12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أمي من فريق الأطرش (22)

قافلة آتية من الشرق من ضفاف البحر، من قطاف الثمر، ومصائد الدانات، من بلاد الرماح الخطية والذهب الأسود. محملة بالأشواق واللهفة والشغف لأداء النسك، طوت الصحاري القفار، الدهناء، نجد، النفود، وقطعت الفيافي الموحشة، عاشت التيه وقاست آلام الجوع ووعثاء السفر.
هي قافلة الحاج عيسى صالح الدار التي تحركت من ديارها عصر يوم الأربعاء 15 وحطت رحلها في مدينة الرسول يوم الثلاثاء 22 ذي القعدة من عام 1379 هجرية.
سبع سيارات أفرغت حمولتها من بشر تنفسوا الصعداء بعد سبعة أيام من المعاناة والقلق والأرق، دوي محرك، طنين أذن، وحرارة جو، وضجيج ملاسنة.
عند الوصول لأرض طيبة المباركة هبت نسائم محمدية، تحي المشتاق، وتهدّئ من روع النفوس المتعبة، حماس متقد والحراك محموم، أمتعة مرفوعة فوق الرؤوس والأكتاف يتم توزيعها على نزل متفرقة، عوائل تجرجر أجسادها المنهكة، يفوح منها رائحة عرق وأبخرة جلد لم يبتل طوال أسبوع إلا من ماء للوضوء. برغم الإنهاك ودوار الرأس وقلة النوم، الكل متلهف للتوجه لحرم الحبيب المصطفى.
قائد الحملة روحيًا الشيخ فرج العمران، أوصى الجميع بضرورة التطهر قبل الذهاب للزيارة. وتذكير من المرشد ملا عيسى بن عباس وغيره من مرشدي الحملة بنية الغسل.
توزعت العوائل على بيوتات متفرقة، نظرًا لكثرتهم واكتظاظ الموسم، استئجار في نزل أشبه بـ"الخانات" وأخرى بيوتات لسكان المدينة، يخلون بعضًا من غرفهم للزوار والعيش مشترك، سكن شعبي هو المتاح لأن الفنادق قليلة جدًا.
انفرد الحاج حسن مهدي آل زرع في بيت مستقل من أجل استقلال عائلته التسعة، بيت طيني لا يوجد فيها لا كهرباء ولا حتى دورات مياه، ومن أراد قضاء حاجته يأخذ من البيت "إبريق ماء" ثم يقطع شوطًا مدته 3 دقائق ويطوف بين أزقة ترابية ليصل للحمامات العامة، قسم للرجال وآخر للنساء، بناء متهالك، يصدع الرأس من روائحه النتنة، قد يكون الذهاب في النهار أرحم من الذهاب عند منتصف الليل حيث الصمت المطبق.
سألت نسوة آل زرع صاحبة البيت عن مكان سباحة النساء، ردت عليهن: "حاضر بس، انتظرنني أكنس البيت وأرش أرضيته بالمويه، لأدليكن وين مكان التروش"، كلمة تسمع لأول مرة ويستفسر عنها في حينها: "يا حجية و"يشيه التروش؟" أوضحت لهن "يا حبايبي السباحة".
كلمات جديدة تلتقط كل يوم من مجتمع منوع له تسمياته الخاصة: (حبحب، تكنيس، مويه، بلح، إيوه).
مريم وأمها وابنتا خالها وزوجته استعجلن التحرك لحاجتهن الماسة للاستحمام فلم يعدن قادرات على تحمل روائح أجسادهن المصنة، كل واحدة تستغيث من كيميائية جلدها الفواح.
يقال بأن لكل إنسان بصمة رائحة مميزة عن غيره، قال تعالى على لسان يعقوب: {ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا تفندون}، تدلنا الآية الكريمة على أن كل مخلوق له رائحة تختلف عن الآخر، رائحة فريدة من نوعها لا تتطابق حتى في التوائم، تمامًا كبصمة الإبهام، هناك "علم تعقب الرائحة" وكلاب "الوولف" تتحرى المشبوهين من روائحهم، وهناك المدافعون عن رائحة الجسد الطبيعية المبتل فقط بالماء يعتبرونه لغة تواصل!
