12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

وتسقط دافئة.. «2»

‏بُعيد استيقاظه في التّاسعة صباحًا، أدار عينيه في الزوايا، كأنَّه يبحث عن شيء، كان معه للتّو، وفقده، لم يتذكر أين أضاعه، فرك عينيه، لم يتذكر، حمل جسده مُثقلًا، وتوجه؛ ليغسل وجهه بالماء، علّه يستيقظ، تمتم مُنزعجًا: لم يعُد الحديث بيننا عفويًا، كلّما حاولت الحديث معه، أفقده.
‏على مائدة الإفطار، لم ينس أن يقُول صباح الخير، لوالديه، وأخته، ملامحه حزينة، يتصنع الابتسامة، تناول إفطاره، لا يُدرك ما يدور حوله من أحاديث، ما أقسى أن تعيش مع أناس، تُشاركهم الفعل ببُرود، أكانوا من المُقربين، أم سواهم كأنّك تُمارس الفعل بلا حواس، بعيدًا بفكرك، ومشاعرك، ‏ثمّة مكان آخر، تجد ذاتك فيه، ودعهم بذبول، ماذا به رمزي؟، تسأل أخته دعاء والديها، الصّمت، يُخيم على شفتيهما، أجابها والدها: لا شيء، هذا من أثر السّهر، فإنَّ أخيك قليل النوم، ودائم القراءة، إنَّه مُجهد، لا تقلقي بُنيتي.
‏تُشيعه بنظراتها إلى أن غاب، تهمس في داخلها: أخي، أعلم ما بك، تتجمّد الكلمات في شفتيَّ، لأقول ما يكتنزه ظلّك، بالأمس لم استطع الجلوس معك، لأصغي إلى حكاياتك، لأوريك كتاباتي، أعلم أنَّ الكلمات، هي عالمك، إنَّه العشق بينك وبينها، لقد جعلتني أعشق الكلمات، أعيشها، كالمرآة.
‏هناك من يُشبهنا، هذه مقولتك الدّائمة، كلًما استغرقت فيها، أخالني أفهمك، أتعرف عليك أكثر، أستنطق عينيك الذّابلتين، ابتسامتك الشّفيفة، وجع قلبك، الذي تُخفيه عن والديك، لتُبعد عنهما الألم، التّفكير بك، لتكون أنت، مع الذي يُشبهك، يا تُرى من يُشبهك يا أخي؟، لتغرق فيه بعيدًا عن الحس.
لماذا لم تتحدّث لي هذا الصّباح، كعادتك في كلّ صباح، أتكون مُتضايقًا، لأنّي كنت في حفل صديقتي، ولم نجلس معًا، أعلم بأنَّك تراني بلسمًا، ملاذًا إليك، اعذرني، إنّي أراك تُشبهني، أراك الحُلم، الذي أبوح إليه بأسراري، وأحلامي المُتعطشة، أتذكر كلماتك، التي تبثها فيَّ: دعاء، لتكن ‏الكتابة توأمك، أنيس روحك، نحن نكتب لحظاتنا، ننقش عليها وجهنا، الذي يُشبهنا، وقلبنا، الذي يُشبهنا، وأحلامنا، التي تُشبهنا، أتذكر عندما أتيتك ذات يوم حزينة، أخبرتني: ليكن حزنك على القرطاس، أبكي، وأنت تكتبين، جعلتني لا أفارق الكتابة، لأجدها ظلّي.
أين أنت؟، لماذا لا تأتي إلا في الظّلام، ألا تراني بجانب البحر، وفي يديَّ كوبًا من المُوكا، هذا الصّباح، يا أنت فيَّ؟، سأجلس على الكرسي، انتظرك، تأتي، لقد أتعبتني الأمواج، وأنا أراقب زرقتها، الأطفال، يلعبون فوق العُشب الأخضر على الأرجوحة، وحدي أقاسمك وجعي آهاتي، أنت والبحر سيّان، أفرغ في ألوانكما ما بداخلي. يئنُّ محمود في شكل سُؤال.
توجهت نرجس إلى الكتاب، الذي أهداها محمود إياه في ليلة حفل التَّخرج من الجامعة، مع هدية ثمينة، رائحة الورد المُحمدي، يُعانق بعضه بعضًا، كأنَّه، يُعلن ميعاد اللّقاء، ليكونا مع بعضهما البعض، عام مضى على خطبتهما، حيث اتفقا على الزّواج بعد تخرجها، كان محمود سعيدًا جدًا، ولكن الأمنيات بما لا تشتهي القُبل، تغيّرت نرجس كثيرًا، أكانت الشَّهادة سببًا، أم كانت الوظيفة، التي حصلت عليها خلال شهر من تخرجها سببًا، حيث لاحظ محمود هذا التّغير المُفاجئ في تصرفاته، فكلّما تحدث عنها عن الزّواج، تتخذ من الهرب سبيلًا، وتُخبره بأنَّ الوقت لا زال باكرًا، ينبغي علينا أن نُرتب وضعنا أكثر، توجس، كأنّه لمس في عينيها، ما لم تقله شفتيها، يبدو أنَّها تُريد أن ننفصل عن بعضنا، أيكون ذلك؟.
