12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

هكذا تكلم د. حسن ظاظا

في مناسبة ثقافية بالقاهرة تحدث أحد أساتذة الأدب بجامعتها، عن أن "د. حسن ظاظا" ليس مصريًا أصيلًا! مشيرًا إلى المقابلة المتلفزة الوحيدة في برنامجي (هذا هو) التي بثتها mbc سنة 1995م، مع أستاذ الأدب العبري والفكر اليهودي.. الذي ذهب لدراستهما في الجامعة العبرية بالقدس سنة 1944م قبل قيام دولة إسرائيل سنة 1948م، وقد حصل فيها على درجة الماجستير حول (أثر المناهج الإسلامية في تأليف العلوم الدينية عند اليهود).
والعجب أنه ذهب بتوصية من "أبا إيبان"! الذي ترجم بعض روايات توفيق الحكيم الأولى، حين كان يعمل في القاهرة ضابط اتصال بين المستعمر البريطاني، والجماعات اليهودية في العالم العربي، استعدادًا لتهجيرها إلى إسرائيل، قبل توليه منصب وزير خارجية الدولة العبرية.
أما "حسن ظاظا" فقد سافر إلى فرنسا ملتحقًا بمدرسة اللغات الشرقية بباريس، حاصلًا في عام 1958م على دكتوراة الدولة في الآداب من السوربون بجامعة باريس.
وقد حل في الرياض أستاذًا في جامعتها -منتصف السبعينيات الميلادية- مع نخبة مختارة من الأكاديميين المصريين، شرفت بأني تتلمذت على أيديهم، وكان حظي أن أحضر محاضراته في فقه اللغة، وإذ شدتني ثقافته الموسوعية المبهرة.. طلبت منه سنة 1983م -أثناء عملي مشرفًا على إصدار جريدة الرياض الثقافي (الرياض الأسبوعي)- أن يطل على تلامذته وعارفيه بمقالة أسبوعية.
تلكأ أول الأمر، متذرعًا بأنه لم يعتد الكتابة في الصحف، ولعله تحفز للكتابة وأنا أتعهد له بصرف مكافأة مجزية، وهذا ما تم حيث لم يتوقف بعدها مع توقف الإصدار الأسبوعي، مستمرًا فيما سميته، مداعبًا في إرسال (صك) مقاله (الكشكول) الذي اعتاد تقديمه ملفوفًا للنشر كل خميس في جريدة الرياض.
وقد راقه العمل في الجامعة، والحياة في مجتمع الرياض، رغم اقترانه بفرنسية.. وقد حظي لأريحيته وظرفه، بشبكة هائلة من العلاقات العامة، تقدمها صديقنا المفكر د. راشد المبارك، الذي رعاه حق الرعاية حتى أخريات حياته، حيث توفي في المدينة التي أحبها، ودفن في مقبرة (النسيم) في الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة سنة 1419 هجرية.


حسن محمد توفيق ظاظا، عالم مصري، من أشهر المختصين في اللغة العربية واللغات السامية، ولد عام 1919، وتوفي عام 1999م.
* تخرج في جامعة القاهرة بليسانس في اللغة العربية واللغات السامية عام 1941م.
* حصل على الماجستير في الأدب العبري والفكر اليهودي من الجامعة العبرية بالقدس في فلسطين عام 1944.
* نال دكتوراه الدولة في الآداب من السوربون بجامعة باريس، بدرجة الشرف الأولى عام 1958.
* من أعماله:
- اللسان والإنسان.
- الساميون ولغاتهم.
- كلام العرب.
- الفكر الديني اليهودي.
- الشخصية الإسرائيلية.
- أبحاث في الفكر اليهودي.
رغم بساطة ضيفنا وتبسطه إَّلا أنني أجد حيرة في تقديمه، فكيف أقدّمه؟ أًأُقدمه بوصفه أديباً ناصع العبارة مشرق الأسلوب، أم عالماً متخصصاً في قضايا اللغة واللغات السامية، أو على وجه الدِّقَّة باحثاً في دراسة التاريخ اليهودي والشخصية اليهودية، لكننا ندع الحوار يقدّم الأستاذ حسن ظاظا.

