12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

اذهب إلى عمان .. لعلك تشفى

عمان .. يا سلطنة البحار
عمان .. يا أنشودة الأخيار
سحرك يسكن النفس و يهب العطاء ..
عمان قصيدة عشق
وبوح لمغانم الأسفار ...

بين الحين و الآخر يتحفنا الفنان التشكيلي العماني ( سعيدالعلوي ) بشيء من أريج بلاده ، عبر صوره الخلابة التي تأسر النظر ، و تبهج الفؤاد ، ينثرها عبيرًا في قروباتنا الفنية المحلية و أخرى على الخاص ، مرسلاته الأثيرية ، هي تصبيحات حب و مساءات ود ، و تحيات ورد تفوح شذا من أرض بلاد ( أحمد بن ماجد - مكتشف أعالي البحار ) ، كيف لنا أن نكتشف موطنك أيها الفنان ؟
فكلماتك العاطرة تشحذ الذاكرة و أعمالك التشكيلية تجلو الخاطرة ، و معك نرتحل بجمال الصورة و لحن الموج ، و ترانيم الكلم ، بلادك يا ( سعيد ) و أنت العارف بها أكثر منا ، تنفرد عن بقية بلداننا العربية ، فمنذ القرن ( السابع عشر ) كانت عمان إمبراطورية قوية تنافس بريطانيا العظمى و البرتغال على النفوذ في الخليج والمحيط الهندي ، وعلى أثر ذلك سمي خليج باسمها .
بلادك يا سعيد
لها الفضل في نشر تعاليم الإسلام و اللغة العربية في شرق أفريقيا ، فلم تزل مناراتها مضيئة و قصورها قائمة تحكي الأيام الخوالي ، عمان التاريخ اسم منقوش بأحرف من ذهب ، جذور ضاربة في القدم، ممتدة لماقبل ( حضارة أم النار ) ، وجغرافية متنوعة أسهمت في رسم هوية الإنسان و شكلت معالم المكان .
آه يا بلاد الأسفار و البخور و الحصون و القلاع ، تملكين أربعة تحف معمارية شامخات فوق الجبال الراسية ، اعتمدت فخرًا ضمن التراث العالمي في الأمم المتحدة .
حباك الله بالماء و الخضرة و القلب الحسن، بطبيعة جاذبة ، بحرك ملجأ للأسماك الوفيرة ، و سماؤك فضاء للطيور الصداحة ، و أرضك مرتعًا للخيول العربية الأصيلة الجامحة تصديرًا للشرق و الغرب، مناخك يعزف الخريف و الصيف في وقت واحد، تضاريسك متجاورات كالأعلام ( الصحراء و الوديان و السهل و الزرع و النجد والبحر و الجبل ) ، مناظر فيض، وقواميس عشق ، يعكسها الفن إبداعًا، نستقرؤه صورًا مدهشة عبر حروف مجلة ( نزوى ) وعوالم كتابات رئيس تحريرها الأديب الشاعر ( سيف الرحبي ) المحلق في أوطان اللغة بواقعية سحرية ، يرينا ما لا يُرى
من جزالة العبارة و جمالية السرد و متعة النثر ، وتغوينا الحروف فتنة بالتصاوير النابضة و المشاهد البصرية المسافرة عبر الأزمنة الغابرة و الحاضرة بعيون شعراء و أدباء و فناني السلطنة ، يقبضون على العتمة و يرصدون بهاء الطلة ويتعقبون الالتفاتة بوجدانيات عذبة ، و أقلام أخرى تنهمر متدفقة بلوعات الغياب ، وأحلامًا من فراديس للأمكنة التي سكنت الذاكرة ، و كانت ذات يوم خصبة بفطرتها الندية ،
و نعرج على موقع ( سبلة عمان ) و( مركز ذاكرة عمان ) بارتحالات مضنية بين ألق الأمس بصفائيتة اللامتناهية و صخب تحولات العصر الاغترابية ،
و نتأمل السكون المتحرك تحت الأديم ، جذور حضارة أصلها ثابت و فروعها تسبح لما وراء البحار ، تختال فخرًا وحضورًا، و نتقصى ردح إنسانها الذي جاب الصخر بالواد ، و بنى هندسة ( الأفلاج ) ، و نطل على الكهوف المسكونة بالجن و العفاريت و نرتدع لما يقال عن قصص ( المغاصيب ) هل هي حقيقة أم ( المغيب ) من وحي الخيال ، و نعرج على منشآت المدافن الأسطورية في
