12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

كأنَّه الضّوء!

من أجمل الأشياء، التي تجعلك، كضوء الشّمس، لا يخبو في حياتك، أن تكون، كالمصباح، يُنير حالكات الظّلام للآخرين.
بهذه الثّقافة، كان محمود، يُخيط علاقاته مع الآخرين.
مرَّت الأيام، تتداولها المواقف، أصاب محمود حالة من عدم الثقة في نفسه، وفي الآخرين، اعتزل بذاته عنهم، الهُدوء، كان أنيسه، الهدوء، يجيء توحُدًا مع الذات، الذي لا استغناء عنه.
تفرغ إلى القراءة، خلق له علاقة مع الأبجدية، تعرّف على الكثير من الكتاب والكاتبات من جنسيات مختلفة، مارس فعل الكتابة، يكتب قصصًا، لطالما تُلهمه الحكايات، تجعله يُبحر فيها، تسكنه، تُرافقه أين حل وارتحل.
ذات يوم، لم يكن في الحُسبان، شعر أنَّ الدّقائق لا تعينه، كيف لعقارب الساعة، أن تتوقف في نبضه، فجأة؟!
في حجرته، يدّس جسده في مكتبه، مدنيًا رأسه، واضعًا يديه على عينيه، كانَّه لا يُريد أن يتذكر، ماذا يجول في خاطره؟! ماذا تكتنز ذاكرته؟!
أحيانًا، يبزغ في دنياك ظل تجد فيه كلّ شيء، تشعر في وجوده بالاطمئنان، بالأنس، يحتويك برؤاه، بلطف عينيه، ورحابة قلبه، تلاقح روحيٌّ، وفكري، يُشبع خطواتكما معًا، قد يجمعك مع البعض، بلا توجه، أنت تُريده، لا تعلم أين تضعك الخُطوات، ثمّة أشياء لا نُدرك سرّها، ولكنّ، يكون لها نصيب الأسد من تفكيرنا، تشدُّ إليها عاطفتنا، وذاتنا، من تكون يا تُرى هذه الفتاة، وأيُّ سرّ، يختزل حياتها؟!
من أنت؟! ومن تكونين؟! لأعيشك في وحدتي، وأبحر غريقًا في لذّة الشوق إليك. يصرخ محمود في داخله.
بعد قراءة رسالتها التي تدعوه من خلالها إلى الذهاب إلى الكوفي شوب، الذي يقع بجانب الحديقة، لتطل على العُشب، الذي يحتضن الزهور الحمراء، كأنُّه شُرفة، يلتقي فيها العُشاق، فكلّما وجها نظرهما، عانقا الجمال في كلّ الزوايا.
في العاشرة صباحًا، يحمله الشوق ناحية "الكوفي شوب"، رمقته بعينيها، تقدّم ناحيتها، جلس بجانبها، ابتسم في وجهها، كانت تضع أحمر الشّفاه، خصلات شعرها، تتدلى على وجنتيها الحمراوتين، مسك يديها، وضعها على خديه، سألته: أتعشقني محمود؟ أجابها: ألا تسمعين نبضات قلبي؟! أجابته: معشوقتك أنا، تسكنني في كلّ لحظاتي، ترددت في كتابة الرسالة إليك، لتأتي إليَّ، لم يستطع قلبي إلا أن يغرق فيك، اقتحمت ذاتي، وأنفاسي، وأنّاتي، لذا كتبت إليك اشتياقاتي.
أحببت كتابة رسالتي إليك، لتحوطني بذراعيك، وتكتبني في كلماتك وأمنياتك بي، لتحملني باتجاه قوس قزح، تراقصني على ألوانه.
مدَّت يديها تُرشفه فنجان القهوة، وهي تُحدّق في عينيه المُغرقتين به.
حين حدّق في عينيها، تسمّرت في مكانها، لمعت عيناها، تُحاول البوح في بوحه، أن تُعانقه، ليُصغي إلى ذاتها، ويلمس مشاعرها الدّافئة.
في ذات خلسة، بعيدًا عن المكان، أمسكت يديه، تحتضنها، تُفرغ شوقها، وحنينها، وأنينها، عيناها تُناديه، أن يغرق فيهما، أن يُلملم ارتعاشتها بين معصميه، ليغرقا، كجسد واحد، أن يرسما الكون، كزاوية تحتضنهما فقط، لا شيء، سوى قلبيهما، سوى ارتعاشة أصابعهما، سوى الكلمات، كهمس الحُب، يخلقهما مجددًا.
صمتت، لتُخبره: كلي آذان صاغية. تقُول وفاء، وهي تبتسم.
لعينيك نبضات تُشبه الولوج في بعضي وكلي، لأجدك في كلماتي، واشتياقات خيوط الشّمس في غيماتي، كقوس قزح، تنسجه خُصلات شعرك على وجنتي في وجنتيك، لأجدني الدّمعة من عينيك في عينيَّ، لأقبّل رمشيك، وأبحر فيك، وأستفيق على نغم نُعاسك في ارتعاش اللّحظة الأولى، وفي اشتهاء الغياب، فالغرق يحتويني، يُشعلني انتفاض الأبجدية بين أصابعي في احتواء أصابعك، وعندما تبتسمين أشعر أنَّ الدّنيا في عينيَّ، تكتُبك فيَّ، يا أغنيتي، يا حلمي الذي انتظره، يُعانقني في اشتهاء العناق، كلحنك يهتزَّ فألثمك طوعًا، وأغنيك لحنًا شفيفًا، كلحني، ويظل حُبك لي سيمفونية، تُراقصني، وتأخذني إلى مدائن قلبك، وارتشاف طيفُك، وارتواء معصميك النّاعسين في يديَّ.

