هب من شئتَ ما شئتَ وأَعر من شئتَ ما شئت، إلا عقلكَ احتفظ به لنفسك، كن أمينًا عليه وحافظًا له من السرقةِ والعبث. يمكنك الاستغناء عن النقود إذا استدانَ منك شخصٌ ولم يردّ الدَّين، تستطيع إصلاح سيارتكَ إذا أعرتَها لغيركَ وعبثَ فيها، إلا أنه من الصعب جدًّا إصلاح العقلِ من العطب، وتصفيته من الهراءِ الذي يضخه فيه من يجده فارغًا وصالحًا للعبث!
قال شخصٌ شيئًا، فكِّر فيما قال، حكا أحدٌ حكايةً أو روى رواية، فكر فيما حكى وفيما روى. العقل السليم يدلّ على الحقيقةِ من الزيف، ويفرق بين ما ينفع وبين الزبدِ الجفاءِ الباطل، إذا أطلقتَ له الحريَّة والمساحةَ الفكريَّة. قال أبو عبد الله (عليه السلام): "لما خلق اللهُ العقلَ قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: وعزَّتي وجلالي ما خلقتُ خلقًا هو أحبّ إلي منك، بكَ آخذ، وبكَ أعطي، وعليكَ أثيب". كيف إذن، نعطي هذا المخلوق الأحبّ إلى الله، الذي يفعل كلّ هذا الفعل الجميل، إلى غيرنا؟!
يؤسف له أن الفضاء مفتوح في تجارة العقول -عقولٌ تباع وتشترى- وعقولٌ يعبث بها، ويفرح بسرقتها! فكما نحصن أموالنا من السرقة نحصن عقولنا، كل ما هو محصن لا يُسرق ولا يسلب!
حسنٌ جدًّا، تسأل كيف؟ لا تجعل أحدًا يفكر عنكَ ويعطيكَ الثمرة، تقصِّى الوقائعَ والحوادثَ بنفسك، سوف تعرف الحقائق. اقرأ، ناقش، اسأل: كيف ولماذا؟ كلَّ أدوات البحث موجودة في هذا العصر دون ثمن، سوف تسقط لك الثمرةُ ناضجةً من بين ثنايا البحث "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ".
هناك في اللغة الإنجليزيّة مثل جميل جدًّا، يحكي حكايةَ أعمى، لا يبصر، يقود أعمى مثله، تشبيه بديعٌ لجاهل يقدم المشورةَ لجاهلٍ آخر. في العقول أيضًا، هناك ملايين عميان يقودون ملايين أشدّ عمًى وجهلًا منهم! ممنوع الاستعارة، مسموح الاستشارة، هذه هي العبارة التي يجب أن نكتبها على طاسةِ رأسنا لنحفظ ما بين الأذنين من عقولنا.
{إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ}، جماعة أعاروا عقولهم لغيرهم، ثم في يوم القيامة يجادلون من أعاروا عقولهم لهم! لا تلوموا إلا أنفسكم، جادلوا، تأسفوا، تألموا، هذا ما جنيتموه على أنفسكم وما جناه عليكم أحد!
يبقى -فقط- سالمًا من الأذى في هذا العالمِ وذاك، من احتفظَ بعقله ولم يعطه لأحدٍ سواه.



