- رؤية محمد بن سلمان تهدف إلى تحديث المجتمع السعودي
وإعادة هيكلة الدولة
- إن مفهومي الدولة المدنية الحديثة والعلمانية يحملان نفس المعنى والخصائص
- العلمانية نظام فكري سياسي يهدف إلى التحليل الاجتماعي والثقافي والفلسفي للمجتمعات
- المبادئ الإسلامية سبقت المبادئ العلمانية بألف سنة
ألقى الدكتور تيسير باقر الخنيزي الباحث في مجال دراسات الاقتصاد التنموي والدراسات السياسية بمنتدى الخط الثقافي بالقطيف محاضرة بعنوان "العلمانية بين المفهوم والواقع"؛ تحدث فيها حول الفرق بين المفهوم السائد وتصورات المجتمع وواقع مصطلح العلمانية في السياق التاريخي والتطبيقي والعملي.
وأوضح أن العلمانية ليست ديانة أو نظام حكم ومن الممكن أن تشمل نظمًا مختلفة سواء أكانت ديمقراطية أو شمولية؛ إذ أن الدولة العلمانية تحتاج إلى الخبرات والتخصصات المختلفة في الهندسة والعلوم والطب لمواجهة تحديات الحياة وتطويرها، لذلك فإن لها صفة وثيقة بالعلم والتطور الذي نشهده في عالمنا اليوم، والتي تهدف إلى تحسين الحالتين الاقتصادية والحياتية.
وقال: "بهذا المفهوم نستطيع القول بأن كل دول العالم لها طابع مدني علماني في تعاملها مع مقومات الحياة والتطور والتنويع الاقتصادي"، وركز على نقطة محورية وهي أن مفهومي الدولة المدنية الحديثة والعلمانية يحملان في طياتهما نفس المعنى والخصائص.
وأشار إلى أن كثيرًا من الأدبيات الغربية والعربية تحدثت عن عدة أنواع من العلمانية وهي؛ العلمانية الاجتماعية والثقافية، والعلمانية الفلسفية، والعلمانية الجزئية، والعلمانية الشاملة، والعلمانية السطحية، ودون الدخول في معاني هذه العلمانيات وفلسفاتها أشار إلى أنها جميعها يستخدم كأداة لتحليل المجتمعات في مراحل مختلفة من التطور الدينيوي الاجتماعي والسياسي والثقافي، مركزًا على العلمانية التي تعني فصل المؤسسة الدينية ورجال الدين عن الحكم وجعل اختصاص الدين هو الاهتمام بالشؤون الدينية والعبادة.
وأضاف قائلًا: "العلمانية بهذا المعنى هي نظام فكري سياسي يهدف إلى التحليل الاجتماعي والثقافي والفلسفي للمجتمعات، لذلك فإن وصف العلمانية بالكفر والإلحاد وتهميش الدين عن الواقع الاجتماعي ليس له واقع إلا في عقول بعض الشرائح المجتمعية مثل الجماعات المتطرفة".
وتابع: "إن كلمة العلمانية كما أشار لها بعض المفكرين بفتح العين تعني العالم أو الأمور الدنيوية وبكسر العين تعني العلم وكلا المعنيين يتوافقان مع المعاني الصحيحة المرتبطة بأمور الحياة والمجتمع والعلم"، كما تحدث عن بعض الشرائح الاجتماعية التي عملت على تسييس هذا المصطلح وأدلجته سعيًا إلى الوصول إلى السلطة، مبيّنًا أن كثيرًا من الحركات الدينية المتطرفة لا تؤمن بمفهوم الوطن ولا يؤمنون بمفهوم الدولة بل يؤمنون بالخلافة والأمة، كما يرون أنفسهم متفوقين على جميع الناس.
