لَم تكُن "مَهَارَةُ الرَّسْمِ" اليدوي يَومًا مُجَرَّدَ تَحرِيكٍ "مِيكانِيكي" صِرف لمفاصِل أَنامِل اليد فَحَسب، بل تَجَلَّي وتَبَدَّى مِشوار رِحلة "تَوافق وتَرافق" الإِنسان الماتعة، بشَغفٍ رَائقٍ، وعِشقٍ فَائقٍ، مُنذ بَدءِ الخَليقَة، مَع مَسيرَة نَزعَة احتضان مُتعة مهارة الرسم، كَرفيقِ دَربٍ، وأَنيسِ وِحدةٍ، يَأْلفهُما ويُبجلهُما بصِدقٍ ورِفقٍ، كما يَألف ويُبجِّل كَهف سُكناه، وآلة قَوس صَيده، وأَدوات طَهي طَعامِه البسيطة، الشاهِدة الماثِلة في كُهوف مُتعددة في قارة أُوروبا، والهند والصين. والأَكثَر مِن لَفيف ولَطيف حَبل تلك العَلاقة الوَثِيقة، فقد ارتبط الإنسان البدائي، وفن الرسم المُربِّي، ارتباطًا شُمُوليًا مُتنامِيًا، في طُول سِلسِلة، مُترابِطة الحَلقات، كارتباط وُلُوجَ الروح في مَادة الجَسد الوَاحد.
هذا، وقد تُعزَى بأَريَحية مُتواضِعة، أْسُس الارتباط الوَثِيق، بين فَن مَهارة الرسم المُحَببة، وسَائسِها ورَائد طليعة مَسِيرتها المُبدع، شَخص الإنسان المُجَنَّد بنَوازع وِجدانه المُرهَفة، والمُهَيأ بمَناحي مُيول رَغباته الجَياشَة؛ لتلبِية وتَبدِيد ظَاهِر وسَائِر هَواجِسه؛ وتَروِيض "كورس" مَخاوِفه! الأمر الذي سَاهَم -بعَزِيمةٍ وشَكِيمةٍ- في إِضفاء لَمسات مِن التوزان النفسي، بين رُسُومَات الإنسان لأجسام الحيوانات المُتوحشة المُخيفة، مِن حَوله، ومُحتوى خَامات بيئتِه الراهِنة آنذَاك، وُصُولًا إلى أَسمى تَجلياتِ لَذَّة الاستمتاع في أَروع لحَظات سَعيدة مِن رَاحة التنفيسِ المُريحة؛ والاستنعام التام بأَندى بَارقاتِ بُرَه مِن استراحة الترفية الهَانئة، في آنٍ واحدٍ!
وهْنا، سَأَمتَّطِي، بحَماسة وبَسالة، جَوف مَقصُورة مِنطادٍ مُلونٍ؛ وأُحَلِّق بعيدًا، بزَهو وحُرية، في مُتسع عَنان الأُفق الشاعِري الحَالم، مُتجاهِلًا مِئات مِن آلاف الحِقَب الزمَانية، ومُتخطِيًا مِئات آلافٍ مِثلها، مِن المَساحات المَكانية؛ لأََصِلَ وأَطِلَّ برفقٍ؛ وأَحطَّ ببطءٍ، إِلى واسع مَيدان حَرَم جامعة "نورث تكساس الأمريكية" في مَشارِف نهاية العَقد السابع، مِن القرن الميلادي المُنصرم.
وقد انخرطت في "كورس" دِراسي اختياري أَولِي، في السنة الثانية الجامِعية، رَغبةً في تَنمية مَهارَة الرسم اليدوي المأْمُولة، بمَعيةِ أُستاذ المادة "البُروفيسور" والفنان الإِيطالي القدير، في مَبنى إِداري مُستقلٍ فَخمٍ، مُتكامِلٍ التجهيزات، يَحمل اسم "قسم الفنون" حَيث يَضم كَافة أَصناف ودرحات التخصصات المُتدرِّجة في عِلم تَخصصَات الفنون بأَنواعها وفُروعها؛ وببِساطة تَعريفية خاطِفة، يركِّز مَنهج الكورس على تَنميةِ وشَحذِ مهارة الرسم اليدوي بِدءًا برسم الأشياء الحِسية، مِن الطبيعة الصامِتة، ومَا يُرافقها، رَغبةً واستهواءً، في تَنمية مهارة الرسم بالنَّقلِ المَرئي الظاهر، والشَّفِّ البَصري المُباشر، بمُشاركة تنمية أَدَقِّ وأَرقِّ حَركات، ومُختلفِ "تكتِيكَات" التوافق العصبي العضلي، لأكثرَ مِن حَاسة، في وقتٍ واحدٍ؛ إضافة إِلى ذلك النسَق المُتنامِي، هناك الرسم الفني المُباشر مِن الطبيعة، خارج مَبنى الفنون، وهناك فَنيات وأَساسيات إِجرائية مَدرُوسة يجب مُراعاتها، عِند الرسم: كالظل الساقط والمَنظور الأُفقي والعَمودي، ومَصدر الضوء، والتدرُّج اللوني.
