هناك مواقف تمر علينا تعطينا درسًا وتذهب دون أن يكون لها وقت مخصص لعرض درسها فالفطين هو من يلتقط الدرس ويدونه بعقله دون الحاجة لقلم وقرطاس.
مازالت هناك مواقف أعجبتني لأخبرك بها وأقول لك رغم ما يسؤنا مما يفعله البعض إلا أن هناك من يكونون بلسمًا لقلوبنا التي تبكي حين تستنكر على أمر ما فيأتي الجواب من أصحابها إنه شيء عادي!
لتشك في نفسك بعض الأحيان في أساسيات ومسلمات لا يقال لمخالفاتها "عادي" لأنه بالطبع ليس عاديًا لكنه أصبح بهذا الزمن من العادي الذي لا لون له من ألوان الالتزام.
في مرة من المرات كنت خارجة من الحسينية لأرتدي حذائي وأنا بمنطقة الأحذية أتت سيدة تبحث عن حذائها وكان قد خرج أغلب المستمعات ولم يبق إلا عدد قليل من الأحذية وربما هي كانت قد وضعته بمكان معين ولم تجده فيها، فقالت بصورة عفوية لطيفة بلهجتها القطيفية: "منهي خفيفة الدم الي أخدت نعالي" من لطافة نبرتها التي قالتها فيها ابتسمت منها، والموقف أعجبني لأن السيدة كان يتضح عليها أنها كانت بورطة بالخروج دون حذاء لا أعلم إن كانت ستخرج مشيًا لأنها كانت جادة بالبحث قبل ذهابي ومع هذا عبارتها ونبرتها فيها لم تحمل رائحة الغضب أبدًا، رغم أنه لو حصل لأحدهم هذا الموقف ربما لم يتوان عن سب من أخذ حذاءه وتصويب قذائف الكلمات النابية للفاعل المجهول.
الغضب حين يحل قد لا تستطيع الحكم على الشخص وتشخيصه كموالي والأدهى إذا كان منسوبًا بخدمة أهل البيت ويأتي الغضب ليرسم له صورة قبيحة في عيون الآخرين!
أخبرتني إحدى قريباتي عن موقف حصل لإحدى المؤمنات كانت تشارك بقراءة دعاء بإحدى المآتم وبالطبع حال القراءة يحتاج القارئ لشرب الماء لترطيب حنجرته فكانت هناك علبة ماء أمامها على الطاولة ومن باب أن الماء متاح بالمآتم ولا يسأل أحدهم إن كانت لأحد لأن البعض يوزع الماء للمستمعين بكل مكان، المهم المرأة شربت الماء ولم تعلم أن هذا الماء مقروء عليه وأنها لصاحبة المأتم، وحين أتت صاحبة المأتم وسألت عن العلبة قالت لها إنها شربتها وهنا وقعت المشكلة واشتعلت شرارة غضب لم تهدأ فورته لأجل ماذا؟ من أجل علبة ماء لا تتعدى قيمتها نصف الريال! لكنها أثارت بلبلة ومشكلة وكلامًا وإحراجًا أمام الآخرين وتكدرت نفوس ولم ترض لأجل علبة ماء!
تقول لي إحداهن إن صاحبة المأتم امرأة طيبة بالعادة ونحن استغربنا حصول هذا الأمر منها وغضبها هكذا وحتى مع تهدئتها بتعويضها بعدة كراتين من الماء لم تهدأ وكان منسوب الغضب يرتفع مع الأيام.
بالطبع قد تحصل بعض الضغوط النفسية للشخص ويأتي أمر تافه وبسيط هو الذي يكون القشة التي قصمت ظهر البعير، لكننا لا نستوعب أنها قصمت ظهره إلا بعد فترة طويلة من الغفلة.
أمير المؤمنين (عليه السلام) يصف الغضب بقوله: "الغضب نار موقدة، من كظمه أطفأها، ومن أطلقه كان أول محترق بها".
حين ننتسب لخدمة أهل البيت (ع) في منازلنا فأول شيء يُفترض اعتقاده أنه حال انعقاد المجلس فمكان المأتم بالمنزل هو منطقة ليست لنا وليس لنا التصرف بها حسب أهوائنا لأن هناك محظورات يجب اجتنابها كرامة لمن عقدنا المجلس لأجله، ففي وقت المجلس نحن لا نكون إلا خدمًا لا سلطة لهم بالتحكم بأشياء سيدهم والتآمر على ضيوفه.
الماء الذي نوزعه هو ماؤه، البركة بركته، الضيافة ضيافته، فلا يكون هناك قيمة للنفس وتقديمها قبله، ولا محاباة وتفضيل في توزيع شيء لأعطيه من أحب أو أمنعه عن من أكره.
