12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

لكنَّها لم ترحل.. «5»

لم تُرد حنان إزعاج ياسمين في نومها، كان اليوم مُرهقًا، فقد انتهى اليوم الدّراسي، إلى الشّقة لأول مرة بمفردها.
إنَّ في ياسمين سرًا ينبغي لي معرفته، الخوف يعتريني، فربما لا تُريد أن تبُوح لي به، سأدعها على راحتها، فإذا أرادت البوح؛ كلي آذان صاغية لها، قلبي يُوجعني عليها، لماذا حدث هذا في بداية الدّراسة؟! تقُول حنان بوجل.
برغم أنّ ياسمين شفافة في التّعامل مع حنان، وطيبة لأبعد حد، إلا أنَّ حنان تجدها، ترتع في الغُموض كثيرًا.
قرأت حنان ذات شغف القراءة أنّ الإنسان، يميل أحيانّا إلى الغُموض، أو يتصنعه، سعيًا إلى تفعيل عنصر التّخفي، إيمانًا منه بأنّ الكشف الكلي سيجلب له المتاعب ويُدخله في دائرة الوجع، والقلق، الذي قد يقض مضجعه دون فائدة تُذكر، ليخلق المسافة بينه، وبين الآخر.

إنَّ طبائع النّاس تختلف بحكم ثقافتهم، البيئة التي تحتضنهم، لتبرز الفوارق الفردية، وما الشّقة، التي تجمعهنًّ، سوى كونها مُجتمعًا مُصغرًا، تجد فيه من يتفق معك، ومن يختلف، من يكون بلسمًا، ومن يكون علقمًا، لتُصقل خُبراتك، وتمنحك التّجارب، والإنسان النّاجح، هو الذي يستفيد منها، ويتمتع بالمُعالجة النّفسية والاجتماعية، الفكرية، التي تضعه في الضّفة الخضراء، ليرتشف الماء، ويتغنى بذاته عبر سلّم الارتقاء.
لاحظت حنان في تصرفات أريج ما جعلها لا تستسيغ التّعامل معها، ترمقها بطرف عينها، تُحدثها بأسلوب مُنفر، دائمًا تتذمر من كلّ شيء، تُريد السّيطرة على الأخريات، لا تُراعي حتى عندما تُشاهد التّلفاز، تجعل الصّوت مُرتفعًا في الإصغاء إلى الغناء، مما يُسبب الإزعاج لهنَّ في المُذاكرة، أو الخلود إلى النّوم.
لن أجدني فقد ضيعتها ذاتيّ. تبُوح ياسمين.
تسأل حنان: افتحي قلبكِ يا ياسمين، كلي آذان صاغية لكِ؟
تُضيف: ما الذي يُتعبكِ يا روحي؟!
أزيحي غبار التّعب عن ملامحك، إنّي أصغي.
تنفست بعمق، وخاطبتها: حنان، لقد تقدّم لي من يُريدني زوجة له، وكل هذه الفترة، قامت أسرتي بالسُؤال عنه، وتوصلوا إلى أنَّه رجل طيب، ومن عائلة راقية، لم يُسمع عنها ما يسوء، مُوظف، ووضعه المعيشي ممتاز، ووالده قد وضع لهم عمارة سكنية، ومنحه شقة فيها، ولكنّي مُترددة يا حنان، فإنَّي للتو بدأت الدّراسة الجامعية، والخيار بين أن أكملها، أو أدخل الحياة الزّوجية، وأكوّن أسرتي التي أحبها كأي أنثى تنتظر فارس أحلامها.
مُشكلتنا أنَّنا نعيش الحياة كبراءة الطّفولة، لهذا تُوجعنا الحياة، للأسف كلّ شيء يكون في بدايته رائعًا، ولكن النّهايات قد تكون مُؤلمة إلى اتساع الوجع، كثيرّا ما نُخطئ في تقديرنا للأمور، يأخذنا الظنّ بعيدًا، حيث أنفسنا تُبحر في النّسيان بلا مجداف بوصلة، ما أجمل أن نفهم ذواتنا، ونفهم الآخرين، كي نستطيع التّعامل معهم بإنصاف، فلا نرتطم بالأرض ذات غفلة من البوح، في النّجاح كلّ الأعين تُعانق عينيك، وفي انكساره لا تجد إلا ذاتك، لتجلدها ما استطاع قلبك. تُضيف ياسمين.
