اعتادت فرح أن تبيع المناديل على الناس، تعلو شفتيها الابتسامة البريئة، تتحمل الحرَّ والبرد والمطر، الحاجة والعوز، يضطرها لأن تقف في الطُرقات وقتًا طويلًا، تحمل معها يوميًا عددًا من علب المناديل، بدلًا من شنطة المدرسة، وألعابها، كقريناتها من الفتيات، وتبيعها.
إنَّها تحمل المناديل، وفي حقيقة الأمر، إنَّها تروي قصة كفاح براءة الطفولة، والصبر الجميل على شقاء الحياة، في جسد طفلة أنهكها الترحال.
الحياة حرمتها طفولتها، واللّعب مع أقرانها، والذهاب إلى المدرسة، سرقت منها اللّهو واللّعب والابتسامة، جعلت منها فتاة مسؤولة، تقذفها تصاريف الحياة من طريق إلى آخر، طلبًا إلى لقمة العيش.
قد يتبادر إلى ذهنك، أيُّها القارئ وضع أسرتها، أحدثك: توفت أمها، وهي لم تبلغ الحُلم، والدها يعاني من مرض، أقعده في المنزل لا حول له ولا قوة، ولها أخ صغير، لم يتجاوز عمره الخامسة.
ذات يوم، استوقفتها سيّدة في الطريق، كانت الشمس الحارقة تلفح جبينها، اقتربت منها، سألتها: لماذا أنت هنا ألا تذهبين إلى المدرسة عزيزتي؟ لماذا تبيعين في الشارع؟ أين والديك؟، أطرقت برأسها، كانت تعابير فرح وانكسارها بادية على وجهها، لم تتمالك نفسها، فانهمرت دموعها، تبكي بحسرة، أنفاسها، كحرارة الشمس في اشتعالها، احتضنتها السّيدة.
مرَّ بضع من الوقت، استرجعت فرح أنفاسها، أجابتها بأنَّها لا تستطيع الذهاب إلى المدرسة، ولكنَّها تحبها، حدّقت في عينيّ السيّدة: أمي متوفاة، وأبي مريض، وأخي الصغير أقوم برعايته، فكيف أذهب إلى المدرسة؟! تغيّرت ملامح السّيدة تحدّث نفسها: أي معاناة هذه، وأيُّ طفولة، وبراءة أصبحت جرداء؟ هناك مقعد في المدرسة خالٍ من صاحبته؛ لأنَّها تبيع المناديل! يا إلهي.
همست المرأة في أذن الفتاة بكلّ حنان: بنيّتي خذيني إلى منزلكم رجاء. ركبت الفتاة في السيارة بجانب السيّدة، وتوجهتا إلى منزلها، فإنَّه قريب من الشارع الذي تقف فيه، هكذا أخبرتها فرح. وفور وصولهما، تأملت السيّدة المنزل، وجدته منزلًا متهالكًا، حملتها قدماها بقلب منكسر، دخلت المنزل بعد أن تقدمتها الفتاة إلى الباب، لتُشير لها بأن تتفضل أولاً، لقد هالها ما رأت، منزل متهالك لا يقي برودة الجو، ولا يحمي من حرارة الشمس، وفي الحُجرة رجل مريض، يئنُّ على الفراش من الألم، وبجانبه طفل، تفاجأت من سوء حالتهم، فإنَّهم في حالة شديدة من العوز والفقر.
ماذا تقول؟ الكلمات لا تستطيع أن تعبر عن ما يجول بخاطرها، الآن، تشعر بالألم والحسرة، تلوم نفسها تارة، وتندب حظها تارة أخرى، لعدم معرفتها هذه الأسرة التي بإمكانها أن تقدم لها المُساعدة، وتحميها من هذا الوجع، وتفتح لها نافذة الأمل، والعيش الرغيد.
طلبت السيّدة من فرح مغادرة الحجرة، لتتحدث مع والدها على انفراد، سألته عن حالته الصحية، ليتضح أنَّه يعاني مرضًا شديدًا، ويحتاج الذهاب إلى المستشفى، لإجراء فحوصات، استأذنته لتقوم بكل تكاليف علاجه؛ لأنَّها تتمتع بحالة مادية جيدة، وافق على طلبها، فقامت بالاتصال بالمستشفى، وطلبت سيارة الإسعاف، وتمَّ نقله.
بعد الفحوصات، قام الأطباء بوضع آلية العلاج، التي خضع لها أبو فرح، وعاد إلى منزله، وهو بأفضل حال. بعد أيام، وفي زيارتها لمنزلهم للاطمئنان عليه، طلبت منه العمل لديها في المُؤسسة التي تمتلكها، وقامت بعمل الإجراءات اللازمة، لتعود فرح إلى المدرسة، لتنتاب الأسرة السعادة بعد العناء والأسى.
وفي مساء اليوم الأول من عودة فرح إلى المدرسة، جاءت السيّدة، تحمل بين ذراعيها العشاء، وكعكة مكتوب عليها: عودًا حميدًا حبيبتي فرح. تناول الجميع العشاء، واحتفلوا مع فرح، وقامت فرح بتقطيع الكعكة في جو مفعم بالحُب والسعادة، وقال والدها: بنيتي إن نعم الله على الإنسان لا تحصى، دائمًا رددي "الحمد لله"، فقالت فرح: الحمد لله، وعانقت السيّدة، وهي تبكي.



