هذه الورقة قد أعطت الإجابة على السؤال الذي بدأنا به، و هو لماذا لم تنتج الحداثة الغربية نظرية اجتماعية محكمة تدرس تطورات المجتمع و ظواهره و تتنبأ بمستقبله بدقة كما تفعل قوانين نيوتن للحركة الميكانيكية في عالم الطبيعة؟ لذا من الواضح، أنّ الضرورة قائمة و الحاجة ماسة للوصول الى فهم أكثر للإنسان بجانبيه المادي و الروحي و بمنهج أكثر تفسيرا لظواهره الاجتماعية حتى نصل الى نظرية اجتماعية نتمكن بها من فهم المجتمع بصورة أكثر دقة و أعظم أثرا، و الحمد لله ربّ العالمين.



error: المحتوي محمي