12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

للمدن أسرارها

ما هو سر المدن؟
المدن التي تحدثنا بما فيها. تسافر فينا لأقصانا برحلة سرمدية لا نعود منها كما كنا. تترك تاريخها حاضرًا كظلها، كحقائب لسفر طويل معبأة بحملها كبصمة مسافر أضنته الرحلة.
المدن التي تحكي أسرارها وتحفظ وقائعها وتواريخها ولا تغلقها. تلك المدن التي خلقت لنفسها انسجام ما في نبض العالم وبعدت عن التسطيح الزائف. هي التي تستحق احتفاء لائقًا بها. كل الأشياء التي لا تملك جوابًا مناسبًا لها متوقفًا عند انتظارها لتطمئن لسرها. هي لا تقمع مشاعرك. بل تمد يديها ناحيتك لأقصى شعور يمكنك أن تدركه. في حين لا تملك سوى الاستسلام لها، الإصغاء، الالتفات، وجيف القلب، وحضور الذهن واضطراب الفؤاد. حتى إن خواطر ذهنك تتيقظ فتعيش فيها كل حالاتك مجتمعة؛ الشوق، الحنين، التوق، الدهشة والألم، ذلك الرابض في روحك حتى تتعافى مما تعرف. سترجف وأنت تصغي لهسيسها. لأنك لم تظفر بحقك فيها. وسيسري الغضب في دمك وأنت تصغي لصليل إيقاع السيوف بالمعركة، يضخ أقدار اللعنات بداخلك. تنفعل لا إراديًا وتبتلع الشتائم غيضًا في وجه العجز، وأنت من فرط الانهيار تكاد تكون عاجزًا عن التوقف. لا شيء سيهزمك أكثر من الخذلان.
وستعرف أن هذه المدينة ليست حزينة لأن الحزن ضعف، وهي الأبعد عن الضعف، إنها غارقة في صلابة الدم المسفوح في رمضائها منذ ما يقارب الألف والأربعمائة عام؛ لذا هي تطالعك بطرفها الخفي وكأنها تريد أن تبوح لك بسرها. سرها الحارق دون حديث عال فالحديث بصوت مرتفع مؤلم ومفجع وكاشف لوجه التاريخ وزيفه. ستبوح لك بسرها فتستصغر نفسك رغم بعاد الأزمنة بينك وبينها.
ولأن الحديث الصامت أوقع من القول. ستتكشف لك الأوجه واحدًا تلو الآخر وتتساقط أقنعتهم المزيفة، فتبحث عن شتاتك. تتلفت نواحيك فتجد بقايا بشر. بقايا حياة. بقايا تاريخ. بقايا ويلات وخيبات.
تتجاوزك لتعبرك بصمت. لكنها تترك أثر خطاها علامة فارقة في وجدانك. ستشبهك هي حد التطابق، وستتوحد معها فتضاعف قدرتك على التجلي، تبصر فيها القدرة والنور، الصبر والظفر، وتشرح لك ما عجز غيرك عن شرحه بإشارة واحدة "كانوا هنا مضرجين بدمائهم في صحراء قاحلة مقطوعة رؤسهم".
إنها مدينة عظيمة تلك التي تحملك لعمقها، لتاريخها لوقائعها. للمربكات التي حصلت فيها. مدينة عظيمة تلك التي لم تبدل قناعاتها ولم تغير وجهتها بل كلما طال العمر فيها وامتد عادت فتية بكل أنفتها باعتصامها، بغضبها بمقاومتها، إذ لا تزال مضرجة بدمائها وكأنها للتو تطعن. هي لم تكبر كما لم تصغر. لم تصنع لنفسها مقارنة مع أحد. احتفظت بمكانتها، قرارها، جرحها، كفاحها، وصمدت في وجه أكذوبات التاريخ وتحايله حين تجاوزها بمروره. طالعته بتحد صارح وشواهدها حاضرة وبجرأة راحت تشهر إصبعها في وجهه وتقول له: توقف عن قلة الحياء، فقد انتصف العالم ومني بدأ تاريخ آخر. أنا سر من أسرار المدن القليلة بهذا العالم، ونكهة طيبتها أرواح وحكايات لساكنيها وضمائرهم. تتجلى بي عظمة تعجيز حيرت كل العقلاء. أنا وحدي من أصنع حاضري ومجدي. أنا كربلاء. نكهة الدم والعزة وسر من أسرار الابتلاء.



error: المحتوي محمي