وتطرق بالحديث خلال المحاضرة عن فصل المؤسسات الدينية عن إدارة الدولة وقال: "إن ذلك لا يعني بأي شكل من الأشكال إلغاء الدين أو محاربته، فالأديان ضمن مفهوم العلمانية السياسية تكفل حق الجميع بممارسة الدين بشكل تام وتقر على حق الإنسان في عبادة ربه كما يشاء، لكن ليس لأي إنسان الحق في إجبار بقية أفراد المجتمع على كيفية تفسير النصوص الدينية"، متسائلًا: من هو صاحب الحق الذي يفرض مفهومه الديني على الآخرين وهل تم منحه تفويضًا من الله بأن مفهومه الديني هو الأصح وإجبار الآخرين عليه؟ مؤكدًا أن العلمانية لا تعني الإلحاد ولكن الحياد بين مختلف الأديان والطوائف في المجتمع، وبالتالي فالعلمانية لا تعني إلغاء الدين وإنما احترام الدين والحريات الشخصية وهي نتاج طبيعي لتطور البشرية في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والعلوم.
وأفاد بأن أول دستور مدني في تاريخ الدولة الإسلامية تمت كتابته فور هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة وقد اعتبره المؤرخون مفخرة للحضارة الإسلامية، والذي كان يكفل الحقوق الإنسانية للجميع؛ كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر والمساواة والعدل، حيث تتمتع بدستور ينظم علاقة الدولة بالمجتمع وعلاقة الإسلام بالأديان الأخرى، وقال: "لذلك هنالك حاجة لأي دولة حديثة اليوم إلى دستور كما كان الحال في عهد الرسول (ص) بحيث يتلاءم مع الظروف الموضوعية للحياة، ومن المهم ذكر أن دستور المدينة لم يعتبر أن الدين المصدر الوحيد للتشريع في العلاقات المدنية بين الدولة والمجتمع ولكنه يبقى المرجعية العليا للشريعة الإسلامية من حيث استخلاص المبادئ والقيم الكلية، والرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فرق بين ما هو ديني وما هو دنيوي، كما فعل أيضًا الخلفاء الراشدون".
وقال الدكتور الخنيزي: "أنا من المؤمنين بأن الإسلام يتمتع بقوة ذاتية كامنة في قدرته على التعامل مع مختلف جوانب الحياة، وهذا يتطلب تعاونًا وثيقًا بين مختلف العلوم الإنسانية والدينية والاجتماعية والفلسفية لاستنتاج الأحكام التي تتناسب مع الظروف الموضوعية والحياتية التي تخوضها المجتمعات الإسلامية اليوم".
وأوضح أن المبادئ والثوابت الإسلامية تتوافق كليًا مع مبادئ العلمانية أي أن المبادئ الإسلامية سبقت المبادئ العلمانية بألف سنة، وقد تم دعم تلك المبادئ الإسلامية التي تتوافق مع مبادئ العلمانية بسياقات مختلفة في ممارسة الحكم، مستشهدًا بالآيات الشريفة {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} وفي المساواة بين البشر قوله تعالى {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ}، معلقًا: "إن الله سبحانه وتعالى اعتبر فرعون أبشع طاغية لأنه استضعف أقلية دينية وهم بنو إسرائيل ولم يساو بينهم وبين بقية أفراد المجتمع وجعلهم عبيدًا في تلك الفترة، وقوله تعالى في حرية العقيدة {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}"، متابعًا: "لذلك فالقرآن الكريم يرفض الإكراه في الدين بصورة مطلقة والآيات واضحة في هذا الصدد مثل {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ولذلك فكثير من تلك المبادئ الإسلامية تتوافق كليًا مع المبادئ العلمانية".
وأردف: "إن مفهوم العلمانية تعرض للتشويه المتعمد وغير المتعمد نظرًا للفهم الخاطئ في كثير من الأدبيات؛ فأدلجة الإسلام الأصولي للعلمانية بين الكفر والإيمان ساهمت مساهمة فعالة في تشويه المفهوم، ولكن حقيقة مفهوم العلمانية ببساطة تكمن في فصل المؤسسات الدينية ورجال الدين عن مؤسسات الدولة؛ لأن تفسير الدين خاضع للاعتبارات الذاتية للفقيه أو المذهب أو أي جماعة إسلامية، ودولة الحق الإلهي الناطقة باسم الله ليس لها وجود في دولة الإسلام كما كانت المسيحية في العصور الوسطى، فالنبي (ص) هو الوحيد الذي كان له مرجعية سماوية بالإضافة إلى كونه قائدًا دينيًا وسياسيًا وعسكريًا ومصلحًا لقوله تعالى {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}".