احمّر وجهها، فطلبت منه المُغادرة، أشرقت ابتسامته، تُشيعها إلى الغياب، لتغيب عن عينيه، وتبدأ نبضات قلبه في استنزاف جسده شوقًا.
عيناه لا تُفارقان جهازه المحمول، لا اتصال، لا رسالة، أدخله التّوجس في القلق، لا يعلم ماذا حدث؟!
استمرّ غيابها شهرًا كاملًا إلى الآن، سأل عنها أخته، أجابته بأنَّها لم ترها مُنذ وقت طويل، أرادها أن تُحدد الوقت، فأجابته بأنَّه قرابة الشهر.
اختنق بعبرته، استرجع اللقاء في "الكوفي شوب"، تعمق في ذاته حينها.
أظنُّ أنّي كنت مُتوترًا، والقلق يشربني، كحبوب رفع الضغط، كأنّي لم أكن مُرتاحًا من دعوتها، ولكنَّ شغفي بهذا اللّقاء، كان أقوى مني، فلم أستطع إلا الذهاب. في دهشة يقُول محمود.
لا تثق في الذين يُقبلون عليك بكلهم، فإنَّهم بمثابة القهر، الذي سيُرافقك إلى بقية حياتك، إلى أن تُشيعك الآلام إلى مثواك الأخير، فالعُشب يموت إذا ما أغرقته كثيرًا بالماء، فكلّ شيء زاد عن حده، ينقلب لضدّه.
وفاء، كانت لها تجربة زواج فاشلة، إنسانة يُصدق أن تُوصفها بأنَّها رُومانسية الملامح والحكايا، مُتسرعة، لا تُفكر مليًا إذا كان الأمر يتعلق بالعاطفة، ويُشير إلى احتياجاتها النَّفسية، وسرعان ما ينتابها الغضب عن هذا الولوج، أراني أعرف حالتها الآن، يبدو أنَّها غاضبة من اللّقاء، من هذا الوهج، والشّوق الذي انتابها، حتى إنَّها لم تُمهلني لحظات، لأزف لها خبر مُوافقة والديَّ على زواجنا، وأنَّنا مساء الخميس المقبل، سنكون في منزلهم، لهذا الشأن.
في العاشرة صباحًا، صوت هاتفه النّقال، يُشير إلى وصول رسالة منها؛ لأنَّه وضع نغمة خاصة إلى رسائلها، فقفز مُسرعًا باتجاهه، وفتح الرسالة؛ تجمّد في مكانه، اغرورقت عيناه بالدّموع، قذف هاتفه النّقال بعيدًا، ليرتطم بالجدار، ليتناثر على الأرض قطعًا.
دقَّ منبه الهاتف النَّقال، تقلب على فراشة، المُنبه أيقظه، وضع أصابعه على عينيه، يفركها مُتعجبًا، محدّثًا نفسه: أكان هذا حُلمًا.
هرول إلى دورة المياه، ارتدى ملابسه، تناول حقيبة العمل، وعزم على الذّهاب مشيًا، خرج من المنزل، وتقلد خُطواته باتجاه خيوط الشّمس.
نعم، إنَّه حلم، ولكنَّه مُؤشر إيجابيّ، لأكن حذرًا من تصاريف الحياة.. يقُول محمود.



error: المحتوي محمي