12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

عكاز وأمل «4» والأخير

قاطعها في شغف
لازلت أصغي لكِ..، كلي رغبة في معرفة تفاصيل حياتك، أريد مُشاركتك فيها، ولو كان على سبيل الذّكريات.

أجابته: الذّكريات اجتاحها الصّمت، لماذا تُريد لها أن تستيقظ؟!
لفح عينيها بنظرة، لتستمر في بوحها.
استجابت إليه.
سأحدثك، ولكن لا تُقاطعني، هكذا هُم الكتاب إذا ما تحدثوا فإنّٓهم يغرقون في عالمهم، يشعرون بأنفسهم، كأنّٓ الواقع الذي يلفّ مسامات وجُودهم لا يُوجد فيه سواهم.
بدأت "وفاء" تحكي له عن نفسها، لأول مرة تُمارس الفعل الدّراميّ بالكلمات أمام شخص آخر، يأخذ حيزًا من الفراغ بعد طلاقها.
كانت سُوزان صديقتي المُقربة، كانت توأم رُوحي، كنت أحكي لها عن زوجي وتصرفاته معي، والفارق الكبير في توجهنا، اختلافاتنا المُتكررة، عدم اهتمامه بي، ولعه بالرّياضة التي يُعطيها كل اهتماماته، ناسيًا -بذلك- مشاعري الدّافئة، وحاجتي إلى اهتمامه، إلى حنانه، إلى مُشاطرتي ما أعشقه.
مرّت الأيام، وكانت سُوزان أنيستي، الملجأ الذي أجدف ناحيته، كلّما تألمت، أو أحسست بالغُربة، أطلعها على كتاباتي، أناقشها..، وتُبادلني بكلّ اهتمام.
لم يكن زوجي جلال يشبهني، كان رجُلًا طيبًا، حنونًا، ولكنّٓه لا يتوافق كليًا معي، ولا الجزء الأكبر من هذا الأمر، كان كثيفًا إلا ما ندر.
لم أعلم أنّي أمهد الطّريق أمام سُوزان؛ لتدخل حياتي في قالب آخر، لتكون السّهم الذي يخترقها، لتُبعدني عنها، تكالبت الظّروف، اشتدّ البُعد، وفي يوم كنت بجانبه، فأمعنت النّظر في عينيه، فاجتاحني قلق كبير جدًا، بأنّٓ شيئًا ما يُخفيه عني، جعلني هذا القلق أنقب عن شيء ما، لا أعرفه، فُضول قاسٍ يحملني على التّنقيب عن هذا المجهول.
اكتشفت في النّهاية أنّٓه تزوج سُوزان، وكانت الصّدمة، جلست أبكي كثيرًا، فما أصعب أن تخسر الأشياء الجميلة من حُولك بطريقة عنيفة! لأخسر زوجًا، كنت أراه فارس أحلامي الذي سيأخذني إلى كلّ ما تشتهيه الأنثى من الحُب والاهتمام، السّند والاطمئنان، الفارس الذي سيُلبي أحلامي التي كنت أنتظرها سنينًا، التي ولدت معي وكونتني، لأخسر الصّديقة التي أجدها تُشبهني، من فتحت لها نوافذ قلبي، رُوحي، لتُشرق كلّ صباح، وتُضيء عتمة ليلي.
في حياتنا يا وسام، نحن نخضع لمُعادلة الخسارة، فجأة..، نجد أنفسنا بلا شيء، تتجمع في هذه اللّحظات كلّ هُمومنا، وأحزاننا، كيف لا نعلم، ولكنّٓها تتجمع، لتكتم على أرواحنا، تخنقنا، ولا تسمح لنا بالتّنفس..، وتبقى الأمنيات حُبلى بالتيه، تطير بك إلى الفضاء حيث لا جاذبية، لا صوت، لا ظلّ.
قاطعها بعنف..، ألا تعلمين يا وفاء أني أحبك، وأتمناك؟!
تسمّرت في مكانها، لم تعرف ما تقُول..، اختنقت بعبرتها..، بماذا تجيبه؟!
أشعر يا وسام بخفقات قلبك، وأحسّ فعلًا بحُبك، ولا أخفيك بأنّي أحبك، لأراني في صراع نفسي لا ينفك يُعذبني، لا أمتلك الجُرأة في التّقدم خُطوات، وأعاني المُرّ في الابتعاد خُطوات..، صراع بين قلبي وعقلي، بالإضافة إلى كونك أخي، هكذا أراك، أنت أخي، كيف أتقبل نفسيًا أن تكون عشيقي، مع أنّي أعيش العشق في ملامحك، وضوء عينيك، ونبضات قلبك.