وأشار إلى أن عملية التحديث التي جاءت بها رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني تمثل عملية علمنة وتحديث المجتمع السعودي والرجوع إلى جذور الإسلام الحقيقية، وعملية الإصلاح الشامل واحترام جميع الأديان والمساواة والتسامح في حرية الاعتقاد بين جميع المواطنين كما كان قائمًا في عهد الرسول والخلفاء الراشدين، وهذا تحول نوعي في التاريخ السعودي الديني والثقافي.
وبيّن أن مقابلة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد الأمين، تشير بوضوح إلى عملية التنوع في المجتمع السعودي لجميع المذاهب المختلفة، وبالتالي فلا يمكن لأي شخص الترويج لأي مذهب خاص وجعله الطريقة الوحيدة لرؤية الدين في المملكة، وقال: "كما تشير رؤية سموه الكريم إلى تمكين المواطن السعودي بشكل عام والمرأة بشكل خاص بالإضافة إلى أن إعادة هيكلة مؤسسات الدولة لرفع كفاءة العمل والأداء في المجتمع تمثل آمال وطموح ومستقبل هذا الوطن".
وشهدت المحاضرة التي أدارها زكي أبو السعود، وأقيمت برعاية الإعلامي فؤاد نصر الله، حضورًا مميزًا، حيث تخللتها عدة مداخلات أثرت المحاضرة، ورد عليها الدكتور تيسير، وفيما يلي المداخلات والردود:
وجاءت مداخلة المهندس محمد حسين الشخص الذي طرح سؤالًا مفاده: "إن مفهوم العلمانية حسب ما جاء؛ هي نظام اجتماعي في الأخلاق، مؤسس على فكرة وجوب تأسيس القيم السلوكية والخلقية على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الاجتماعيّ دون النظر إلى الدّين، فإذا كان كذلك فماذا تقولون في كثير من الظواهر ومنها المثلية على اعتبار الحياة المعاصرة؟
وأضاف قائلًا: "قد يقول القائل إن العلمانية كمفهوم يختلف عن التطبيق كما هو حال الإسلام، حيث إن الممارسات الشاذة التي ألحقت بالإسلام تسببت بتشويه الإسلام النقي الناصع؛ وعليه لا يحق لأي عاقل أن يتهجم على الإسلام من خلال هذه التطبيقات والممارسات السيئة، هذا أولًا، وثانيًا إذا جاءت العلمانية بأفكار وأسس راقية فكما ذكر المحاضر الدكتور تيسير أنها تشترك مع الإسلام في هذه الأسس؛ العدل، وحرية العبادة، وغيرها فهي إذن لا تتقدم على الإسلام، كما ذكر المحاضر أنها جاءت لتؤسس النظام المدني في الحكم على أساس المساواة في الحقوق والواجبات ليس على أساس العرق والدين، لأن الإسلام قد سبقها بذلك، ومن قول الإمام علي عليه السلام: الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، فهذا يؤسس للنظام الذي أرادته العلمانية وهنا لا يجوز لنا أن نتحسس من طرح الإسلام كنظام دين وحكم في نفس الوقت باعتباره يوفر كل هذه المستلزمات"، متابعًا: "أما إذا كان الدكتور يقصد أن العلمانية الحاكمة كبديل للإسلام المشوه التي تعتمده بعض الحكومات فهي تعتمد في حكمها على أساس العرق والمذهب والقبيلة وغيرها وهنا أنا أعتقد أنه قد يكون صائبًا إلى حد ما في تصوره".
