12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الحج في موسم الصورلوجيا

في روايته العظيمة "الخلود" يشير ميلان كونديرا إلى مفهوم تحوّل الأيدلوجيا إلى حشد من الصور والشعارات الإيحائية مطلقًا على هذا المفهوم مصطلح الصورلوحيا.
يأتي هذا المصطلح كإشارة للأفكار والمفاهيم التي تمرر أيدلوجياتها عبر الصور والشعارات … ولعلها أيدلوجيات فقيرة معرفيا وغير قادرة على الإنتاج الفكري الحيوي، لكنها تستطيع أن تخترق فضاءات الصورة بشعارتها المريضة والمشوّهة.
في مواسم الحج الأخيرة تتسابق قوافل الحجيج في منافسة متباينة إلى تكريس (الصورلوجيا) في إعلامها عبر وسائل التواصل للترويج والتسويق لموسمها السنوي الذي يُفترض أن يكون هو رحلة سير إلى الله في الاعتبار الرئيس.
ثمة مساحة تجارية لايمكن تجاهلها، وهي حق هذه القوافل في إبراز خدماتها وفق مشروعها الخيري إذا كانت خيرية، أو مشروعها التجاري إذا كانت تجارية، أو وفق المشروعين معًا.
ويبقى نشاط قوافل الحج نشاطًا تجاريًّا لمؤسسات وشركات تسيّر رحلاتها الدينية نحو بيت الله والأماكن المقدّسة، متتطلعةً لهامش ربح في تجارة نامية ودائمة، وهذا حق مشروع وعقلائي.
يبدأ الموسم قبل أن يبدأ الحج، بشعارات متباينة في أهدافها، وصور ترويجية متفاوتة في مشروعها، والتنافس الخدماتي يبلغ ذروته، يصل إلى أن تسطو بعض القوافل على المحتوى التسويقي لقوافل أخرى وتقدّمه على أنه محتواها وجهدها الإعلامي.
هو عصر الحالة الصورلوجية العبثية، وفقدان الرؤيا، وعشوائية الحضور… ورغبة جامحة لاستهداف راغبي الحج بحضور كثيف في شكله غالبًا، هزيل في مضمونه غالبًا أيضًا، مكتظ بشعارات تتلائم مع النشاط التجاري، وتقف على النقيض مع الموسم العبادي.
قد نستثني بعض الحملات الدعائية والتسويقية لهذه القوافل التي قدمت مشاريع إعلامية تبني الوعي وترفع قيمة الإنسان، وتردفها بتسويق لاسمها وعلامتها التجارية كراعية لهذا المشروع.
يأتي الموسم.. فتتكثّف الحالة الصورلوجية، يختلط فيها العبادي بالخدماتي بالاستعراضي الذي يتجاوز الاتزان والمساحة المعقولة، إلى الاستعراض الفج والممجوج، فتزدحم الميديا بالصور وكأنها ظِباء خراش، التي وردت في البيت العربي الشهير، "تكاثرت الظباء على خراشٍ/ فلا يدري خراشٌ ما يصيدُ"
تتصاعد الحالة الاستعراضية إلى الدرجة التي تؤثر فيها على أهداف الموسم الذي يسعى لبناء الإنسان وتصحيح مساره.
حالة استعراضية تكرّس صورة التفاوت بين الحجاج وتجعل منهم طبقات ومستويات، حالة لا تخلو من الهمز واللمز.
وفي ترويج يفقد المعايير الأخلاقية، يختار إعلام هذه القوافل العينات المنحازة له لتقدّم شهادتها باستعراضها المقارنات بين حجيجها وحجيج القوافل الأخرى، التي توهمهم بخسران الحج لاختيارهم قافلة ليست قافلتهم.
وكأنّ القافلة تقدّم صكوك غفرانها للحجيج الذين يلتحقون بها، وكأن الله ينظر لحجاجها ويهمل الحجاج الآخرين -حاشاه سبحانه و تعالى-.
يرحل الموسم و تبقى الصورة.
إنها الصورلوجيا، و الحج في موسم الصورلوجيا.
يرحل الموسم .. و يبقى ما صنعه واقع القوافل في الموسم. الواقع الذي يعبّر عنه ميلان كونديرا بقوله:
"الواقع أقوى من الأيدلوجيا، والصورلوجيا أقوى من الواقع".



error: المحتوي محمي