وأجساد الأسلاف غمرت بالماء ولا شيء غيره، وأجدادنا لم يعرفوا صابون الاستحمام ولا بلسمًا ولا شامبو إلا في وقت متأخر من حياتهم.
وصلات تأفف من نساء آل زرع من وضع رائحة أجسادهن المزرية حسب تعليقاتهن المضحكة "ريحتنا بصل مقطن، لا سمك معفن، وين عين العودة عنا وعيون فريق الأطرش حتى اندعچ عافيتنا"، وبينما هن واقفات عند باب البيت الخارجي، رأتهن "أم عبدالغفور الشيوخ" العارفة بالمكان قبلا وهي الأكبر منهن سنًا، قالت لهن: "تعالوا يا خلف أبوي، تعالين وراي، ما عليكن من صاحبة البيت لا تلعب عليكم، أني باوديكم ببلاش" أخذتهن لمشوار ليس بالسهل مسافة تقدر بـ800م، وهن المتعبات فكل تحرك ولو كان بسيطا فهو مضن، وصلن للعين أشبه بالبركة متوسطة الحجم، تقع وسط بستان كثيف الأشجار، لكن الماء لم يكن صافيًا "مدلخ" تعلو سطحه أعشاب الماء، "علق" أو "شبه"، لم يبالين، أبعدنه جانبًا وتحممن وانتعشن، وغسلن ملابسهن الرثة، ونشرنها على خضر النخيل لبعض الوقت ثم جمعنها على عجل ولم يزل الماء يتقاطر منها، ست نساء تحركن للعودة للمنزل، لكن الأم ليلى والبنت مريم مشيتهن بطيئة مثل طفل للتو يتدرب على المشي، قالت الأم لبنتها "همشي يا بتي هداكم بنات خالش راحوا عنا" تقدمت عنهن النساء الأربعة للأمام، لحظات ثم اختفين عن ناظريهما بين جلبة وتعاقب المارة، وعند مفترق زقاق متعرج وقفت البنت وأمها متحيرتان، فقد استشكل عليهن الدرب، هذا الاتجاه أم ذاك، جدال حاد بينهما "الدرب منا، لا منا" أصرت الأم على موقفها وتبعتها ابنتها على مضض، وكلما قطعتا أزقة وزواريب، دون فائدة، لم يتضح لهن السكن، وبعد مشوار ضائع وأسئلة للغرباء "ما تعرفون وين حملة عيسى الدار؟" لا جواب يشفي التائهتين، وقفت مريم مستأذنة من أمها بالرجوع للدرب التي تعتقده صحيحًا، وبنبرة فيها شيء من الإنهاك والعتب نتيجة التعب المضاعف، من مشوار رحلة مرهقة وثقل جنينها، "تعالي وين رايحة، ضيعتينا" تشاجرت الاثنتان، وأخيرًا رضخت الأم مكرهة بعدما أعيتها الحيلة، ولحقت وراء بنتها وهي تلومها بسبب حركتها البطيئة، رجعن ومشين حسب اجتهاد البنت بالدرب الذي تظنه صحيحًا، امراتان جديدتان على المكان صلتهن شمس الظهيرة والمشي الطويل. يقول أحد الرحالة المفتونين بالأسفار "عندما تصل إلى مكان لم تره من قبل، يبدو الأمر كما لو أنك أعمى عن الكثير من الأشياء التي تراها".
معرفة الأماكن الجديدة والتثبت من جهاتها يحتاج مرور اكثر من مرة ومرة. بعدما قطعتا البنت والأم مشوارًا يساوي كيلو ونصف الكيلو ذهابًا وإيابًا وهما تسحبان رجليهما سحبًا أبصرتا الشابين علي زرع وجاسم الصادق المتفانيين في خدمة العائلة فقد خرجا للبحث عنهما، طمأنة متبادلة بين الجميع، فكان حدس البنت هو الأصوب.
حين دخلتا نزلهما نالهما نصيب من صاحبة البيت محتجة على حنث الوعد "وينكم قلتلكم انتظروني أوصلكم لمكان التروش بمبلغ محدد، الآن حقي لا أتنازل عنه"، استلمت عن كل واحدة ربع ريال، كان اتفاقًا مسبقًا بينها وبين بنات آل زرع!