ورد الدكتور تيسير عليه قائلًا: "أولًا، المثلية ليست لها علاقة بالعلمانية لا من قريب ولا من بعيد، فقضية المثلية تحددها التفاعلات المجتمعية والمواقف الأيديولوجية التي تحملها الأطياف الاجتماعية المختلفة، وكذلك دور الإعلام والصحافة والمؤسسات الدينية، أما بالنسبة لنا كمسلمين، فنحن نرفضها جملة وتفصيلًا، وهي -أي المثلية- لا تتوافق مع مبادئنا الإسلامية ولا مع الطبيعة الإنسانية"، مستطردًا: "ثانيًا، فيما يخص العلمانية، فإن العلمانية ليست نظام حكم كما أكدت في عدد من السياقات خلال المحاضرة، وقد تتخذ أشكالًا مختلفة، سواء أكانت علمانية ديمقراطية أو علمانية شمولية أو علمانية ديكتاتورية أو علمانية عسكرية، أما بالنسبة للإسلام، فهو من الممكن أن يكون نظام حكم تماشيًا مع مبادئ الإسلام التي ذُكِرت في دستور المدينة، وكما أكدت على ذلك أيضًا خلال المحاضرة، ولكن لا يمكن للإسلام أن يكون دولة دينية".
واشتملت مداخلة أحمد الحميدي على سؤال وهو: هل يولد الإنسان علمانيًا؟ ليجيبه الدكتور تيسير: "في الأساس العلمانية تخص الشؤون الدنيوية والحياتية وهذه من سنن الحياة، ومنذ بدأ الإنسان على سطح الأرض، سعى إلى جني الرزق والأمن لأجل الحياة والدفاع عن نفسه ضد الغير والحيوانات المفترسة، كما كان حاصلًا في المجتمعات البدائية؛ لذلك فالإنسان وُلِد في حياته البدائية وهو يجمع بين الديني وغير الديني في شؤون الحياة؛ ولذا فالعلمانية لا تطلق على الإنسان ولكنها أداة لتحليل المجتمعات تاريخيًا واجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا وتخص الشؤون الحياتية".
وتضمنت مداخلة المهندس ميرزا مهدي العلوان استفساره: ذكرتم أن العلمانية لا تختلف مع الإسلام ومن خلال طرحكم فعلًا كان للتحدي أثر على مفاهيم كثير من الناس وفي نهاية المحاضرة عاودتم وقلتم بأن الإسلام أصبح مُسيّسًا فهل العلمانية تخلو من التسييس أم لا؟
وتلخص رد الدكتور تيسير على المهندس العلوان في قوله: "من الممكن أن تُسَيس العلمانية بأنها ضد الدين ولكن ليس لها تقديس كالإسلام، وذلك لأنها ليست مرجعية سماوية بل اجتهاد من العقل البشري والفكر الإنساني، وقد سُيّسَت العلمانية في العالم العربي بقوة وكأنها ضد الدين وتدعم الإلحاد؛ وهذا المفهوم الخاطئ تناولته سابقًا في المحاضرة".
وتحدث الدكتور سامي السلطان خلال مداخلته قائلًا: "المفاهيم الأوروبية التي وردت إلينا ومنها مفهوم العلمانية شملت مفهوم الدين أيضًا؛ فجاء مفهوم الدين لديهم بمقاس ومواصفات الدين المسيحي وحكم الكنيسة الكاثوليكية والذي استمر من القرن الخامس وحتى القرن الخامس عشر، وضم أحداثًا اجتماعية وسياسية واقتصادية ضخمة منها الإقطاع والرق والحروب الأهلية المذهبية ومحاكم التفتيش وصكوك الغفران والحروب الصليبية، ومفهوم الدين عندهم يختزن كل مآسي تاريخ العصور المظلمة في أوروبا فجاء مفهوم العلمانية ومفهوم حقوق الإنسان وغيرها لإصلاح الأوضاع التي تسببت بها الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا، ولذلك فمن غير الإنصاف وليس من الأمانة العلمية ألا نميز بين المفهوم الغربي للدين وبين رحمة وإنسانية الإسلام في مبادئه وتعامله حتى مع غير المسلمين".
وعلق الدكتور تيسير على مداخلته بقوله: "نحن لا ندعو إلى نسخ التجارب الأوروبية ونقلها إلى العالم العربي والإسلامي؛ فكل مجتمع له خصائصه الثقافية والاجتماعية والتاريخية، ولكن لا يُمْنَع أن الأمم تستفيد من بعضها البعض وتستفيد من تجارب الشعوب الأخرى، فالتطور الديني الإصلاحي الذي حدث في أوروبا هيأ إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتي من خلالها انبثقت الثورة الصناعية وتطور العالم كما نراه اليوم، فنحن نرسل أبناءنا إلى الولايات المتحدة وأوروبا ليتعلموا العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلمية، فالدين الإسلامي هو دين رحمة لجميع البشر وفق المبادئ التي جاء بها في المساواة والعدل وحرية الاعتقاد وضمان حقوق الأقلية".
