يلجأ بعض الناس للتهديد بالقانون نتيجة أي اختلاف أسري أو وظيفي أو تجاري أو ما شابه، ولا يترك مجالًا للحلول الودية ظانًا أن القانون هو الفيصل عند الاختلافات.
هذا القول لا يخلو من الصحة؛ غير أن تجارب القانونيين أنفسهم تقول بتقديم الحلول الودية عليه؛ لأنها الأجدى والأنفع والأيسر والأكثر إنصافًا في أغلب الأحوال، وعليه؛ وضعت الدول لجان الإصلاح في المحاكم العامة والتجارية قبل التقاضي.
ما نجده الآن في ساحات المحاكم العامة، وفي فناءات الشرطة من نزاعات بين الزوجين والإخوان والأخوات والشركاء والأصدقاء يدمي القلب بلا حدود، تتمنى لو أن الحلول الودية لعبت دورها المبتغى وحققت أهدافها المنشودة وحالت دون الوصول للمحاكم والتقاضي العلني.
الاختلافات بين الأسر والشركاء والأصدقاء واردة ولكن حين تكون بين العقلاء منهم تعالج بما يليق مع هذه العقول الراقية، بعض الشكاوى المقدمة للمحاكم لا تجد لها مبررًا مقبولًا مهما حاولت، وبعضها لا معنى له أصلا سوى الفجور في الخصومة واشتعال القلب حقدًا وحسدًا.
فارقٌ كبير بين روح القانون والقانون نفسه تدركه القلوب الطيبة المتسامحة فحسب، وأما الناقمة والعدائية والرأسمالية فلا أمل فيها ولا إحساس، وهذا الصنف من الناس لا أمان له مطلقا لأنه قد يتحول من غزال وديع لوحش ضارٍ في طرفة عين بعض النساء اللواتي كنّ أرق من بتلات الورد أصبحن أقسى من الحديد بعد الاختلاف، وبعض الرجال الذين كانوا ميزانًا للحكمة أصبحوا عنوانًا للجهل بعد الاختلاف كذلك.
أنا شخصيا لا أميل للتعايش مع هؤلاء الأشخاص، وأسعى جاهدًا للابتعاد عنهم، وإبعادهم عني بصرف النظر عن نوع العلاقة والارتباط.
هذه ليست دعوة لعدم المطالبة بالحقوق أو التغاضي عنها إطلاقًا -فذاك بابٌ شرعه الله ورسوله وفوائده لا عد لها ولا حصر ومناقشته من العبث- كما أنها ليست دعوة لترك الظالمين يعيثون في الأرض فسادًا بتعدّيهم على حقوق الآخرين؛ ولكنها دعوة لتقديم الحلول الودية عند الاختلافات والمرونة في التعامل معها، وإن تعذرت فالقانون هو الفيصل في الأمر، وبمعنى آخر دعوة لتقديم الأخلاقيات الفاضلة على الأخلاقيات العادلة ليس إلا.
نحن البشر -عادة- نختار الإنسان المتسامح البشوش المرن المبتسم الخلوق ونبتعد عن الجاف الجاد وإن كان مستقيمًا. فارقٌ كبير بين القلوب المرهفة النابضة والقلوب القاسية الحادة.