البعض لا يستطيع الفصل بين خلافاته الشخصية خارج المأتم مع خدمته داخل المأتم، للأسف هناك من يخدم بالحسينيات أو المساجد وقد يكون ذا خلق حسن مع الجميع، ولكن لو نظر لشخص معه خلافًا فهو لا يعطيه حقه من تقديم الخدمة كباقي المستمعين، كأن يتخطاه ويتجاهله أو يقابله بوجه ليس طلقًا.
انزعجت من موقف حصل لإحدى قريباتي حيث ذكرت أنها ذهبت للاستماع بأحد المأتم وكانت التي توزع تعطي البركة كل واحدة بيدها وحين أتى دورها رمته عليها وهذا التصرف المحرج دعاها لهجرة ذاك المأتم سنة كاملة.
أي خدمة نحن نقدم إذا كنا نفرض غضبنا ونفسياتنا السيئة لمن هم ضيوف الحسين وأهل البيت (ع)؟
نعم بعض البشر يحتاجون لتحمل وصبر حتى لو أغرقوك مسبة ولكن هل يكون للعبد صوت عالٍ في محضر سيده؟
قد يتعذر البعض لنفسه ويقول الحسين لا يرضى لي بالمذلة والإهانة، فيقوم برد الصاع صاعين لضيوفه!
حتى لو سلمنا بأن تصرف الضيف كان خاطئًا وغير لائق، ولكن أين شعارات الفداء التي نرددها ونقولها له بأبي أنت وأمي ونفسي.. وأينها عن التطبيق؟ إذا كانت أنفسنا لا تهون لأجله؟
يعجبني بعض الرجال الذين يحاولون تهدئة بعض المتخاصمين والمترددين فيقول عن كلمة سيئة قيلت للطرف الآخر "ازرعها بذقني" يعني هو يتحملها نيابة عنه، هذا شخص عادي يعرض نفسه لتقبل أي إهانة نيابة عن من يدافع عنه لمحبته له، فكيف لا نتحملها نحن عن من أهدانا كل شيء ونحن نقول له ياليتنا كنا معكم فنفوز فوزًا عظيمًا.
أصحاب الحسين وأهله وذريته وحتى رضيعه تلقوا السهام بصدورهم ونحورهم ليحموا إمامهم وبالطبع الحسين لن يرضى بقتلهم، لكن العبد يكون فداء لمولاه لا العكس!
فهل نستكثر عليه كلمة توجه لنا قد تقال بمحفل، بربكم أسأل ألم يتلق الحسين مئات السهام والطعنات والكلام المهين لأجلنا؟
طريق الخدمة محفوف بالصعوبات التي لا يتحملها البعض لهذا ليس كل خادم هو خادم حقيقي، لأن هناك فرق بين من يخدم اسم سيده وبين من يريد سيده ليخدم اسمه؟
ما قيمة الخدمة إذا أخرج الخادم غضبه فيها على مستمع أو ضيف أو زائر للحسين وهو مكسور وأول جملة قد يقولها عند خروجه من عتبة المأتم: أهكذا يتم التعامل مع ضيوفك يا حسين ولا نعلم أي عتب جارح قد يوجهه للإمام لسوء تعامل خدامه، فأي وجه نقابل به الحسين والحسين مكسور لعتاب ضيفه وزائره وخروجه من مأتمه ودمعة غبنته من تزفه للخروج وعقد النية على عدم العودة من جديد.
إحدى المؤمنات تروي لي موقفًا حصل في عزاء إحدى خدامات أهل البيت التي أفنت عمرها بخدمتهم وفي مأتم عزائها كانت تسمع بعض الكادرات تترحم عليها وتقول الله يرحمك يا فلانة لكن الحمد لله رحلتي وارتحنا من أشكالك!
ولا أعلم أعلق على أي منهم، ولكن المجمل هو الحذر من أن يصل بنا الحد لأن يتمنى أحد موتنا ليرتاح من ظلمنا للخدامة وعدم أداء الخدمة بصورة صحيحة تتناسب مع من نخدمهم وتعكس صورتهم البراقة بالخُلق الحسن والتعامل الكريم مع الجميع حتى لو كان مسيئًا.
بالطبع حين يهديك الله نعمة الخدمة فهو يعطيك الأدوات والمدد لتعطيها حقها وحين يضعك بمكان فهو يعرف إمكانياتك فيه، فلا يتضجر أحد من كونه فقط من يوزع أو ينظف فكل الخدمة لها شأن عظيم وليست القراءة والرثاء هو كل شيء، فمن يكونون بمقابلة الضيافة هم من يحملون أصعب مهمة وبالطبع الأجر على قدر المشقة.