عند الظهر أبلغ جميع ركاب الحملة بعد تناول وجبة الغداء التوجه للحرم بشكل متفرق وكل باص مع مرشده. هبت كوادر شابة لتوزيع "صواني الأرز" التهام وحمد وشكر.
عند العصر اصطفت النفوس متأهبة للقيام بأول زيارة لحرم النبي، راية صغيرة مرفوعة عاليًا تقودهم قدمًا للاستدلال نحو المسير، زحف مطرد والخطو ليس مثل أي خطو سابق، الشوق يسبق الملتاع الحالم قبل الوصول. قلب يتخيل ويرى وتتداعى ذكريات أهازيج الطفولة "صلوا على أحمد يا حاضرين، نور تشعشع بأرض المدينة"، خلال 10دقائق، بانت المنارات والقبة الخضراء، ارتعاشات جسد، وفيض مشاعر.
وقف مرشد الحملة ملا عيسى بن عباس عند (باب جبرائيل) وخلفه نفوس تلهج برخصة الدخول التي حفظها عن ظهر قلب: "اللهم إني وقفت على باب من أبواب نبيك صلواتك عليه وآله وقد منعت الناس أن يدخلوا إلا بإذنه فقلت: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم)، اللهم إني أعتقد حرمة صاحب هذا المشهد الشريف في غيبته كما أعتقده في حضرته، وأعلم أن رسولك وخلفاءك عليهم السلام أحياء عندك يرزقون".
حين وصل الملا عيسى لعبارة من الدعاء ذاته "أأدخل يا رسول الله أأدخل يا حجة الله، أأدخل يا ملائكة الله" صوت نسائي انفجر باكيا وتنهد وهو يقول "يا رسول الله، يا شفيع الأمة.. إني على بابك لا تخيب رجائي" تمتمات مغموسة بالنحيب. ثم أشار الملا بأهمية الدخول بالقدم اليمنى وحين بلغ بهم الروضة الشريفة قرأ دعاء الزيارة: "السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا محمد بن عبدالله، السلام عليك يا خاتم النبيين، أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، وعبدت الله مخلصًا حتى أتاك اليقين، فصلوات الله عليك ورحمته وعلى أهل بيتك الطاهرين".
تهب النفوس بين ركعة وسجدة، صلاة للزيارة وصلوات نيابة عن الوالدين والأهل والدعاء لهم، كفوف ترفع بطلب قضاء الحوائج. ما حال ألولهان المتعطش للزيارة الحالم بها منذ سنين حين يكون في عين المكان لأول مرة، لا يصدق ناظريه، يشكر ربه أن بلغه ليرى المكان المقدس الذي رسمه الخيال صورًا شتى، أحيانًا يتغير تكوينًا أو تفصيلًا حسب وصف الواصفين الذين أتوا للحج أو العمرة قبلا لكن عندهم خشية وهم يصفون، وبجملتهم الاعتراضية "من غير تشبيه" مخافة أن يشبه بشيء عيني ليس بحجم ومكانة قدسية المكان ذاته.
لأكثر من ستة عقود لم تكن الصورة الفوتوغرافية حاضرة في مجتمعنا شعبيًا سوى رسومات گرافيكية، للحرمين المكي والمدني موضوعة في "جزء عم" تلك المصاحف المطبوعة في الهند، وما دون ذلك لم تر أي صور غيرها، فدهشة المكان عند الزيارة الأولى تخلب الحواس وتهز الأبدان، يتجلى المحب ويغيب في كنه المكان، ناسيًا كيانه المادي، روحه، ترتحل طيرانًا لصدر الإسلام الأول، تتشكل ملامح نوارنية يطلب منها الوسيلة والهداية، كأنه يرى ويسمع ويشاهد بيت النبوة.