تُجيبها حنان: إنَّ الحياة مليئة بالمُفاجآت، والتي قد تأتي على شكل ألم يختزل في داخله السّعادة أو شيئًا يسير في ذات الاتجاه، برغم ارتداد الجاذبية، لتسقط التّفاحة، ونُحلق في الفضاء؛ لنصل إلى الشّاطئ.
تستطرد: لماذا أشعر أحيانًا بأنَّك غامضة؟
ستُدرك في نهاية المطاف ما كنت تخشاه، تتوجس حُدوثة، لن تجد من يقرأ ذاتك سواك، من يشعر بنبضات قلبك سواك، من يفهم صمتك، وألوانك الشّاحبة سواك.
ستُدرك في نهاية المطاف أنَّك لم تكن ذاتك، فاحتواك البُؤس، ورائحة عطرك لامستها رُطوبة الجو، لتخالها شيء لم يكن في قارورة، لونها الورديّ يبعث في أنفاسك شدو البلابل في صباح غض، يحمل إليك رسالة من النّدى، وقوس قُزح، فلا تُغمض عينيك، لتشتاق إليه أكثر!
ستُدرك أنَّك بخير، فاقرأ ما يُخفيه الصّمت، فإنَّ خلف الصّمت الكثير من الكلمات لم تُقل.
ستُعلمك الحياة أنَّ الجراح زاد، والآهات ماء، فارتشفه، لتُشرق الحياة في عينيك، كلّ الذين يقُولون لن نرحل، وسنظلّ في عينيك الضّوء، وفي خُطواتك الأثر، وفي قلبك النّبضات، وفي أصابعكِ الأبجدية، هم الذين يرحلون. بألم تُوضح ياسمين!
أنتِ تُغرقين ذاتيَّ بكلماتك، فلا أستطيع مُجاراتك في الحديث، أنتِ كاتبة، ولكن لا بأس، لتُغرقني الأبجدية، نعم، فمازالت اللّغة تُسعفني لأكتب. تقُول حنان باستغراق التّأمل.
حقًا، وفي رحيلهم، يأخذنا الرّحيل إلى دُنيا لا تُشبه الآخرين في دُنياهم، نُبحر في ذواتنا بلا مجداف، مجدافنا التيه، والموج الأنين، يقُود قاربنا إلى الشّاطئ، لنرقص على ألحانه، والعصافير في السّماء، تُزقزق من نبضات قلوبنا.
‏أجمل ما في الكتابة أن تعيشها بكلك. تتعرى من كلّ الأشياء، فترتعش الفكرة، وتنساب على شفتيك الكلمات، لتكون أنت في قالب الأبجدية، تُشكلك كيفما أرادت، ‏لكلّ كاتب في نسج يراعه شيء منه بل كله. تُعلق ياسمين.
أحببتك يا ياسمين، ولن أتوقف عن هذا الحُب، أنتِ في مساماتي نشوة لها من العذوبة ما يُغرقني فيكِ أكثر، وستظلّ كلماتكِ تتجدد كلّ يوم كأنّها للتو ولدت، لتولد كلّما يديكِ تُشاغبها، لأصغي بشوق، كلماتكِ، تُنعش تفاصيلي، تدسّني فيكِ مُجددًا لأكوّن وجهي على ملامح وجهك. تُناغيها حنان.
إذًا؛ سيُتعبكِ الإصغاء إلى نبضات قلبي، وأنين شفتيَّ، وارتعاشة الخوف، الذي اجتاحني مُنذ ذلك الموقف، الذي جعل الخُطوط، تتشابك في بعضها، لأخرج منه بلا جناحين، كطائر أتعبه التّرحال، ليُكمل طيرانه مشيًا على الأرض، مُترنحًا. تبكي ياسمين الآن في كلماتها.
تسمّرت حنان في مكانها، لا تعرف ماذا تقُول، تُحدّث نفسها: أيكون هذا الموقف السبب في جعل أمر الخطوبة صعبا عليها، ولا تستطيع اتخاذ القرار، لتكون فريسة الضّعف، والذّبول، أم أنَّ السرّ أكبر من ذلك؟ ليتني أستطيع التّخفيف عنها، مُساعدتها على اتخاذ القرار.
أخبرتها ياسمين، وهي تُمسك يديّ حنان: لا تقلقي حبيبتي، مازلت أتنفس، مازلت بخير، مازالت نظراتي إلى الحياة بكلّ تفاؤل وحب، وقريبًا سأبوح لك بما تودين سماعه، أحبكّ حنان، ما رأيك في كوب من القهوة الفرنسية، وبعض من الشّوكولاتة التي يُحبها قلبكِ؟



error: المحتوي محمي