وتمثلت مداخلة الدكتور محمد الشخص في عدد من النقاط حيث قال: "لو اقتصر العنوان على تحديات العلمانية أو العلمانية بين المفهوم الواقع لكان أوقع، والمعلومات التي عرضها الدكتور تيسير كانت ثرية إلا أن هناك بعض الخلط الذي حصل بين الدين والعلمانية، وقد خلق الإنسان ماديًا تقوده الأهواء والنزوات والمصالح والغرائز إلا ما رحم ربي -كالأنبياء والرسل والأئمة إلخ- ومن دونهم فلا قدسية لأحد بل أصبح بعض الوعاظ ورجال الدين عبئًا عليه من بعد زمن الخلافة الراشدة إلى يوم الناس هذا، وقد حرفت بعض السياسات بعض مفاهيم الدين وأثّرت على نقائه وأصالته خدمة لبعض الحكام وأصحاب النفوذ، ثم جاءت الكنيسة لتكمل الناقص فابتدعت بيع صكوك الغفران ووضعت نفسها حاكمة مفوضة تنوب عن الله في حكم العباد وتقرير مصيرهم للجنة أو النار، وبعدها جاءت العلمانية كردة فعل وأقصت الدين عن الحياة العامة وحاصرته ورجالاته في الأديرة والكنائس ودور العبادة فقط، وأخيرًا؛ لو أخذنا المعنى العام للعلمانية وهو فصل الدين عن الدولة فبذلك قد وضع العلم مقابل الدين كونهما مفهومان متناقضان؛ إذا فالعلمانية لا تلتقي مع الدين والعلمانيون بهذا المعنى هدفهم الدنيا والتمتع بملذاتها وبالشهوات وإن كانت محرمة ورغم هذا التناقض الواضح بين العلمانية والدين إلا أن الدكتور تيسير حاول جاهدًا أن يوفق بينهما".
ورد الدكتور تيسير على الدكتور الشخص بقوله: "أتفق مع المداخلة حيث تم تسييس المفاهيم الدينية وأثر هذا على نقائه وأصالته لتخدم أصحاب النفوذ والحكام، ولكن بالنظر إلى تعريفي لمفهوم العلمانية، فهي ليست فصل الدين عن الدولة ولكن فصل المؤسسات الدينية ورجال الدين وعدم تسييس الدين في إدارة الحكم، وبهذا المفهوم، فإن العلمانية تتوافق مع مبادئ الإسلام لأن الإسلام ضد تسييس الدين لخدمة المصالح والنفوذ لطبقة أو شريحة معينة".
وقال أحمد الخميس خلال مداخلته: "هناك إشكالية تتمثل في تحرير المفاهيم وتحديد المصطلحات، ومن ضمنها مفهوم العلمانية الذي اكتنفه الكثير من اللبس والتصورات الخاطئة والمتضاربة، وغالبًا ما يحدث الخلط بينه وبين مفاهيم مثل الليبرالية والديموقراطية وغيرها، وهي في سياقها التاريخي كانت استجابة واقعية وإنسانية وعقلانية في مواجهة تغول الكنيسة على المجتمع واستبدادها وتسلطها، وأصبحت فيما بعد دعوة لفصل المؤسسة الدينية عن الدولة من منطلق اختلاف الدور الوظيفي لكل من الدين والدولة، وتبلورت في نظام للحكم وآلية لتعزيز دور الدولة وصيانة لكرامة الفرد وتحقيق العدالة والمواطنة المتساوية بغض النظر عن العِرق والعقائد المختلفة والمتنوعة في المجتمع".
ووافقه الدكتور تيسير الرأي حيث قال له: "أتفق معك أحمد، وهذا ما سعيت أن أشرحه خلال المحاضرة".
