عندما تظل تائهًا في حياة من صنع الآخرين، حتما سوف تتحول إلى مدمن أحزان، وتتعثر في خطواتك.
هنا تستحضرني قصة مما قرأت عن أحد الجنود الأبطال الذين تحققت على أيديهم انتصارات، وخرجت بلادهم من براثن الحروب الطاحنة؛ حيث إن أحدهم -ممن كان معهم في الكتيبة التي ينتمي إليها- وشى به وبزملائه إلى الأعداء، مما جعلهم يلوذون بالفرار والاختفاء عن الأنظار والتوهان في معترك الحياة، والتسكع في دروب المشقة، والنزوح تحت خط الفقر والعوز، ما دفع هذا الجندي إلى إدمان الكحول.
عمل هذا الجندي في إحدى الشركات مراسلًا، وبحسب طبيعة عمله يمر بمكتب المدير يوميًا، وبما أنه تم تعيين مدير جديد، قال: "لم لا أسلم على المدير الجديد"، طرق الباب ودخل على المدير، وهنا كانت المفاجأة، إنه ذلك الشخص الذي وشى به وبزملائه إلى الأعداء، وكان السبب في وقوع أكثرهم في الأسر، وهروب البعض الآخر؛ حيث كان هو أحد الذين لاذوا بالهرب، وظل طوال سنين عدة مطاردًا ومطلوبًا ومتخفيًا باسم غير اسمه، وشخصية مدمن كحول مشرّد في الشوارع، بطبيعة الحال هو لم يعرفه لسوء حاله، فضاقت نفسه؛ إذ كيف له أن يراه يوميا ويسلم عليه.
من التفاهة أن يصبح الخائن ذا منصب وسيادة وتنحني له الرقاب، والشريف يغدو وضيعا مشردا. قصص كثيرة ومتشابهة وإن اختلفت في مسمياتها
لكن المضمون واحد.
دائما الأوسمة تكون لأوضع الناس؛ الجهلاء والحمقى، وليس هذا على مستوى المجتمعات المحلية، بل على مستوى العالم، فصناعة محتوى من "الاستهبال" في مختلف مواقع التواصل وإعطاؤه الدعم الكامل، ينشئ ثقافة التسطيح.
نحن من ندفع بهؤلاء ليتصدروا الواجهات الاجتماعية والعملية والثقافية، وهذا بدوره يقودنا إلى صناعة جيل من الأغبياء لا مضمون له؛ لأننا سمحنا للتفاهة والتافهين باحتلال مساحات يصولون ويجولون من خلالها من باب الحس بالمسؤولية؛ فردًا أو جماعة أو مجتمعًا، لا تجعلوا الأغبياء مشاهير بـ"اللايكات والكومنتات" توقفوا عن المجاملات عندما يطلب منكم موظف تقييمه.



