13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

قبل أن نتملك شيئًا.. محطة تأمل

لتمتلك غرضًا ما، هل تساءلت ما مقدار الطاقة المستنزفة لتحقيق ذلك؟
دائمًا نبحث عن أفضل صفقة للحصول على ذلك المنتج حتى لا ينافسنا أحد بها والذهاب إلى ذلك المتجر بغض النظر عن استهلاك قيمة الوقود والوقت الذي سوف يأخذ من وقتنا وشراء ذلك المنتج بعد بذل تلك الطاقة، ثم نقله إلى المنزل، والتفكير لوضعه في مكان مناسب، ثم نتعلم كيفية استخدامه وصيانته، وتأمينه والحرص على الاهتمام به، ويصل الأمر بنا أحيانًا إلى دفع ثمنه على أقساط تستمر لمدة طويلة وربما عجزت عن تسديد ثمنه حتى بعد أن تكون قد زهدت فيه أو توقفت عن استعماله. وإذا استشعرت كل هذه الخطوات في عدد الأشياء الموجودة في منزلك ستشعر بكمية الإنهاك الفظيع المترتبة على ذلك من مرحلة الاقتناء إلى مرحلة الاعتناء. لذا تجد معظم الشركات قد استفادت بتحقيق ثروات ضخمة من هذا الهاجس الملح دائمًا، من خلال بيع منتجات الأثاث والتنظيف والتلميع وابتكار منتج مختص لكل غرض، كالعناية بتلميع الأثاث، والأرضيات ومواد تلميع للسيارات كالنانو سيراميك ليعطي السيارة مظهرًا أنيقًا للغاية، كما أصبح استهلاك المكملات الغذائية نمطًا شائعًا لدى الأشخاص الذين يرغبون في نظام غذائي سليم وصحي.
لا أخفيكم أيضًا ازدهار صناعة التأمين نتيجة احتمالية تعرض سياراتنا أو مجوهراتنا أو لوحاتنا للتلف أو السرقة، وظهرت صناعة الأقفال والخزائن، وشركات الإنذار والمراقبة، وازداد عدد التخصصات الفنية والتقنية التي لا حصر لها التي تؤمن حفظ الممتلكات من التلف أو السرقة.
ولا ننسى وسائل النقل المستعدة طوال الأربع وعشرين ساعة لتجميع الأشياء ونقلها وتوصيلها، وفي ظل كل ذلك الوقت، والمال، والطاقة، وربما نبدأ في الشعور بأن أشياءنا هي التي تمتلكنا وليس العكس ونحن لا نشعر، بداية نقلق بشأن عدم امتلاكها، وبعد أن شاهدناها في إعلان تجاري أو عند شخص قريب لنا أو صديق، تحول هاجسنا ومحط تركيزنا، وتسلل الشعور بالحرمان وقلق التفكير في كيفية الحصول عليها، ثم بدأت رحلة البحث عن أنسب وأقرب وسيلة لامتلاكها أو التوصل لسعر أنسب لميزانياتنا إن استطعنا توفير ذلك، رغم أن بعضنا غير قادر على تحمل ثمنها، لكننا نريدها بإلحاح قد يجعلنا نلجأ للعمل بساعات إضافية أو الاستدانة، أو الشراء ببطاقات ائتمانية التي تنهك وتستهلك أموالنا المدخرة. ثم تأتي اللحظة غير المخطط لها بشرائنا لهذا الشيء، ثم يبدأ القلق بعد مدة بشأن كيفية إصلاحها، فتجدنا نبحث في أدلة التشغيل أو محركات البحث بحثًا عن المعلومة، وقد نؤجل فكرة إصلاحها ليظل موضوعًا داخل خزانة أو في أحد الأركان، أو في القبو، محتلًا مساحة واسعة من الغرفة بلا مردود، ولهذا تبدو دائمًا أن أوقاتنا ضيقة وحرجة، وحرية قراراتنا محدودة جدًا، وربما تكون كثرة الأشياء هي السبب.
لنتمهل ونفكر قليلًا في مشاعر الحرية والسعادة التي كنا نشعر بها في مقتبل الشباب، فليس من قبيل المصادفة أن تلك الفترة التي امتلكنا فيها أقل عدد من الأشياء كانت الحياة فيها أبسط، والاستمتاع بالوقت أهم من الامتلاك، وكأن الأشياء مرساة ثقيلة تثبتنا في أماكننا، وتمنعنا من استكشاف اهتمامات جديدة، وتطوير مواهب واسعة، وقد تقف في طريق علاقاتنا، وتعيق نجاحنا العائلي، أو تطورنا المهني والاجتماعي، ومن الممكن أن تستنزف إحساس المغامرة لدينا، وكأن لها مجال جاذبية خاصًا تعمل بصورة متواصلة على جذبنا للأسفل وتقييد حركتنا، مما يجعلنا نتوصل لمعادلة شبه مؤكدة بأن الأشياء الأقل تعني توترًا أقل وحرية أكثر، فحين لا نكون مقيدين بأشيائنا نستطيع الاستمتاع بالحياة والتواصل والمشاركة بصورة أوسع، وأكثر انطلاقًا وانفتاحًا على التجارب، فكلما قل الحمل المادي والذهني، ازدادت القدرة على التحليق لمسافات أعلى واحتمالات أرحب.



error: المحتوي محمي