12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

سيرة طالب (21)

الخيال حقيقة تتجسّد!
كنت أسمع وأشاهد الأفلام والمسلسلات في القنوات التلفزيونية، وأغلبها لا يخرج عن دائرة الخيال، حتى تبلورت إليَّ أحداث غريبة وعجيبة، كأنّها خيال مصنوع من الأفلام، فتعالَ معي- أيُّها القارئ العزيز - أحدّثك عن قصص واقعية كنتُ بطلها ومحور أحداثها، لا محض خيال، ولا أضغاث أحلام، ولا سماعاً من أحدٍ غيري.
في أيام شهر رمضان عام ١٤١٣ هجري، كنت مستقرًّا في حيِّ السيدة زينب (ع) في دمشق، فاقترح - ذات يوم - مجلس طلبة العلم الأصدقاء- وهم من القطيف والمدينة المنورة - اقتراحاً جميلاً وهو أن نستأجر سيارة متوسطة الحجم تُقلّ عدد 12 شخصاً لنرفِّه عن أنفسنا في رحلة شبابية في منطقة حلب، مروراً باللاذقية، ثم منطقة كَسَب الجميلة الخلابة، ثم أخيراً نمرّ بمدينة تسمّى (بصيرة)، هي من توابع منطقة دَير الزّور.
كانت نزهتنا تلك استغرقت خمسة أيام جميلة، تعجز مفردات اللغة وعباراتها عن وصف مشاعرنا في تلك الأيام الخمسة، لكنّها لم تزل قابعة في ذاكراتنا، إذ كلّما مرّ ذكر شيء منها، رأينا أنفسنا وكأنّنا في رياض غنّاء ومروج خضراء وأنهار صافية يترقرق ماؤها كالسكر.
جسدان بروح واحدة
في أيام تلك الرحلة الماتعة تعرّفنا على شخص رافقنا في الرحلة، وهو من أصدقاء طلبة العلم المدنيين، أصله من اليمن، ومستقرٌّ في المدينة المنورة، ومسافر إلى الأردن للدراسة، وكان اسمه اللطيف (بدر)، وكانت بداية تعارفنا عليه في حيِّ السيّدة زينب عليها السّلام.
وكنت أنا شخصيًّا من بين بقية أفراد الرحلة، ملازماً له كالظلّ، بل تناغمنا بحبٍّ ومودّة لا توصف، حتى كنّا في حلب ليلاً وبالخصوص سحراً نتناغى، وبقيّة الجماعة راقدون رقدة الموتى بعد السفر والإنهاك.
كانت الليلة صافية، ويسرد هو على مسمعي الأحداث والقصص التي مرّت به، وكلّما سرد واحدة منها، رأيتها تنسجم مع ما مررتُ به من أحداث وقصص في أغلب تفاصيلها، ما دفعني إلى مخاطبته:
عجيب أنّ قصصك هذه تشبه أغلب المواقف التي مررت بها، إن لم تكن بتمامها، وهذا أمر مذهل غريب يدعو إلى الدّهشة!.
ثم لمّا جاء دوري في السّرد، قال لي: أنا أيضاً أقول كما قلت، هذه تشبه قصصي، بالفعل أمرٌ غريب هذا التطابق بين ما عشناه من أحداث في حياتنا، ولا أظنّ أنّ مسامرتنا في تلك الليلة الموعودة ستأخذ يوماً طريقها إلى النسيان، حتى استسلمنا لنوم هانئ ملتحفين بألطف مشاعر الحبّ.
توثّقت علاقتي معه بعد تلك الليلة، فكلّما أنظر إليه أو ينظر إليَّ، شعرت برذاذ الحبّ يغمر قلبي سعادة وسروراً أياماً وليالي حالمة، حتى انتهت مدّة أيام رحلتنا المحدودة وكأنّها غمضة عين، أو خيال يخطف الأبصار، إلى أن عدنا أدراجنا إلى حيّ السيدة زينب (ع).
