12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

تأملات في «قبل أن نلتقي» للكاتبة إيمان الجصاص

ما أروع ما قبل، دائمًا ما يكون قبل الشيء، يأتي الأروع من الشيء ذاته، بهذه الفاكهة، سطّرت الكاتبة إيمان الجصاص، عنوان باكورة إصداراتها بـ"قبل أن نلتقي"، وفي فسحة العنوان، تُسلط الضوء على البيئة لكل شيء، البيئة لتي تسبقه، فالأجواء الماطرة، تتمتع بالجمالية، تُغري الإنسان نشوة، انبهارًا، ولكنَّ الأروع، إذا ما تأملنا، سنُدرك أن تجمع الغيمات، الحُبلى بقطرات المطر، لها ذات الأجواء الجميلة، وذات الانبهار، وقد تكون الأروع.
إنَّ "ما قبل"، ليس فقط في اللّقاء بين الطرفين، أكان العشق، يستبسل اللّحظات، أم شيئًا آخر، في كلّ حياتنا، التي نعيشها، تكمن لذّة قبل الشيء، الذي نُريده، كأنَّها أرادت القول: لتعيشوا اللّذة في كلّ شيء، تقُومون به، هذا الامتاع، يُذكرني ببضع كلمات، كنت وما زلت أرددها، كلّما جاءت مناسبة، وهي: لتعشق كلّ ما تقوم به، أكتب؛ لأنَّك تعشق الكتابة، اقرأ؛ لأنَّك تعشق القراءة، مارس الرياضة؛ لأنَّك تعشق الرياضة، فالقيمة الحقيقية أن تكون عاشقًا، فالعشق ليس مُرتبطًا فقط بتاء التأنيث، أو بالرجل، ولكنَّه التلازمية، التي إنّ عاشها الإنسان، فإنَّه، سيشمُّ رائحة البنفسج، ويلمس وجنتي طفلة، تبتسم في حُضنه، وسيُدرك أنَّ مُتعة العمل، أن تعشقه، لا أن تُمارسه، بأيّ شكل من الأشكال، لتضع عاطفتك على قارعة الطريق، ولا تُلبسها فُستان حيثيات وجودك، لتجد ذاتك الحقيقية.
تبدأ الكاتبة إصدارها بنص "قبل أن نلتقي"، الذي جعلته، يتربع على كرسي العنوان، فتقُول:
جمعتنا لهفة السُؤال
واحتضنتنا رعدة الخيال
ومع قطرات المطر، كتبنا مواثيق اللّحظات
وختمت:
وكم أبحرنا بعد هذا اللّقاء
تلجأ الكاتبة إلى عمق المعنى البلاغي؛ للتَّعبير عن الفكرة بأسلوب له من الانسيابية، الشفافية الشيء الدافئ، لتُخل السُؤال في باقة الاشتياقات، لتُخبر عن استمراريته، نتيجة لجاذبية الشُّوق واللّهفة، التي لا يخبو وميضها، أتراها، تُلامس الواقع، أم تتجه إلى خارج الصَّندوق؟ في الإجابة لن تكون اللّغة التي نكتبها الآن، ولكنَّ الإجابة، تكمن في ذات القارئ، ليُعيد السُؤال مرارًا، كهمس عاشقة في أذنيه، حينها، ستنطق شفتاه بهذه الإجابة، لأنَّه سيشعر، وبعدها، سيبوح بما يشعر به، بعض الأشياء، تشعر بها، ولا تستطيع التَّعبير عنها، إلا ببضع كلمات، يُتقنها كلّ من يمتلك تقنية ما وراء الشيء، ويسكبه واقعًا، كأنَّه الشيء ذاته.
إنَّ ألم السُؤال الذي قد يكون ظاهريًا، أو باطنيًا، لا يُشبعه الظلّ، ولا يشفيه الهمس، إنَّه طُموح الولج أكثر، لهذا يبزغ السُؤال. إذًا، وماذا بعد اللّقاء؟! ليس ثمَّة انطفاء المشاعر، بقدر اشتعالها أكثر.
هُنا، تُجذر الكاتبة إلى ثقافة الاشتياق واللّهفة، لتجعلها مُستمرة، لا وقتية، يخبو شذاها بمُجرد اللّقاء، كأنّي أجدها أرادت الإغراق أكثر، أجدني غريقًا "ربما"، لا أتقن فلسفة الغرق، سأنتظر النَّص الآخر، سأبوح اجتهادًا، فمازالت رطُوبة النَّص في الأفق، وضعت شارة، تُذكرني، سأقول: إنَّها تهمس، بأنَّ في كلّ خطوة إليك، تبعثني اشتياقًا خُطوات، فكلّما اقتربنا، وارتشفت ماء عينيك، أجدني مازلت أعاني الظمأ إلى عينيك.
