حين يكون هناك موقف ما فإنه حين عرضه ترى التعليقات التي تتبنى الكأس الفارغ والتي تعبر عن الشيء السلبي هي من تسبق بالنطق عن الشيء الإيجابي، فتكون زوايا التعليق السيئ حتى لو كانت بسيطة تغلب زوايا الجمال التي قد تكون أكثر منها.
وهنا سأروي لك مواقف أعجبتني لموضوع ستعرفه ضمنًا بالحديث ما هو، كان هناك خطيب وشيخ قبل أن يبدأ يجعل طفلًا أو من الأشبال الحسينية الذين يملكون القدرة على النعي الحسيني هو من يبدأ قبله فقرة نعي البداية ليُكمل بعده هو بالمحاضرة.
كنت أتوقع أنها فقط مجرد مرة أو مرتين ولكن وجدته بأكثر من مناسبة يصنع هذا الصنع وأعجبني جدًا موقفه؛ حيث كيف يتنازل شيخ لإعطاء طفل مكانه ليس استنقاصًا من الطفل بالطبع بل لأنه ليس من المعتاد.
في عالم القراءة الحسينية ربما يتنافس الكثير لتقديم الأفضل والأكثر بخدمته، ففي مجال القراءة نرى أن لا مكان للصغير والمبتدئ في حال وجود الكبير والمتمكن، إلا إذا قرر الكبير الاعتزال وليس هناك اعتزال من الخدمة، ووصل هذا الصغير لسن الكبار وهو بعد لم يُعط فرصته بالخدمة ليقدمها للعلن.
هناك طاقات حسينية ليست لدى فئة الأطفال فقط حتى بالشباب ولكن هناك من يحكمه العُرف وما تعارف على سمعه فيترك سماع الطاقة الجديدة أو لا يعطيها فرصة للتجربة.
إضافة إلى ذلك عدم التشجيع والدعم فشيء طبيعي أن يخطئ الفرد بالبدايات ولكن هل الناس تتقبل البدايات التي تحوي بعض الأخطاء التي تكون قبل التمكن؟
وهل تراه سيستمر الشخص على خطأه مدى الحياة؟
كم سمعنا أشخاصًا كانوا بالبداية كأداء عادي لكن مع الزمن صقلتهم الحياة والتجربة وباتوا أفضل بكثير، وكم تعلقنا بأصوات شجية مع كبر سنها ربما أذهب صفاءها وتغير لدينا وهج صوتها.
المشكلة حين لا يصدر منه خطأ وكان بالفعل مميزًا ومع هذا لا يتم تشجيعه من بني منطقته فترى خطباء منطقة معينة لا يتم أخذهم بمنطقتهم بل نجدهم بمناطق أخرى ليس عزوفًا منه لخدمة مجتمعه ولكن لأن مجتمعه لديهم "حمامة لا تُطرب".
الآن ما نراه من برامج لتشجيع هذه الطاقات مثل برنامج "مُنشد العراق" والذي مازلت أتمنى أن تكون هناك نسخة قطيفية منه لأن لدينا طاقات مازالت مختبئة وتنتظر فرصة للظهور، وكذلك برنامج "وجيهًا بالحسين" الفكرة رائعة بضم نخبة من الحكام كشعراء ورواديد ومُنشدين ومختصين فهو شيء يسر القلب بتطوير هذه الطاقات وعدم الاعتماد فقط على تقييم الصوت وجماله.
وهناك موقف جميل آخر أعجبني في برنامج منهم حيث رأيت رادودًا معروفًا ذا شيبة بيضاء وكان رادودًا له قيمته العالية بالخدامة والعطاء بالدمعة الساكبة ومع هذا ينحني على رجليّ رادود يقبلهما لأنه أبكاه على مصاب الحسين، فأي تشجيع وتقدير يدفع للأمام أفضل من هذا؟ وهل نحن نستطيع تقديم مثيله مما يُعطي الثقة لقارئ للحسين ليعطي للحسين أفضل ما لديه؟
اكتشاف طاقة حسينية لهو أمر عظيم والأعظم حال تنمية هذه الطاقة وإعطائها ما تريد من دعم وثقة لتعطي للحسين دون قيود لهو أمر له ميزانه عند الآل الأطهار.
بالنسبة لي فاكتشاف الأصوات الجميلة الجديدة والبحث عنها يشعرني بالنصر في حال التعرف على خامة صوتية مميزة دخلت للساحة الحسينية بصوتها وأدائها المتسق مع الكلمات التي تنقل إحساس السامع لأن يقول وكأنه على لسان حال القلب.
هناك مواهب إما أن تُسقى فتنمو وإما تهاجم فتموت قبل أن تولد، فتميل لطريق آخر ليس به الحسين.