دلالات وشواهد ورسم معالم المكان، عبر الخطو الأول تنسجها الشابة "مريم هبوب" للحرم المطهر: "أول شيء الترخيصة بره، وبعدها نوقف عند دار الزهرة ونسلم عليها، تالي اندش مهبط الوحي، يرخصونا إلى النبي حتى ندخل عليه، ملا عيسى يعلمنا ترخيصة الدخول، لا تدخلوا بيوتًا إلا بأذن أهلها، وندش ونصلي ونقعد، ويوقفونا مرة فانية عند دار الزهرة ونسلم عليها، وقبر النبي شفناه، محلاه، عليه برد خضران وحمران، دخلونا داخل الروضة الشريفة، وشفنا محل مهبط الوحي، نوقف نسند عليه، چده نفر نفرين تتسند عليه في حرم النبي، والضريح قريب من مهبط الوحي، وفيه أشجار ثلاث نمونة الذهب، منتشرة على كبر الحرم، والحرم كله مفروش بالزوالي، وعند الأشجار الفلاف مدور المكان بشبك حديدًا مزخرفًا مكشوفًا لفوق، يجول فيها الحمام، يأكل حبا، ونطلع بره وسبيل الحسن نشرب منه ماء، طاسة عودة بقرشين قاعد عليه عسكري.
ساعات أول نروح الحرم وساعات نروح البقيع، أناسة هناك، وأطلع في البانكات مستعجبة منهم معلقين في السقف چيفه يدورو، بعديه الدنيا ما في كهرباء البلد". على مدى أعوام سمعت أوصافًا من أمي، حول معمارية حرم النبي ومعالم المدينة المنورة، تبرز صور وتغيب أخرى، أتوه من كثرة استطراداتها، لكني متيم باسترجاع ذلك الزمن الذي لم يبق منه سوى صور عالقة في ذاكرتها، كنت أقول افتراضًا لو كان بيد والدتي آلة تصوير والتقطت كل تفاصيل رحلتها للحج لأصبحت أمام وثائق حية ناطقة بما عاشته من مواقف ومشاهد مذهلة.
يختلط النسيج البشري لأي مكان مقدس بالتركيبة الديموغرافية المتباينة التي تشكل في النهاية هويته، المدينة انصهرت فيها أجناس وأقوام على مدى حقب وأزمنة، وأصبحت ضمن تكوين المجتمع المدني العام، لكن العارف ببواطن الأمور يستطيع أن يفرق بين الأصيل والمتأصل والدخيل والمسترزق العابر، ذلك هو الموقف الذي وقع لحاجة قطيفية.
تأتي للحج عدة مرات، حين طلب منها بعض نساء الحملة أن تشتري لهن "عود بخور" لخبرتها بالمكان ولمعرفتها ببسطات وأسواق المدينة، ذهبت تفتش عن طلبهن بين الباعة الجوالين الذين يفترشون الدروب، كل يصيح بأعلى صوته على بضاعته بلهجات متنوعة، بدوية وحجازية وشامية وجنوبية وشمالية وحضرمية وحبشية. حين وصلت المرأة لبسطة يتوسطها مبخر تفوح منه رائحة الصندل، "يا حجي عندك بخور عدل" قال: "نعم ساوزن لك بخورًا رائحته طيبة، أفضل بخور عندي" اشترت منه وأخذت الحزمة ملفوفة في كيس. انطلقت لصاحباتها وأعطتهن البخور، وحين فتح الكيس وإذا كله خشب لسرير معدم ملتصق فيه بعض المسامير، انحرجت واحتارت في أمرها، مغتاظة بحنق.
استنجدت بصاحب الحملة ليساعدها في الأمر، ذهبت للسوق والرجل يتقصد خلفها، دار الكلام بحدية طاغية مع البائع الغشاش، منكرًا عليها بأنها لم تشتر منه أي شيء، هنا تقدم صاحب الحملة وخاطبه بحدية وجدية "ليش توزن للمرة وتغشها" ثم هدده برجل الأمن، وحين حضر العسكري ارتعد وخاف ثم أرجع المبلغ حالًا.