( كبيكب وبات ) و نرتد زمنا للألف الثالث قبل الميلاد ، صروح من حجر ( قبور الجان و القبور المرجومة و القبور الرفوفية و القبور الملعونة ... ) صمت مطبق و سكون رهيب إلا من ريح ، تلتاعنا الوحشة نبددها خشوع ا في رحاب الأماكن المقدسة للأنبياء و الأولياء .
كل درب و جدار و ناحية و ظلال و سفح و تل و جبل يقبع في كنفهم تراثًا جمّا وأسرارً خفية .
وبحرارة اللقاء نصافح كبار السن و نستأنس راحة لحكاياتهم المنسوجة بخيوط الشمس المتلألئة على صفحات الماء المتراقصة سفرًا لممالك الأسلاف من أئمة و سلاطين زنجبار ( بيمبا ، أنغويا ) و ماجاورها( ممباسا ، و دار السلام ) ، و نقلب سطور المخطوطات بين الأوجاع و المسرات في رحاب ( هيئة الوثائق و المحفوظات الوطنية ) لتخبرنا عن كنوز أوطان كانت عامرة بأهلها لثلاث مائة عام ، ملك سطع و تلألأ و طاف بالأقطار لكنه ضاع بين عشية و ضحاها ، تكالبت عليه النوازع وانقضى كل شيء كحلم ليلة صيف ! ونطالع كنوز لكتب قيمة لعلوم البحر و أسفاره تسمى
( الرحمانيات ) توارث على تأليفها فراسة العقول العمانية التي مخرت عباب الأمواج العاتية ، و درعت البحر في عمقه وامتداده و مسالك جهاته ، بتقصيات مغامراتية سبرت اللجج و كشفت المجهول والمنزوي و غير المعلوم و دونته بملح البحر و شهقت الأنفاس ، هداية من نور للمراكب المبحرة ، رجال عمان ركبوا البحر وهم ربابنته و فرسانه ، جابهوا شدائد الرياح و العواصف المهلكات بتضحيات في الأموال و الأرواح ، اقتحموا المخاطر رغم غدر البحر و تهديدات القراصنة ، سافر العماني لأشهر الموانئ العريقة و طاف بالجزر والخلجان و المحيطات بأسفار خالدة على متن سفنهم العجيبة المصنوعة بالأيدي العمانية الماهرة .
وكم يضنينا الوجد بجر ألآهات على
( أندلس عمان ) السليب ، و نسكب الدمع حسرة على تلك الممالك الضائعة من ضفاف المحيط الهندي إلى تخوم البحيرات العظمى ، نتحاور بعيون ( النوستالوجيا ) و نستظل تحت ظلال أشجار بستان شرق أفريقيا ( زنجبارً)، جنة الله في الأرض المليء بالقرنفل و العاج والتوابل و النارجيل و العبيد و الذهب و نخيل جوز الهند و كل ماتشتهي الأنفس ، نتأمل بقايا الآثار و المعمار لجزر دان كل شيء فيها ومن عليها إلى إحدى عشر سلطانًا ، أرخبيل و بنادر و قصور و جنائن عزفت اللحن العماني ، مجد ساد ثلاثة قرون ، ثم باد على عتبات ( بيت العجائب ) وأنتهى ترحيلًا عند الزفرة الأخيرة للسلطان ( جمشيد 1964 ) ، بمؤامرات حيكت بليل على قرع طبول الاثنية والعرقية، دماء عربية سالت وأجساد أحرقت وأنفاس أغرقت ، أرواح قضت نحبها و أخرى سجنت ، موال حزن ينشد الفردوس العماني المفقود .
نتجول بين أركان و زوايا المتحف الوطني بمسقط ، سنجد مالًا نراه كسواح عابرون ، وجهة الكثير منا الاستمتاع بالطبيعة و الاستشفاء بالهواء العليل في حضن صلالة و التقاط أحسن الصور ، وشراء علك اللبان و أكل الحلوى .