حسن ظاظا: شكراً لهذا التقديم الفضفاض جدّاً،وأنا أحيي الأستاذ محمد رضا نصر الله، فأنا دائماً في الأستوديو أو خارجه أجد سروراً كبيراً جدّاً في تبادل الحديث معه.
محمد رضا نصر الله: شكراً جزيلاً. أستاذنا الدكتور حسن، لنبدأ منذ البداية، وبرنامجنا هو حديث سيري عن الذات، لنبدأ منذ البداية بعد ميلادك في عام 1919 ميلادية، وهو تاريخ له معناه في التاريخ السياسي المعاصر لمصر، هل بالإمكان أن تستجمع لنا صورة عن تربيتك وتأهيلك الدراسي في إطار الوضع المصري، حيث كانت القاهرة ومصر تواجه -وقتذاك- جملة من التحديات، وفي مقدمتها التحدي الاستعماري البريطاني؟
حسن ظاظا: أنا ولدت في شهر 6 عام 1919 في حي الدرب الأحمر القريب جدّاً من حي الأزهر، وفي غرفة كان ينالها رصاص الإنكليز من ثلاثة أركان لأن الركن الرابع كان متصلاً بغرفة أخرى، ولدت في وسط أزيز الرصاص، وفي وسط غطرسة المستعمر في مصر، بعد هذا كان جدي -رحمة الله عليه- قد نذر إن ولدت ابنته -وهي أمي- ولداً أن يدخل الأزهر، وفُرض عليَّهذا النذر، فأرسلت إلى الكتّاب لأحفظ القرآن،وحفظته فعلاً، وكان معلمي هناك هو الشيخ محمد شلبي، وهو جد الصديق والناقد الكبير الدكتور شكري عيّاد، وكان يساعده ابنه الشيخ عبد الفتاح شلبي الذي اشتهر بعد ذلك فأصبح نقيب شعراء الشعب في مصر، ونشرت له وزارة الثقافة عملاً جليلاًجدّاً هو كتابة (السيرة النبوية) بالزجل. بعد هذا دخلت المدرسة، وكان جدي قد اختلف مع أبي في مسائل تربيتي، حيث كان مقرراً أن أدخل القسم الابتدائي في الأزهر، فأدخلني أبي المدرسة الابتدائية الحكومية في التعليم المدني، وكانت الصعوبة الكبيرة هي اللغة الإنجليزية؛ لأن الازهر لا يدرس اللغة الإنكليزية، وكنت أعدّ نفسي للأزهر، فكان في استعدادي الداخلي عدمالاكتراث بمعرفة لغة أجنبية، ومن سخرية المقادير أن قضي عليَّ بعد هذا أن أتعلم وأن أقرأ وأن أكتب بأكثر من لغة أجنبية، فهذا شيء من قبيل: وتقدرون فتضحكُالأقدار.
محمد رضا نصر الله: دكتور حسن، نحن نعلم -أنا شخصيّاً في الأقل وبعض الأصدقاء- أنك من أرومةكردية، وقد كان أبوك وجدك أو جدك بالأحرى كرديّاً صارماً وله موقف مع الخديوي، من هنا نريد أن نتعرف على فسيفساء المجتمع المصري والتركيبة الإثنية الموجودة في هذا المجتمع الذي احتضن العديد من الإثنيات والعناصر القومية.
حسن ظاظا: يحار اللبيب في الأثنولوجيا المصرية؛لأنها مجموعة من أعراق وعناصر تبدأ من خط الاستواء وتنتهي قرب القطب الشمالي، فيها الأكراد الذين هم ظاظا، وهم قبيلة كردية تقيم وما زالت في تركيا إلى الآن ويناصبها الأتراك العداء. وفيهم -أيضاً- من قبط مصر الذين أسلم منهم عدد كبير جدّاً. وفيهم النوبيون القادمون من جنوب مصر أو حتى من جنوب وادي النيل، وهم عدد كبير جدّاً. وفيهم المغاربة كثير جدّاً،وكانوا عند أول مجيئهم خصوصاً بعد الاحتلال الفرنسي للشمال الأفريقي يقيمون في أحياء خاصة بهم، منها حارة المغاربة في الإسكندرية، وحارة الفحامين في القاهرة، إنما مع طول الإقامة ومع الاختلاط بالشعب المصري اندمجوا وأصبحوا جزءًا لا يتجزَّأ من المصريين، وأصبحوا مصريين وجزءاً لا يتجزّأ من هذه التركيبة الإثنية للشعب المصري.