وفي نص "على ضفة اللّقاء"، تقُول:
وإذا التقينا
زاحمنا الشُّوق، فبكينا
ضاجعتنا الذّكريات، فغرقنا
وإذا التقينا
تعانقت الابتسامات على هدأة القُبلات،
وهُنا تؤكّد الكاتبة على أنَّ اللّقاء لا يزيد العاشق إلا اشتياقًا، وحنينًا، وأنَّ الشَّوق حالة استثنائية، لا يُستطاع تفصيل برقعها، أو حياكة فُستانها؛ لأنَّها كوميض عدسة "فلاش"، تحسّه، لترنو إليه، وإن كان للتو قد أشعل فانوسه على مسافة عينيك.
تقُول في نص "خلسة:
عثروا عليَّ في ملامحك
كيف رأيتني؟! وكيف ابتسمت؟!
أترى باتت ابتسامتك رعدة لنظراتي إليك؟ّ
حالة انصهار، في الفعل الدّرامي، فإنَّ الفنان، كثيرًا يقُوم بقراءة السيناريو، ليعيش الشَّخصية، أو ما يُسمى "تقمص الشَّخصية"، وهذا ما يحرص عليه المُخرج، فكلّما استطاع أن يتقمصها، فإنَّ نسبة نجاحه في أداء الدور، تكون عالية، وهذا يحتاج بـ"الضرورة بمكان"، إلى جُهد كبير من التدريب، هُنا، أيحتاج العاشق أن يتدرب، ليسكن الآخر، ليتقمصه، أجدني وبكلّ تأمل، أقزل: لا، يكفي العاشق أن يتألم، أن يرتعش قلبه، أن تتساقط دُموعة على حافة الانتظار، أن تتخاطر ذاته، أن يُبصر الملامح في كلّ الأشياء، بكلّ هذا وسواه، ستلمع عينيها به، وسيتحدث من خلالها، وتتحدث من خلاله، سيسكنها، وتسكنه، مُتلبسان بعضهما، فإن تُبصره، ستجد ملامحها، وإن تُبصرها، ستجد ملامحه، الآن، أنت تبتسم؛ لأنَّك تُبصرها، وليس أمامك سوى التلفاز وفنجان قهوتك، هي ليست هُنا، ولكنَّك تُبصرها، الآن، هي تُبصرك، ولكنَّ ليس أمامها سوى كتاب تقرأه، وبجانبها كأس من الشَّاي، أراني أشعر به باردًا، لم يُلامس شفتيها، إلى هذه اللّحظة.
تقُول في نص "شغف":
دون أن أخبر أحدًا
أنت تفيض من أحداقي
وتُشرق على ملامحي
إنَّ الإصدار مُتنوع البوح، لتجدها تارة، تدخل عالم الطُّفولة، لتنسج البراءة من رمُوش طفلة، كقولها في نص "نداء طفلة":
صغيرتي البكماء
خدك المياس بلَّله الحنين
أل تأكلين؟!
صغيرتي
دُموعك بوح بعيد الأوجاع
إنَّها، تسترجع الطفولة من نافذة الوجع، لهذا تأنُّ إلى اللّقا، لتسرد إليه كلّ البوح، منذ كانت طفلة، إلى وجُودها على كرسي، تنظر قُدومه، لتبحر أكثر في وجُوده، إلى استجلاء امتداد العُمر بنا، لنكبر، وتكبر هي، تقُول في نص "جدتي":
دعواتها المُباركة، تخبزها مع قطع الحلوى، وأرغفة الخُبز
على غمرة الأسى، تُحيلنا الكاتبة إلى التفاصيل الصَّغيرة، أن نُصغي إلى "الجدة" و"الجد"، لما لهذه اللّحظات من أنفاس عبقة، لها دلالتها في حياتنا، إنَّها أجادت التقاط البديهيات، لتخلق منها نصًا مُفعمًا بالدفء، والفكرة الخلاقة.
ومع كلّ الاشتياقات، تأتي الكاتبة، لتقُوم بالتقاط صورة، لم تكن عابرة، أو من خيالاتها، بقدر كونها تصورًا واقعيًا، لتمزج بين المُتخيلة والواقع، تقُول في نص"غمامة الهذيان":
وعند أقصى شواطئ الحُب
كنت مع غيري ذات نزوة
ختامًا في هذه التأملات المُتطفلة على "قبل أن نلتقي"، أستطيع القول بأنَّ النَّص الأدبي، كلّما كان مُثقفًا بين دفتيه، أصبح أكثر فاعلية، وأكثر إغراقًا.



error: المحتوي محمي