صرخ في وجهها..، وعيناه ترتجفان: الحُب، أن تعيش أنثاك في ذاكرتك، كهمسة تُناغيك، تصهرك بين عينيها، لتبتسم الحياة في عينيك..، الحُب لا يعرف عمرًا، لا يخضع لقوانين الطّبيعة، إحساس يرتشفه العاشق، كلّما أغمض جفنيه، ليُبصرها أنثاه العاشقة.
أيتها الضّاربة في الأفق عشقًا، يا من سكنتي الذّات، تذوبين..، كالشّمعة، ليُضيء القلب من خيوط شمسك، ستبقى ملامحك بلسمًا، تُشفي وجهي المُتعب.
برغم قسوة كلماته، إلا أنَّها تستأنس بها، كلماته..، تُشبه كلماتها، تأثر بأسلوبها الكتابي، ليأتي الوجه الآخر لها، فإنَّ تجاربه الكتابية لازالت في حُبيباتها الأولى، نسجته بأناملها، وفكرها، لينمو..، ويشق طريقه في عالم الإبداع ما بين الفنّ التّشكيلي، وبين الأبجدية..، لتسكنه في الكلمات.
أجابته: العشق، أن ينصهر العاشق في لجته، غيبوبته، ليلتهب عشقًا في صمته، يرشف ملامحه، يُحاكيه، يُناغيه، ليعيش رُوحه، تشدّها نبضات بوحه، بعيدًا، لأصغي إليه..، الحياة حُبلى بالغُربة في انتشاء الألم.
أظنني في العُشق، لازلت في هيام شبه الجُملة..، حيث المعنى في تجليه، يأخذني إلى العُشب في مرجوحة التيه..، فلا أبصرني، كالأسماء في بُزوغها، ولا الأفعال في درامية حُدوثها، وميض بي، يُلامسني، كهمس الرُمال.
يا وسام..، أرجوك افهمني..، مُؤلم جدًا أن تنكسر..، وتظلّ في امتداد حياتك مجرورًا بحُروف الجر، فلا يضُمك الأمل، لتصل إلى ما تُريد، أو تنصب آهاتك وأوجاعك حُروف النّصب، تشذبها، لتمنحك التّربة الرطبة، التي تُعانق قدميك، فلا تتشقق..، وتظلّ وحيدًا..، تُشبعك ذاتك، وطُموحاتك، لتنجح..، بعيدًا عن الآخرين.
صمت..، يجثو فوق الدّقائق.
كان وسام سعيدًا جدًا بتحسن صحته، وأنَّه أخيرًا، سيُمارس حياته بشكل طبيعي..، بعد أن أخبرهم الدّكتور في صباح اليوم الثّلاثاء، في الموعد، الذي يرتقبه الجميع، "وفاء" مع خالتها وزوجها، ينتظرون في الممر المُقابل لحُجرة الكشف، وما هي إلا قرابة النّصف ساعة، حتى خرج لهم الدّكتور مبتسمًا، ومُهنئًا بسلامة وسام؛ ليُخبرهم بأنَّه يستطيع المشي مُجددًا بكلّ حيوية وطلاقة.
كان وسام سعيدًا جدًا بوفاء التي شاركته فرحته، وكانت البهجة تعلوها، ليقضوا جميعًا مساء الثّلاثاء سُعداء، ضحكوا كثيرًا، تحدثوا في مُختلف الموضوعات، عمّ الأنس منزل أبي وسام، كأنَّه للتو كانت ولادة وسام.
انقضى الوقت سريعًا..، هكذا الدّقائق الجميلة سُرعان ما تنتهي، تُهدينا السّعادة، وتُطعمنا الكرز على وقع ألحان الحكايات، التي لا ارتواء منها.
قررت "وفاء" الابتعاد عن وسام، بعدما اطمئنت على صحته، لتعود إلى حياتها، غادرتهم في صباح الأربعاء، كانت السّاعة الواحدة فجرًا، استقلت سيارتها دون أن تخبرهم بما عزمت عليه.
لم تستطع "وفاء" النّوم، جلست في حُجرة المكتب، وأخذت تكتب رسالة إلى وسام..، تهذي بأحرفها، وتظنّ القرطاس ارتعاشة قلبه، لتنسج من آهاتها حكاية، اللّيل أشعل فانوسها، والنّٓهار مزق شريانه.
في كلّ إنسان حالة من جنون، تُغرقه في رائحة الياسمين، وتُعيد تشكيل ملامحه، وحكاياته..، ليكتب..، إنَّ الغُربة الأكثر إنصافًا لأمثالي، تُحلق بي؛ لأجدني أملًا جميلّا، تفُوح من عينيك رائحة القرنفل والياسمين، ولا أظُنني إلا عابرة، تقاسمني حرارة الشّمس أوجاعي، وحيدة في المسافات بلا ظل.