رد فعل نسوة حملة عيسى الدار وهن يستمعن للموقف ذاته وغيره من مواقف غش متشابهة بتعليقات عفوية: "چيف هالبياعين تغش قدام بيت رسول الله، ما تخاف، ما تخشع!"، تأكيد من صوت ثان، ما سمع كلام الرسول: "من غشنا فليس منا"، وآخر "ما يخافون تجيهم نقمة"، "إذا باع البياع بضاعة عدلة للناس الله بيبارك في بيعته وبيزيد ماله". تعليقات متقاربة على أشجار النزاهة التائهة في حطام الدنيا، نفوس مريضة ممتدة من تلك التي لم تتورع عن الغش حتى في عهد النبوة.
يتداعى الكلام عن مواقف غش وغش متشابه، عن استغفال للزوار دون مراعاة لحرمة المكان المقدس، هي أفعال ليست وليدة زمن أو شعب معين، هي النفس الأمارة بالسوء في كل زمان ومكان.
كثيرة حواري المدينة وثمة طرق تؤدي للحرم، منثورة على جوانبها دكاكين متنوعة وبسطات لباعة من الرجال والنساء، صغار وكبار، يفترشون الأرض افتراشًا وكل يصيح على بضاعته ويسبغ عليها محاسن الكلام وطريقة العرض، فتنجذب عيون الزوار فيقبلون لشراء ما يلزم لتوزيعها هدايا، لأنها تحمل ذكرى عطرة من مكان بهيج وعزيز على قلب كل مسلم ومسلمة.
معروضات تسر الخاطر خواتم "تراكي"، قطع أقمشة، لعب أطفال، أوان، نعال، ألبسة، تمور المدينة وغيرها، المفارقة أن السعر يتذبذب عند المساومة من الأعلى للأسفل، والتجارة فن وشطارة.
وحسب بعض نساء القطيف ممن خبرن المكان يحملن معهن "الطين الخويلدي" ليبعنه على نساء المدينة اللاتي يطرقن أبواب حملات القطيف للبحث عنه "عندكم طِفل"-بكسر حرف الطاء- أي طين، وهو ما يغسل به شعور النساء أثناء الاستحمام، فهو خير منظف في وقت لم تأت "الشامبوهات" بعد والمدينة لا يوجد بها مثل هذا الطين، فكأنه عملة نادرة، قطيفيات استفدن من ترويجه وبيعه بشكل خاص، طين فاخر ونادر، أصبح ذكرى من الماضي.
الحنين يأخذ كل شخص إلى قبيلته إلى عشيرته وكل نفر لناسه، ومن غير مقدمات ما أن يمر قطيفي أو قطيفية بين دروب المدينة وتسمع اللهجه، مباشرة يفاتح أحدهم بالتحية والسلام، تدور الأسئلة البديهية: في أي حملة أنتم، ومن معكم، وأين سكنتم، ومن مرشدكم، تحدث صداقات وتتكون علاقات وأخذ رأي وإسداء مشورة.
إحداهن عزمت نساء آل زرع ليتسمعن في سكن الخطيبة الحسينية "طيوب بنت حجي عبدالله محمد حسين" التي تعد من المشهورات في عزايا تاروت. اجتمعن وغص بهن المكان، نادت بصوتها الرخيم بجر الونّات على مصائب أهل البيت، مشاعر جياشة مشتركة تشتكي إلى الله لما حدث وجرى، أن تخاطب التاريخ وبالقرب من بعض ساحاته وأهله لكأن الحدث لم يزل حيًا، نفحات محمدية تحي النفوس الظمئة، وأضرحة مقدسة ينبعث منها النور لا يراه إلا المحبون.
بعد مسك ختام المجلس ومسح الدموع تدور فناجين القهوة والشاي وأحاديث نسوية عن المرئيات والانطباعات. وأمام المستمعات أفصحت امرأة وأختها عن موقف تعرضتا له بعد أن فرغتا من الصلاة داخل الحرم، أقبلت عليهما بدويتان ببراقعهما المطرزة بريالات فضة، وسألتهما "أنتما أول مرة تأتيان للحج" قالتا لهما: نعم، أخرجت البدويتان من بين صدورهن خيطان أخضر وطلبتا من الأولى أن تمسك خيطًا وتقربه من فمها وتقرأ فيه سورتي الفاتحة والإخلاص ثلاث مرات ثم تعقده بربطة واحدة وتسلمه إياهما.