محمد رضا نصر الله: نعود إليك وإلى كرديتك دكتور حسن، هل بالإمكان أن تقصَّ علينا ما جرى بين جدك والخيديوي؟
حسن ظاظا: الذي جرى هو بين جد أبي وليس جدي عثمان ظاظا، وكان محارباً يطالب بشيء من الاستقلال الذاتي للكردستان التركية، وكان السلطان التركي يحاربه ويطارده لهذا السبب، إلى أن وقعت الواقعة بين تركيا ومحمد علي المصري في هذا الوقت، وأرسل محمد علي ابنه إبراهيم باشا لمحاربة السلطان في تركيا، فانضم إليه جد أبي عثمان واشترك معه في معاركه إلى أن وصل إلى كوتايا وأُعلنت الهدنة، فخشي على نفسه ورجع مع إبراهيم باشا إلى مصر، ثم أرسله محمد علي إلى السودان الذي كان واقعاً تحت السيطرة المصرية في هذا الوقت، وكانت فيها عناصر تتمرّد على حكم محمد علي، فأرسله إلى هناك بحكم أنه مقاتل مجرِّب وعنيد، حيث اشتهر بأنه عنيد جدّاً، فوصل إلى هناك، ثم اكتشف في جنوب السودان جماعة من الشعب لم تصلهم لا دعوة المسيح ولا دعوة الإسلام ولا دعوة موسى ولا عيسى، وأنهم بقوا يعبدون القرد والثعبان والتمساح، فكان هو يطاردهم ويفرض عليهم الإسلام أو القتل، فسمع محمد علي بهذا وبنجاحاته في جنوب السودان، وحينها كان قد وصل إلى مديرية بحر الغزال ودخل مدينة جوبا بمدفعيته، فأرسل يستدعيه على عجل بأمر من الحاكم الذي هو محمد علي، فرد عليه قال: آسف، لا أريد أن أطيع أمرك؛ لأن الوضع أمامي الآن وأنا أنفذ فيه أمر الله، فأدخل أناساً في الإسلام كثيرين جدّاً.
محمد رضا نصر الله: وماذا عن والدك الذي يبدو أنه قد درس الجغرافيا وحصل على الليسانس فيها؟
حسن ظاظا: حصل على الليسانس في الجغرافيا من إنكلترا وعاد إلى مصر في عام 1904، فعيّن مدرساً للجغرافيا والتاريخ في مدرسة ثانوية في دلتا النيل،فملّ هذه الحياة، حيث كانت بطبيعته مغامراً جدّاً،وكانت الحياة الرتيبة المتكررة تؤذيه عصبيّاً.
محمد رضا نصر الله: لهذا مال إلى الفن فالتحق بفرقة جورج أبيض؟
حسن ظاظا: التقى بجورج أبيض وكان قد تعرف إليه على ظهر باخرة، حيث كانا راجعين من أوروبا الاثنين، وكان جورج أبيض قد أرسله الخديوي عباس ليستطلع مستحدثات الفن المسرحي في أوربا واختيار ما يمكن إدخاله في نهضة المسرح في مصر، فتعرفإليه ودعاه جورج أبيض إلى التعاون معه، لأنه يعرف الإنكليزية ويعرف الفرنسية حيث درسها في مصر قبل أن يذهب إلى إنكلترا، ويعرف العربية ويتقنها جدّاً،ويحفظ القرآن كله، فقال جورج أبيض: نستطيع أن نتعاون على ترجمة آثار مسرحية عالمية وتمثيلها. لكنه خاف من التضييق عليه من قبل الأسرة، لأنه في هذا الوقت كان الرأي العام لا يحترم الممثلين أبداً، وكان التوجّه السائد هو توجه الأزهر، وهو يعتبر هذا بدعة،وبدعة ممقوتة جدّاً، وماسة بالكرامة وكل شيء، فرفض.ثم ضاق صدره بالتعليم فلم تكتمل السنة الدراسية الأولى فخرج باحثاً عن جورج أبيض فوجده يستعد للسفر بفرقته في جولة، وأخبره أنه يسافر إلى تونس ومنها إلى بيروت ثم إلى إسطنبول ليقدم عدة حفلات،ونظراً إلى كون والدي محمد توفيق ظاظا لا يحفظ أدوار الروايات ولم يتدرّب على التمثيل فما ينفع أن يخرج معهم في هذه الجولة.