مرَّت الأيام حُبلى بكلّ ما يدعو للقلق والتَّوتر، تكوّر محمود على ذاته، بعدما كانت نرجس كلّ حياته، صدودها عنه، أعاده إلى وحدته، إلى الانغماس في الكتاب، إلى إشباع ذاته بالكتابة، أخيرًا، ودون سابق إنذار، جاءه اتصال من أخيها، أخبره برغبة أخته على الانفصال، وقال له: أختي لا ترغب بالارتباط بك، ولها أسبابها، أغلق محمود هاتفه النَّقال، سقط الهاتف على الأرض، ليتناثر قلبه الذي تناثر، وسقط.
تجمَّدت عيناه بالدّموع، دموع، لا تُبصرها بقدر أنَّك تشعر بها، كأنَّ عينيك، تُمارس فعل البُّكاء لا عينيه.
في الحياة أناس، لهم القُدرة على جعلنا نبكي؛ ليس لأنَّهم السّبب في ألمنا، في جراحنا، السّبب في وجعنا، في بُؤسنا، السّبب في بتر أحلامنا؛ لكنَّهم لهذا الألم، الذي يختزل أنفسهم، لهذا اللّون الأبيض، الذي يُغطي ملامح شعرهم، لهذا الصًّمت، الذي يلّف شفتيهم، تُبصرهم تبكي، تُصغي إلى صمتهم تبكي، تقرأ عن حياتهم تبكي، لا تستطيع أن تمنح أنفاسهم تُفاحة من الأنس، تُطبب بها نزيف أرواحهم تبكي، نحن في وضع البُكاء، نُعيد برمجة ذواتنا، ونكسر مرآة الظلّ، لنغدو في الشّمس، نتخذ من حرارتها جلدًا ذاتيًا، يبدو أنَّ فكرة حرارة الشّمس مُذهلة، أليس ضوؤها، يُعد نوعًا من أنواع المُطهرات، سآخذ حمام شمس في لحظة أراها قريبة، فقد أحتاج أن أخلع عن ذاتي اللّباس البالي، الذي عانى كثيرًا مني، ولم يُرد أن يتركني، لازال مُتمسكًا بي.
بعد مُرور قرابة العام والنصف، لا محمود قد تزوج، ولا نرجس قد تزوجت، كلاهما، يعيش الذّاكرة، كيفما يُشتهى.
تحملها قدميها بصُعوبة، من يراها، فورًا، سيظنّ بأنَّها تحمل شيئًا ثقيلًا على ظهرها، أو ما بين كتفيها، تناولت مجموعته القصصية، التي كانت باكورة إصداراته، أمسكته، ضغطت عليه بقُوة، وضعته بالقُرب من وجهها، تنفست رائحته، احتضنته، هل أرادت أن تُعيد إلى تفاصيلها، تلك الدّقائق، حين كان محمودًا، يحتضنها بكلماته، ويُشعرها بأنَّها الأجمل، والأنقى، كأنَّها في كلّ كلماته، ومواقفه، يستخدم كلّ حُروف النّداء، كلّها، أكانت للقريب، أو البعيد، لتحمل هذه المُفردة: يا امرأة.
فتحت الغلاف، رفعت القصاصة، التي كتب عليها كلماته، أغمضت عينيها، فتحتها في هُدوء، ولكن قلبها، كأنَّه الطّير، يرتعش من الألم.
قرأت:
يتعلم الإنسان بالمعرفة والقراءة، والكتابة، يتعلم الإنسان بالعلاقات الاجتماعية، نجاحها وفشلها، يتعلم الإنسان بالألم، وما يكتنزه من تجارب وحكايا، يتعلم الإنسان من حكايات الآخرين، من الخيبات، التي تواجه الإنسان في حياته، فكلّ الأشياء تُؤثر فيه، ويكون لها حضورًا في فكره ومخيلته، ولغته.
فتحت هاتفها النَّقال، ذهبت إلى مُحادثته الأخيرة، التي عُمرها، بعُمر مأساتها، بعد عام ونصف، قرأت آخر كلمات:
في صمته الأشياء تبوح، الشّجر والألوان، القمر ليلًا، فنجان القهوة، في صمته ألف حكاية وحكاية، يُسامر طيفها في الأمكنة، في الدّقائق، في أنَّة رُوحه المُتعطشة إلى قطرات دُموعها، إلى وجنتيها، ليغرس أحرفه على احمرارها، إلى صرخة الغريق، الذي يأنُّ من فرط أوجاعه وجراحاته، إلى الابتسامة، التي طرزتها الجراحات فُستانًا، لترتديه ذات يوم، إلى ريشته، التي ترتعش، كلّما أراد رسمها، إلى اللا شيء.
في صمته لغة، تستفيق على أوجاعنا، الصَّمت، الذي يقتات منها الأنين، الحُلم العذب، والأمنيات الحُبلى بذواتنا، اللّغة الأنس، الذي يحتوينا، لنكتب أوجاعنا بضّوء الشّمس، وقطرات المطر، وحين تسكنك أنثاك، لتعيشها في ذاكرتك، تُدغدغ مشاعرك، تحكي قصصًا، تتأملها، كطيف عابر، تُخبئ وجعك بين عينيها.
دخلت في بُكاء، نرجس تبكي الآن.



error: المحتوي محمي