أحد المتسابقين الصغار في منشد العراق قرأ وأبكى كل الحكام لدرجة لم يدع لهم فرصة لإعطائه ضوءهم الأخضر ليبدأ التدريب تحت إشراف أحدهم وذلك من بكائهم، وحين سؤال والده عن كيف بدأ معه بهذا السن الصغير الذي يبدو كانه بعمر سبع أو ثماني سنوات، وذكر إنه بالأساس بدأ منذ كان ذا أربع سنوات ففي أحد ليالي الجمعة التي قصد بها زيارة الحسين (ع) وكان بجانبه ولده وكان يومها ذا أربع سنوات هنا سأل والده وقال بلهجته العراقية: بابا إذا أحچي وي الحسين يسمعني؟ فقال له والده: نعم بالتأكيد، وسأله عن ما يريده منه؟ فالتفت الصغير ليخاطب حُسينه قائلًا بلهجته البريئة: أبا عبد الله سويني رادودًا مضبوطًا، وبالتأكيد كان طلبه مجابًا من مولاه.
الأطفال بفطرتهم يحبون الحسين ولا يعلمون بتأثير الحسين العجيب على القلوب الصافية كقلوبهم، تقول إحداهن كان لدينا مجلس حسيني وأخبرها أحد أطفال عائلته من حالة عجيبة اعترته يقول لها عمة لا أعلم ما بي بمجرد ذكر الحسين عيني تبكي.
وحين كنت أعطي دروسًا باللطم لبعض الفتيات الصغار بعض الفتيات تقول أمها لي إن ابنتها تنازلت عن الخروج مع عائلتها للترفيه كي لا يفوتها حضور الدرس لحبها له، أخرى أصيبت بعينها وذهبت بها أمها للمستشفى ورغم تضميد عينها إلا أنها أبت إلا الحضور ولو بنهاية الدرس، والبعض كان يعود ويتدرب كثيرًا ويكرر بالقصائد رغم أني لم أكن أسجل لهنّ كي يتعودوا على حفظ الأطوار وعدم الاعتماد على ما تم تسجيله والخطأ بالتأكيد مسموح لأنه قابل للتعديل والإعادة.
ولا أعلم ماذا صنع معهن الحسين ليتزاحمن على طلب خدمته فكن يختلفن ويتنافسن لأختارهن لأداء مهمة ما، وبعضهن تحزن إن لم أعطها مهمة باليوم كخدمة توزيع الماء أو صب العصير وقراءة الدعاء وغيرها.
بنت إحدى صديقاتي لم تحضر مع فتيات اللطم إلا يومين فقط من الدروس كلها، وأحد الأيام كانت تلعب معي بأحد الألعاب التي كانت عبارة عن أسئلة تجيب هي أو أنا عنها فكان السؤال الموجه لها؛ من هو الفنان الذي تعتبرينه قدوة؟ فكانت إجابتها صادمة لي لأنها قالت أنتِ، وسألتها متعجبة كيف فلست فنانة؟ فأشارت وهي تمثل مسك الميكروفون وكأن الدرسان التي حضرتهما لايزالان بذهنها حيث شعرت بسعادتها حين جاء دورها لإلقاء إحدى القصائد، ولا تعلم كم أدخلت إجابتها السرور على قلبي ليس فقط لأجل اختياري ولكن في زمن يعتبر الكثير من جيل اليوم الفنانين والفنانات قدوة لهم وهي بعمرها اختارت قدوتها بمجال حسيني بعيد عنهم، وأتمنى أن أكون أهلًا لمرتبة القدوة الحسنة.
بأيامك الأخيرة يا شهر الله قد تكون أصواتنا نحن أصحاب الذنوب محجوبة، وفيك يتزود الكثير لكفالة الأيتام، ولكن ماذا إذا قررنا كفالة صوت لطفل أو طفلة ليكون حسينيًا فيكون صوته صوتنا الذي يدعو وينعي ويعظ وينصح؟
بالتأكيد بلسانهم وأصواتهم البريئة لا حجب بالسماء وأهلها ولا بالأرض وأهلها، إن كنا نريد خير استثمار فيك فهو ما يكون أساسه الأطفال والحسين (ع).
الحسين الذي قدم للعالم روحه وروح جميع أهله حتى رضيعه الصغير، أفنبخل عليه أن نهيئ أطفالنا ليكون الحسين هو القدوة والحبيب الذي يهون لأجله كل شيء، أنبخل عليهم بوقت مستقطع نحكي لهم عن الحسين ولماذا الدمعة تخرج من عيوننا دون استدعاء ودون نعي ناعٍ حال ذكره؟.
فبيوم جمعتك الأخيرة تمرة إفطاري فيها هي من بركات المولى الحسين (ع) الذي تتوجه له القلوب والأرواح بالزيارة فيها، وأحسب كلام حفيده الصادق (ص) رن بأذني ليقول "من زار جدي الحسين كمن زار الله تعالى في عرشه" وأقسم أني أريد فيك زيارة عرش الله حال زيارة حُسينه روحًا وجسدًا.. فهل تأخذني لزيارته؟.