والمُلفِت للانتباه، في هذا الكُورس المُثير، كَثرة مُتطلباته مِن أَدوات الرسم المُتعددة التي تحتاج إِلى مَبالغ مَالية مُكلفة لِشرائها إضافة إلى استئجار صُندوق حَديدي طُولِي، داخل المبنى، طَوال فترة الكورس؛ لَحفظ الأَدوات وكَراسات الرسم، عَلاوة على ذلك، هناك كِتاب مَنهجي مُقرر، مِن القطع المتوسط، يَضم ويَشرح أسَاسِيات الكورس مِن مُصطلحات فن الرسم، وشروحاتها، مزُودة بالصور الناطِقة، والرسومات التوضِيحية. أَمَّا عن زمن وكَيفِية سَير المُحاضرة، فيَتنوع بَثها مَا بَين المُحاضرة التقليدية، مُزودة بلَقطات ونَماذج وشَرائح ضَوئية تَوضِيحية تَفصِيلية، والنصيب الأَكبر مِن زمن المحاضرة مُخَصص للرسم والأَدَاء التطبيقي المُباشرين.
أَمَّا فِيما يَخص التقييم المُستمِر، فالمحاضر يُتابع مَعظم ٱَعمال وإِنجازات الطلاب والطالبات الصفّية عَن كَثب، ويُوجِّه البعض إذا لّزِم الأمر ذلك، وهناك الامتحان النهائي، وينقسم إِلى قسمين: اختبار نظري - تحريري، في مَادة الكتاب المُقرر؛ وهو عِبارة عن قائمة مِن الأَسئلة، بَعضها "اختيار مِن مُتعدد" وبَعضها الآخر "صح أمْ خَطأْ"، أَما القسم الآخَر مِن الاختبار، فهو بَيتُ القَصِيدِ الأَهَم، حَيث يُطلب مِن كُل طالبٍ وطالبةٍ، على حِدَة، تَجهيز وعَرض ما لا يَقل عن خَمسٍ وعِشرين وَرَقة رَسم مِن كَراسة الحَجم الكبير التي أَنجزاها خلال الفصل الدراسي؛ ليَضَعاها فوق أَرضية غُرفةٍ، مّعَدَّةٍ لهذا الغرض الاختباري؛ ويَبقى الطالب المُختبرُ دَاخِلها؛ ليَدخُل عليه الأستاذ مُنفردًا؛ ويَغلِق عليه الباب بالمفتاح، مِن الداخل؛ ويَسأَله عن النواحي الفنية المُنفَّذَة في كُلِ عَملٍ فَني مُنجزٍ، بأُسلوبٍ نَاقدٍ مُتحقِّقٍ مِن كَفاءة حَصيلة الطالب العلمية، ثُم بَعد ذلك يُقيِّم الأستاذ دَرجة الطالب أَو الطالبة، في هَذا الاختبار الحِواري النظري الفاحِص، بناءً على مُستوى الحَصِيلة العِلمية الاستِيعَابية التعَلُمِية التحصِيلية، التي تُمَثل -في مُجمَلِها- تداخُل وتمازُج المعلومة النظرية، بمُكمِّلتِها الند: مَهارة الرسم اليدوية الفنية المُتكتسبة، طَوال فترة الكورس المُنصرمَة.
والجَدِيرُ بالذكر أَنِّي قد حَصلت على درجة نِهائية "B" وهي الدرجة التي تُؤهِّل الطالب لأَن يُسَجِّل لاحِقًا، في كُورسٍ تَالِ مُتقدِّمٍ؛ وهي الدرجة ذَاتُها، التي يَتمناها، بجِدٍ واجتهادٍ؛ ويَسعَى إِلى تَحقيقها كُل طُلاب وطَالبات التخصص، على حَدٍ سَواء. هذا، ومع زَحمة وتَعدُّد حَملي لجَدول الكورسات في ذلك الفصل الدراسي المِزدحِم فقد سَاهَم "كورس الرسم" الراهن بدَفتيه الترفيهية المَاتعة بكفاءة راقية ولَياقة عَالية في تأْسِيس وصَقل مهارة الرسم برِئتَيها المُتآزِرتين: المعلومة النظرية المُثقِّفَة، والمهارة اليدوية البارِزَة تَدريبًا واكتسابًا، في أَطراف الأنامل؛ والمَاثِلة شُخوصًا، في دَاخِل الوجدان المُرهَف؛ وقد تم، بحمد الله وشكره، تَحمُل كافة أَعبَاء وأَوزَار حِمل ثُقل الكورسات المُصاحبة، بصبرٍ مُقتدَر، واحتمالٍ مُعتبَر، وَسط اشتِداد واحتِداد أَزمَة ضغطٍ عَابرة. وكانَ فنُ الرسم الهادئ الماتَع، رَحمة ورَأْفة في مُتسع مَيدانَ تَنفيسٍ مُريح، ومَحطَّ مِضمار تَرفيهٍ فَسيح. وبالله المُستَعان!