ارتعبت الشابة من هذا الطلب وقالت "لا أعرف لا الحمد ولا قل هو الله أحد"، ردت البدوية: "وي عجل چيف تصلين، إذا نسيت الحمد تصلي بويش انتين"، ثم وجه ذات الطلب للأخت الثانية وكان ردها: "ماني خاتمة القرآن ما أعرف شيئًا" علقت البدوية: "عجل ما تصلين وجايين الحج وما تعرفين الصلاة!".
أخذت الأختان بعضهما وخرجتا حالًا من الحرم ظنًا أن البدويتين عندهما غاية سوء، ضحكت المستمعات من سرد الواقعة بأن الأمر عادي جدًا فهو يحمل اليقين لدى البدويتين والهدف من ذلك أن يقرأ على الخيطين شخص قادم للحج أول مرة، ثم يربط في مكان ما عند الروضة ليكتب الله لهن حجة أو عمرة، ربما غلظة الكلام الجاف عند طلب ما ينتاب الآخر خشية، بالإضافة للذي ليس عنده تجربة يتوجس خيفة.
كم هي الآثار التي تحمل اسم أو رائحة أصحابها، تتأملها العيون وتغيب في ذلك الحدث أو تلك الحياة الأثيرية، عينيات أصبحت طللًا، لامستها الأنامل لنيل البركات وأبصرتها النفوس سفرًا من خيال، وبشفافية الذكرى وبساطة الأمس، وبتلقائية السرد وعفوية المنطق، تقص والدتي صورًا من مرئياتها: "روحنا المساجد كلها، ومحل خبطة الخيل، خيل النبي عفر، والجبل اللي قعد فيه النبي، قعدنا وحدة وحدة، ومسجد اللي خبزت فيه الزهراء الخبز داخله سدرة، ومسجد اللي لعب فيه الحسن والحسين يوم كانا طفلين، طوف هالرفع، وأما مكحلة الزهراء والمطحنة وبيت ماريا القبطية ما ودونا إليها خسارة، وشفنا محل جلسة النبي، مثل جبل المنحوت، ومحل خبطة الخيل، حافر في جبل تبان قدم الخيل، وصلينا في المساجد كلها؛ مسجد الإمام علي ومسجد سلمان الفارسي، ومسجد قبا، ومسجد الزهراء، ومسجد الغمامة، وشفنا جبل أحد مكان ما كتلوا الحمزة، فيه نهر ماء صاف، حولنا وتمسحنا فيه".
مرئيات من عين المكان، مشاهد ملموسة عن قرب، افئدة المتيمين تذوب عشقا كلما رأوا رمزًا أو لامسوا أثرًا، أصداء حوارية، تجليات روحية "هذه آثارنا تدل علينا". دموع النسوة تتناثر حسرات، فهن يقفن خارج أسوار البقيع، ولا يسمح لهن بالدخول، مفتوح فقط للرجال، فما كان منهن إلا أن صعدن فوق بيوت الهواشم الخربة التي أصبحت كومة من تل، ليروا قبور الأئمة من عل، هذه تقول: الجهة الفلانية قبر الإمام الحسن، وأخرى تقول قريب منه قبر الإمام جعفر الصادق، أيديهن تمتد طولًا بإشارة السبابة، هذاك قبر زين العابدين، أو الإمام محمد الباقر، على اليمين يمكن قبر عم أو عمة الرسول، تأشيرات تطول وتطول، عن قبور أهل البيت، يجتهدن من دون تثبت قد يكون هذا أو ذاك، كم تمنين أن يدخلن ولو لمرة واحدة ويتلون الزيارة أمام كل قبر شريف.
نزلن عند مغيب الشمس وتذكرن صياح الحاج "حسن الدقدوق" وهو يرابع الذاهبين للحج من منازل فريق الأطرش إلى "برودة" بداية "مقطع البحر" لم يكف عن البكاء، هو يردد "السلام عليكم يا أئمة البقيع، السلام عليكم يا أئمة البقيع"! حينها أدركن وهن ماشيات بين دروب المدينة سبب بكائه المفجع!



error: المحتوي محمي