وفي مداخلة فوزي الدهان قال: "لدي مداخلة يتبعها سؤال؛ المداخلة: تعريف العلمانية ملتبس، ولكن تتفق مبادئه مع أسس المبادئ الإسلامية، أنا أقول بغض النظر عن التعريفات المختلفة الأهم حاليًا أن جميع التعريفات المختلفة تتسق مع مبادئ حقوق الإنسان، وهنا عادة ينظر الناس إلى الواقع العملي، فينظرون للعلمانية بما تطبقه الأنظمة التي تمثلها، فحاليًا توجد صراعات وحروب قد تدهمها الدول الغربية وهي الأنظمة التي تعد نفسها أنظمة علمانية".
ونص سؤاله على: تشير مقابلة للمفكر والفيلسوف ألكسندر دوغن مؤخرًا إلى أن هناك علاقة وثيقة بين العلمانية والإمبريالية؛ فهل تتفضلون بتوضيح هذه العلاقة؟ أو بمعنى أدق هل توجد هذه العلاقة؟ وكيف؟
وجاء رد الدكتور تيسير على الدهان: "من المعروف أن المفاهيم والمبادئ النظرية مهمة وتأتي في الدرجة الأولى للوصول إلى التطبيق العملي، ولكن في الواقع الإنساني، بغض النظر عن كل الإيديولوجيات أو المفاهيم الإسلامية وغيرها، هناك فجوة كبيرة بين المبادئ والواقع وبين النظرية والواقع العملي، والسؤال المهم في الموضوع والأصعب في كل الحياة الإنسانية: كيف تتحول توصيات هذه المفاهيم إلى تطبيق عملي؟ وهذا يتعلق بعوامل كثيرة معقدة في العملية الاجتماعية، منها تسييس المفاهيم وخصائص الثقافة الاجتماعية وطبيعة نظام الحكم، فيما إذا كان ديمقراطيًا أو استبداديًا. كل هذه العوامل تؤثر في الواقع العملي، وأما بالنسبة إلى العلاقة بين العلمانية والإمبريالية، فيجب أن نعمل على فصل الحالتين، وهذا يعود إلى جوابنا في القسم الأول من الإجابة؛ أي أن هناك فجوة كبيرة بين المفاهيم والتطبيق العملي لا يتسع للإنسان ردمها بسهولة؛ فالتجربة الأوروبية غنية وثرية في إبداعاتها الإنسانية والعلمية وقد حصلت ثورات عظيمة في التاريخ كالثورة الفرنسية التي نادت بمبادئ الأخوة والعدالة الإنسانية بين الشعوب، وكانت نتائجها في المحصلة النهائية مهمة للتطور الاقتصادي والسياسي لفرنسا، ولكن التوسع الإمبريالي لفرنسا كان واضحًا في إفريقيا والجزائر ودول مختلفة في آسيا؛ فمثلًا في الجزائر حاولت فرنسا استعباد الشعب الجزائري المسلم وطمس هويته العربية ولكن الشعب الجزائري رفض الظلم والاستعباد وعمل ثورة عظيمة على الاستعمار والإمبريالية الفرنسية، وكذلك ينطبق هذا التوسع الإمبريالي على دول غربية أخرى كألمانيا وبريطانيا وأمريكا وإيطاليا، ولكن بصور مختلفة".
وكان هناك سؤال من المهندس علي عبدالمحسن الجشي مفاده؛ هل يمكن علمنة الإسلام؟ ليرد عليه الدكتور تيسير قائلًا: "الإسلام لا يتعامل فقط مع الشؤون الدينية الصلاة والحلال والحرام والعبادة والشعائر والحج والزكاة إلخ فقط؛ ولكنه يتعامل إضافة إلى ذلك مع شؤون الحياة والرزق والعمل وهذه جوانب دنيوية علمانية مرتبطة بالحياة والعلم؛ أي أن العلمانية جزء أساسي لا يتجزأ من الإسلام بالإضافة إلى المبادئ العلمانية؛ العدل والمساواة وحرية الاعتقاد وحقوق وكرامة الأقليات التي هي من مبادئ الإسلام الأساسية".
وفي الختام، قدم كل من سعيد الناجي وعلي حسن أبو السعود الدرع التذكارية وشهادة التقدير للمحاضر الدكتور تيسير الخنيزي ومدير الجلسة زكي أبو السعود.




