لا تنفش ريشك! مال، صحَّة، جاه، مكانة اجتماعيَّة، شهرة ومتابعون، جمال، قوّة جسد، كلها من عند الله. فإن شكرنا زادنا وإن كفرنا واغتَررنا ذهبت كما جاءت "إذا وصلت إليكم أطرافُ النعمِ فلا تنفروا أقصاها بقلَّة الشكر". ولمن لا يصدّق أذكر حكايةَ شخصين كلنا نعرفهمَا، اغترَّا فهلكَا:
يا فرعون: آمن تسلم! كيف؟ وأنا ربكم الأعلى! عندي أموال وأنهار -النيل وفروعه- وخدم وحشم، يخدمونِي ليلَ نهار؟ أنت يا فرعون لو أصابكَ صداع لحظة واحدة أو حمَّى، ما استطعت القيام من فراشك! طيِّب، وما عندك -أنت- يا موسى غير عصاكَ ودرَّاعة من الصوف؟ أنا لي ملك مصر! خفّف ثقِّل يا فرعون، لكنه لم يؤمن وغرقَ في نهر الكبرياء والعظمة الخاطئة.
يا قارون: أنتَ عندك مال كثير، أنفق منه على الفقراءِ والمحتاجين! كيف تنصحوني بهكذا نصيحة؟ "إنما أوتيته على علمٍ عندي". أنا عملتُ واجتهدتُ وجاء المال! كفر وبطرَ قارونُ وأنكر أن اللهَ سبحانه وتعالى هو المصدر الوحيد والأصل المتفرد للنعم والواهب الحقيقي لها. إذن، يا أرضُ خذيه، هوى قارون في بطنِ الأرض كما هوى من قبله فرعون في بطنِ الماء! قارون -المغرور- مات كافرًا غير مؤمن، مع أنه كان عارفًا بالتوراة قارئًا لها، وعالمًا من بني إسرائيل ومن أقارب موسى عليه السلام!
وصف الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ضعف الإنسانِ وقلة حيلته، وغروره فقالَ: مِسْكِينٌ اِبْنُ آدَمَ مَكْتُومُ اَلْأَجَلِ مَكْنُونُ اَلْعِلَلِ مَحْفُوظُ اَلْعَمَلِ تُؤْلِمُهُ اَلْبَقَّةُ وَتَقْتُلُهُ اَلشَّرْقَةُ وَتُنْتِنُهُ اَلْعَرْقَة. وكتب الشاعر إيليا أبو ماضي قصيدةً بديعة عنوانها، الدمعة الخرساء، وفيها معانٍ تقرب من الحكمة، منها:
قَالَتْ وَقَدْ سَـلَخَ ابْتِـسَامَتهَا الْأَسَى
صَدَقَ الَّذِي قَالَ الْحَيَاةُ غُرُورُ!
ما أسرع تقلب الدنيا بأهلها! لابد أنكم عرفتم أناسًا أو أنتم أنفسكم مررتم بأحوالٍ جميلة طيِّبة وأخرى أقلّ راحة وسعادة. فالعاقل من لا يغترّ عند وفور النعمة، ولا يقنط ولا يكفر عند الشدائد. أنا شخصيًّا رأيت أناسًا تقلبت أحوالهم من غنى إلى فقر، من صحَّة إلى مرض، من فقرٍ إلى غنى، ومن ضعفٍ إلى قوة، سبحان من يغير الأحوال! أناسًا كانوا فقراء، أصبحوا في بحبوحةِ عيش، آخرين مترفين صاروا لا يملكون شيئًا، رحماك يا رب!