أنت..، كالرّغوة، تُلامس مساماتي، تُنعشها..، أيُّها السّاكنة الإلهام، الغافية عينيها على سرير الاشتياق، كلّما أبصرك، أهيم عشقًا، أيّٓها الرّعشة في الكلمات، ما لي لا أرى في الظلّ إلا خطواتك والأمنيات.
وسام..، لا أخفي عليك، لقد انتابني شعور دافئ طوال هذه الفترة التي كنَّا فيها مع بعض، كوني امرأة رّومانسية جدًا، شعرت بدفء مشاعرك، نظراتك، نبضات قلبك البريئة، جعلتني أتراقص على أرجوحة الطّفولة، التي أهفو لها.
الآن..، وبجانبي هذه الأبيات الشّعرية، التي نسجها الشّاعر السّيد علوي الغُريفي، أحدّق فيها مليًا، لأكتبك بي..، يقُول:
ما بين قلبي وعينيَّ بعض أسئلة ووحديَّ -الآن- أصغي للإجابات
يقُول قلبي: بعيد من أحس له ترد عيناي تبًا للمسافات
أن تدخل في عمق اللّغة، تستشرف معانيها، سوف تتجلى..، تضع أحرفها على قلبك، تُوشوشه، لقد توقفت عند هذه الأبيات طويلًا، استغرقت فيها، وجدتها الحقيقة ذاتها، وجدتها الإدراك الحقيقي لما نحن فيه.
يا وسام..، أدرك تمامًا مشاعرك تجاهي، ولكنّي لا استطيع أن أراك إلا أخي الذي يصغرني، لقد تعمقنا في علاقتنا تحت وطأة الثّقافة والفن باتساع أفقها، هذه العلاقة قد تكون الأشهى من العلاقات بين الطّرفين، تخترق السّحب، لتكون الغيمات الزّرقاء الماطرة، وتثمر رطبًا..، أن تنمو هذه العلاقة، ونُطلق مشاعرنا كما تريد أنت، وكما أريده، فإنّي سأجعلك تغرق في المعاناة، لأنّي أكبر منك بسنوات.
يا وسام..، أنت في عنفوان شبابك، والمستقبل أمامك زاهرًا، تحتاج امرأة، تكون قريبة من ربيعك الغض.
يا وسام..، أجدك..، تفيض حنانًا، نظرتك إلى الحياة مُختلفة، لأنت الأقرب إلى نفسي، وبعد الحادث، ارتبطت بك أكثر، تعرفت تفاصيلك، لا أدري كيف سيمرّ الوقت بدونك، لا أقوى على ابتعادك عن دُنياي..، هل تفهم ما أقصده، وفي ذات الوقت لا أريدك أن تتعلق بي، لتُردد:
يقُول قلبي: بعيد من أحس له ترد عيناي تبًا للمسافات
الآن..، أحدّق في ملامحك، لأغرق الأبجدية بك، بي في عينيك..، لا أنتظر منك أن ترد، فقط اقرأ كلماتي، وانفض عن جسدك غبار التّعب، والإحباط، اجعل من قلبك الذي عشقني قاربًا، تُجدفه أحلامك، ورؤاك..، ليكن الأمل كزرق البحر، كأمواجه الهادئة، تبعث في حنانيك عشق الحياة، "وفاء"..، كانت نبضًا في قلبك، وكانت بوحًا في بوحك، وكانت البلسم لوجع ذاتك، كانت الحُلم الذي تمنيته، لتضع جبينك على راحتيها، وتُغمض عينيك، كانت الطّيف الذي جاء..، والآن..، سيذهب إلى حيث الضّوء، إلى حيث العتمة، وبعض من شُموع..، قم..، لا تبكي..، الفراق ليس نهاية الطّريق، إنَّه البداية لكلّ جميل، ليشتدّ عُودك، لتزدهر أفكارك، لتكون أنت بكلّ تفاصيلك، تمسك بريشتك..، ارسم..، لتنسج الجمال..، إنّي لأنتظر إبداعك..، مع السلامة يا أجمل قلب عرفته، وأشهى نبضات عانقتها، وأسمى نقاء لمسته، وعشته، وتمنيته، كقلادة في عُنقي، لا تُفارقني..، ولكن، هي الحياة تجمعنا ذات لحظة من البوح، وقد تُفرقنا ذات لحظة من البوج ذاته..، كن بخير من أجلي.
إنَّها رسالة من "وفاء"، هذا صوت إشعار رسائلها، الذي خصصته لها..، فتح هاتفه المحمول..، وأخذ يقرأ كلماتها..، غرق في الصمت..، بعض دموع، تناثرت على خديه..، بعضها تجمدت على خديه، لتنساب فوقها دُموع أخرى..، انتهى من قراءة الرّسالة، رفع طرفه للأعلى، يُحدّق بعمق..، يا تُرى يُحدّق في ماذا؟!



error: المحتوي محمي