محمد رضا نصر الله: إذن فاتته الفرصة.
حسن ظاظا: فاتته الفرصة، لكن أراد جورج أبيض أن يحتفظ به على صلة، فأرسله إلى أحد متعّهدي الحفلات المسرحية في مصر، وكان له نشاط كبير، وهو إسكندر فرح لبناني، فأخذه إسكندر فرح وألحقه بفرقة الشيخ سلامة حجازي، المطرب المشهور في هذا الوقت،وكان يقدم أوبريت "روميو وجولييت"، وكان الرجل في هذا الوقت قد أصيب بالشلل، فكانت تسدل الستارة إلى أن يحملوه ويجلسوه على كرسي ثم تفتح الستارة،فيغني أغنيته وهو جالس، وكان أبي في هذا الوقت يقوم بدور أحد البارونات الكبار بجسمه ووجهه وكذا، فكان يأتي دوره بعد سلامة حجازي، وهو دور غير غنائي بلتمثيلي.
محمد رضا نصر الله: إذن هل نستطيع أن نقول:إن دكتور حسن ظاظا هو خلاصة لهذه الجينات المتناقضة، جينات جده الذي كان جادّاً وحاسماً وشخصية والده الذي كان ميّالاً لأن يكون فنّاناً بسيطاً؟ هل بالإمكان أن نقول: إن شخصية الدكتور حسن ظاظا تجمع هذه المفارقات عبر تخصّصه الدقيق في دراسة اللغات، واللغات السامية والعبرية تحديداً، واهتمامه بالفن التشكيلي مثلاً والآداب والشعر؟
حسن ظاظا: أستطيع أن أزيد على هذا. كان لي عم (شقيق أبي)، وكان الرجل كفيف البصر، وشيخاً من علماء الأزهر، اسمه محمود ظاظا، وهو في منتهى المرح ومن أصحاب النكتة التي تنتشر كالكهرباء، وربما أخذتُ منه هذا الميل إلى المرح، أما أبي فلم يكن مرحاًبشكل ملحوظ، بينما عمي الأزهري كان كلامه كله محشيًّا بالنكت والضحك والمداعبات، فكان يعجبني جدّاً الجلوس والاستماع إليه، فيمكن أنه كان السبب في ميلي حتى فيما أكتب من الكتابات الأدبية الخفيفة إلى هذا المرح وهذا الضحك، وبُعدي عن الجماعة الذين يعلنون الكوارث ويطالبون الناس بالبكاء، فلا أحب هذا.
محمد رضا نصر الله: لنقف عند المحطة الجامعية،فقد درستَ في جامعة القاهرة وتخصّصتَ بعد ذلك في دراسة اللغات السامية واللغة العبرية، حيث أوفدك أستاذك كراوس إلى القدس قبل قيام الدولة اليهودية.هل بالإمكان أن تتحدث لنا عن هذه الفترة لدخولك إلى الجامعة مثلاً، واتصالك برموز التدريس الفكري والأدبي الثقافي البارزين أمثال طه حسين وأحمد أمين وأحمد ضيف أيضاً، ذلك الذي ذهب قريناً في بعثة الدكتور طه حسين إلى باريس.
حسن ظاظا: الجامعة في هذا الوقت كان من يدخلها يجد فرصة يظل طول حياته يُحسد عليها.وعندما دخلتها كان أساتذة التاريخ والفلسفة والأدبمن الأسماء اللامعة، فكان طه حسين للأدب والنقد الأدبي، وأحمد أمين للتاريخ والأدب العباسي وتاريخ الحضارة العربية، والشيخ مصطفى عبد الرازق للفكر والفلسفة الإسلاميين، والدكتور عبدالوهاب عزّام للأدب المقارن الفارسي والعربي، ولطفي السيد باشا كان مدير الجامعة في ذلك الوقت، وكان كثير التجوّل في كليات الجامعة وخصوصاً كلية الآداب بالذات، وكان يحلو له أحياناً أن يظهر فجأة في وقت الامتحان الشفوي في اللغة العربية أو في الفلسفة الإسلامية.
م


error: المحتوي محمي