وهنا أذكر قضية حصلت لي لتدعيم أمر أن الله يهدي الخادم الأدوات التي تعينه بخدمته، في إحدى السنوات تشرفت بخدمة زوار الأئمة الأطهار (ع) بالعراق مع إحدى الحملات وكنا ذاهبين لزيارة المساجد وكانت محطتنا التي نزلنا عندها هي مسجد السهلة فنزل الزائرون والزائرات من الباصات وبطبيعة كل حملة توزيع شعارها لتلبسه الزائرات لتسهيل إيجادهم وعدم ضياعهم، فكنا نحرص عليهم بارتدائه قبل الدخول للمزار فكانت إحدى الزائرات شعارها كان ملتفًا على نفسه فجئت بحسن نية لتعديله من ورائها، ولكني تفاجأت بسيل من الكلمات التي أمطرتني بها أمام الجميع وكنت لحظتها لم أستوعب ما الذي حدث ليأتيني هذا المطر من كلمات السباب والتي كانت تهددني بالضرب وأنا كنت فقط أستمع كي لا أقع معها بجدال يعكر مسار الرحلة وحتى تهدأ بسكوتي، وأنا واقعًا من وراء النقاب لم تكن كلماتها تصيبني بشيء بل كنت مبتسمة ابتسامة تعجب فقط.
حين أتت الكادرة التي معي والتي كانت بمقام أمي وعلِمت بالأمر كانت تريد أن تأخذ حقي وحتى الكوادر الرجال كانو يريدون أن يعرفوا من هي التي قامت بذلك لتأنيبها لكني رفضت ذلك فالأمر لا يستدعي إثارة مشكلة وإنعاشها من جديد، لكن حقيقة شعرت بالنصر يومها ليس بسبب وقوف الجميع بصفي، ولكن لأني شعرت فيها أني منتصرة على نفسي أولًا لا عليها، لأني كنت واقعًا مستغربة من برودة أعصابي حينها وعدم غضبي أبدًا وربما لو كان الحدث قد حصل خارج نطاق الخدمة ربما يكون مختلفًا لأني سريعة الاشتعال، ولكن شعرت حينها أن الله قد مسح على قلبي كي لا أغضب ومدني بمدد لأؤدي خدمتي دون أن أحرج أحدًا.
كم مرة قُرئ علينا قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"؟ افترانا استوعبنا قوة من يجمح غضبه بين جوانحه ويكظمه كرامة لمن يتغنى بخدمتهم، فالجميع يستطيع الصراخ وتكسير الأشياء حتى الأطفال؟
الصيام فيك جاء ليعلمنا كيف نمسك جوارحنا ولا نجعلها تفلت منا، والبعض يصوم ويفطر على الآخرين بالغضب عليهم، والبعض تراه نارًا مشتعلة حتى يتم تجهيز الطعام له وكأنه الصائم الوحيد الذي لم يأكل ويشرب طول النهار، فلا يستطيع انتظار أحد على المائدة ويغضب على من يتأخر وقد يترك الأكل بسبب التأخير فيها.
لهذا أمير المؤمنين (ع) يحذرنا بقوله: "واحذر الغضب، فإنه جند عظيم من جنود إبليس" وقال أيضًا: "أعدى عدو للمرء غضبه".
هناك أناس طيبون واقعًا وبهم صفات جميلة وربما يكونون ملتزمين جدًا لكن ما يفسدهم هو غضبهم الذي يعرضهم لخسارة فادحة بابتعاد الناس عنهم وعدم تقبلهم وقد يعرضهم للعذاب بالقبر من سوء خلقهم وغضبهم، وربما يعرف البعض قصة الصحابي سعد بن معاذ وكيف قال عنه الرسول: لقد وافى من الملائكة سبعون ألفًا وفيهم جبرئيل (ع) يصلون عليه فقلت له: يا جبرئيل بما يستحق صلاتكم عليه؟ فقال: بقراءته قل هو الله أحد قائمًا وقاعدًا وراكبًا وماشيًا وذاهبًا وجائيًا، رسول الله مشى بلا حذاء ولا رداء تأسيًا بالملائكة التي هبطت لتشييعه ولحده وسوى قبره بنفسه وحين أعجبت أمه بهذه المنزلة بتشريف ولدها من رسول الله (ص) قالت: هنيئًا لك الجنة فقال رسول الله (ص): يا أم سعد مه! لا تجزمي على ربك، فإن سعدًا قد أصابته ضمة (أي ضغطة القبر) وحين تعجب من حضر وسألوا عن كل ما صنعه الرسول بجنازته ولم يصنعه مع أحد ثم يعترض كلام أمه وأجابهم بقوله "نعم إنه كان في خلقه مع أهله سوء".
الإمام الصادق رئيس مذهبنا يقول: معاشر الشيعة كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا قولو للناس حسنًا، وأحفظوا ألسنتكم، وكفوها عن الفضول وقبيح القول.
يا شهر ربي بيومك الثامن والعشرين حيث لم يبق منك إلا القليل جدًا من السويعات ألهمني بتمرة إفطاري فيه والتي سميتها باسم مولاي الصادق (ع) أن أكون صادقة بتغييري فيك للأفضل، ومازلت أحتاج أن يدركني بمدد ببركة أيامك لتحسين خُلقي لأخرج منك وأنا كائنة زينًا لهم لا شينًا عليهم.