في اليوم التالي من وصولنا، شرع بدر يحزم حقيبته استعداداً للسّفر إلى الأردن، ليبدأ الدراسة الأكاديمية.
صافح جميع طلبة العلم مودّعاً، وكنت آخر من صافحه بعناق حارٍّ مختنقين بدموع هادئة قائلاً لي: نتواصل عبر الرسائل.
ثم ركب السيارة وغاب شخصه وبقيت روحه حاضرة معي، تمدّني بأنفاس الحياة المليئة بالذكريات.
أحمر و أسود!
بعد ثلاثة أشهر من سفره حمل إليَّ أحد أصدقائي رسالة من بدر، من الأردن إلى حيّ السيدة زينب (ع)، أخذتها بالأحضان، وفتحت الظرف بشغف لأقرأها، فإذا نصف سطورها الأولى مكتوبة بلون أحمر، مضمّخة بأجمل مشاعر الحب وعبارات الاشتياق، ونصفها الآخر بمداد لونه أسود، يحمل أخباراً حزينة جلبت إلى نفسي متاعب أثقلت كاهلي، وممّا قاله باللون الأسود:
كنت أكتب باللون الأحمر، وصحتي ونشاطي في أوجهما، ولكنّي فجأة شعرت وأنا أكتب هذه الرسالة بضعف شديد وكأنّ روحي قد استلّت من بدني، وأظن أنه شوق لك، وأغمي عليَّ، فنقلوني بالإسعاف، وهناك شخّص الطبيب مرضي بقوله: إنّها جلطة.
عانيت الأمرّين خلال مدة شهر ونصف تقريباً كنت فيها حبيس السّرير الأبيض، حتى عدّت إلى شقّتي، وبمجرّد وصولي تناولت الورقة التي كنت بدأت فيها كتابة هذه الرسالة وأكملتها باللون الأسود، فأنا الآن معطّل الحركة في الجهة اليسرى من بدني.
وبعد مرور ما يقرب من سنة ـ وأنا في المدينة المنورة ـ دعاني الشيخ صالح لولو الدمح إلى مأدبة غذاء، بدعوة العلامة الشيخ محمد علي العمري (رحمه الله)، وهناك قال لي الشيخ صالح: سيأتي شخص تحبّه، وربما تتفاجأ بشخصه.
بالطبع لم يخطر في ذهني ذلك الشخص المفاجأة، وإذا به بدر، يفاجئني بعقلي وقلبي، فعانقته عناق العشق والفراق المؤلم، ولكنّه هذه المرّة يزحف برجله اليسرى، كما أنّ يده اليسرى شبه معطّلة.
نُذُر المرض
ودار دولاب الزّمن مدّة ستّ سنوات تقريباً، وكنتُ حينها في قم، أحسستُ باضطراب في نبضات قلبي، ما اضطرّني إلى العودة إلى بلدي الحبيب.
مكثت شهرين أو ثلاثة تقريباً، لأصاب بجلطة شلّت حركة الجهة اليمنى من جسمي، وكأنّ ذلك الاضطراب في نبضات قلبي كان مقدّمة لمرض يشلّ بعض حركتي ويحدّ من فاعلية الحركية ونشاطي الفكري والأدبي.
وهنا عادت بي الذاكرة إلى ما أصاب صديقي الوفي (بدر)، ملخّصاً تلك المعرفة معه في:
- علاقة حب وثيق.
- تشابه أحداث وقصص حياتنا.
- الرسالة المكتوبة بلون النشاط والحيوية، ولون الحزن والاكتئاب في أحد جوانبه.
- ثم إصابتنا بالجلطة من خلاف.
كنتُ أريد، وبدر يريد، ولكنّ الله يفعل ما يريد، والحمد لله حمداً يليق بجلاله وعظمته، فهو العدل المطلق الذي لا يظلم ولا يجور.





error: المحتوي محمي