وكم تحلو الذكرى بين الطفولة اللاهية وفترات الصبا عن مجاميع العمال العمانيين الذاهبين إلى ( رأس تنورة ) ، رأيتهم كالفراش المنتشر أيام الأعياد يؤدون رقصتهم الشعبية ( الرزحة ) وسط ( براحة ) ، المنازل الخشبية ( الصنادق ) بمدينة رحيمة بجوار دكان أبي، بفرح غامر ينشدون ( ياللالي لالي لالا، ياللالي لالي لالا ...) مكونين حلقة كبيرة يحمل كل واحد منهم عصاة من خيزران ، يتوسطهم رجلان و ما أن يقرعان الطبل إلا والأيدي تلوح بالعصي للأعلى والحلقة في حراك و قدودهم تتمايل يمنة و يسرى ، و مع ازدياد القرع ينزل للساحة رجلان يتبارزان بسيف خشبي يتقافازان في الهواء بخفة و رشاقة و على رؤوسهم عمائم مزركشة معقودة بأحكام، لاتنفل وإن اشتدت حمية الرقص تظل ثابته ! و تزداد مهارتهما تألقًا و حماسة على وقع تصفيق المتجمهرين ، إيقاعات رقصة
( الرزحة ) تمتد لثلاثة أيام من العصر إلى حلول الظلام .
ما أروع هذا الفرح الجماعي الممزوج بالأهازيج المترنمة حنينًا للوطن وكأن الغربة ذابت في لحظة وجد ، و عن جماليات الرقص العماني المتنوع ، فقد اختيرت رقصة
( البرعة - من محافظة ظفار ) ضمن التراث الثقافي اللامادي للإنسانية التابع لمنظمة اليونسكو ، كنا أطفالًا نستمتع عن كثب بتلك الرقصة التراثية ، نرقبها كل عيد ، ذات مرة انتظرناهم كعادتنا خلال أيام عيد الأضحى المبارك سنة 1970الميلادية فلم نرَ لهم أثرًا ، اختفى العمانيون من شوارع رحيمة وبالكاد نرى واحدًا أو اثنين ، فقد سألت أبي و الأصحاب أين هم أهل عمان ؟ جواب ظل حائرًا ، عرفته فيما بعد ، لقد رجعوا ديارهم بعد أن استلم السلطان قابوس مقاليد السلطنة و دعوته لكل العمانيين المنتشرين في طول الخليج و عرضه للعودة لبناء البلاد الغافية على بحر العرب .
كم شاهدنا العماني بعوده الناحل جاثيًا على سواحل جزيرة تاروت يغزل شباك الصيد ( الحيز و القراقير ) و يرمم السفن الخشبية ( القلافة ) في هجير الشمس و سموم الصيف ، ويشذب النخيل في مزارع القطيف ، و عاملًا مألوفًا في محطات البنزين ، حضر العماني لبلادنا طلبًا للرزق قبل جاره اليمني بعدة سنين ، حضر بيننا بأدب جم ، و عمل دون كلل ، و استأنس الليل و النهار و هو بعيد عن الأهل و الخلان ، و مخيالنا الشعبي أقنعنا بأنه يزور بلاده متى ما أراد، يسافر عنا ليلًا و نراه بيننا صبحًا و في يده الحلوى الساخنة ! ، و كم من عليل عندنا مسته شياطين الجان بعث به إلى أرض عمان ، فعلى سفوح جبالها و بين دهاليز أفلاجها، ثمة شيوخ يفكون
( النفاثات في العقد ) ، طقوس غرابية و طلاسم في حضرة البخور المتطاير بالتعاويذ و الكلام المبهم ، تمائم و قلادات زاد المصابين بالعين و الحسد ، التائهين في دروب الشقاء ، أحراز تعلق على زندهم و جيدهم و تحت و سادة المنام ، و قبل الفجر يستحمون بماء السدر المقري عليه بعظيم الآيات ، و يتطيبون بالمسك و العود، يبرؤن عينًا و يطيبون نفسًا و ينعتقون خلاصًا من سطوة مخلوق المارج من نار .
و اليوم في هذا الزمان المر، كم بيننا من مستهم شياطين الأنس ، يفرقون بين المرء و أخيه في الوطن لمجرد الاختلاف في المذهب، يمارسون الإقصاء و يسعون في الأرض خرابًا وتدميرًا ،
أنصح هؤلاء من أعتل مزاجهم كرهًا للأخر و نفيًا له من الوجود ، أن يسافروا فرادًا إلى أرض عمان ففيها شعب مسالم و نبيل ، سيتعلم منهم كيفية التعايش الإنساني بين البشر ، وسيدرك معنى قبول الآخر ، وسوف يهبونه أخلاقيات السلام وقيم التسامح بين المذاهب و الطوائف و الأديان .

سلام عليكم يا أهل عمان و على الأرض التي تمشون عليها
بأمن و وئام ...
22/ 8/2017


error: المحتوي محمي