12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أمي من فريق الأطرش (9)

سيمفونية الطبيعة أيقظتني من سبات الليل، زقزقة عصافير وصياح ديكة، أتمدد على المنام مثل قطة منتشية من الرقاد، أبصرت نجمة سهيل تبرق من بعيد، هبات نسايم صيف تنعش الحواس، فجر جديد يطل على فريق الأطرش، بهجة أنفس وأجساد تتنفس.
ناداني خالي، "ياله ولد أختي بعد الريوگ نروح للمعامرة ونشد العدة على الحمارة ونحمل المراحل في الگاري ونتوجه شرقاً". فطورنا عصيدة معدودة بالدبس ومبللة بالدهن مع حليب طازج تأتي به جدتي من أبقارهم المجاورات معهم سكنًا، مشروب دافئ مطيّب بالهيل، ورشفاته متعة لا تضاهى. أمي العودة تصحو قبل أذان الفجر لإعداد الفطور، طقس تؤديه نسوة الفريق بمتعة غامرة.
عمي محمد حسين سالم زوج جدتي يسعل ويردد آيات الاستغفار، أولاده جاسم وعباس مسترخيان تحت العريش المكشوف على الجهات الأربع، يتحدثان مع خالي حسين بصوت خفيض، نداوة الصبح مع "گرگعة" النارجيلة وفناجين القهوة نغمات ألفة والموقد اشتعال لمة، بعض كلامهم مؤجز أنباء يدور في فلك الزرع وخططهم اليومية ومستجدات أحوال الأهل والجيران وتصاريف الزمان، تلهج ألسنتهم بالبسملة والحمدلة والهيللة والحوقلة والسبحلة والمشألة، أحيانًا "يوشوشون" بعضهم بهدوء تام، وكأنهم لا يتكلمون، وفجأة ينفجرون ضحكًا، وأقهقه معهم دون معرفتي سبب ضحكهم، وجوههم طلقة، والتوكل على الله مصدر قوة، شحذ همم لبدء يوم جديد.
خرجنا من البيت وعبرنا الدروب الندية بين بيوت العشيش، حراك أرجل مستنفرة، نفوس ماضية للحقول منذ تباشير الصبح، تصبيحات لا تنقطع كل بإزاره يرفل، "صبحك الله بالخير أبو عباس"، "صبحك وربحك يا أبو جاسم" إيقاع المشي حماس صدى والخطوات آمال معقودة، ثمة نسوة غاديات للعيون، يتهامسن وسط "الأردية والمشامر" والشمس لم تشرق بعد، تغريدات الطيور لغة وتسبيح، تحليق مبكر للبحث عن الزاد، كل يسعى لقوت يومه وعياله، ورقصات المناجل تحية عشق في أيدي رجال جبلوا على تقديس العمل، متيمين بحب الأرض، والثمر سنابل خير للمخلصين.
وصلنا لحقل عمي "لفليه" وخيوط الشمس الذهبية تتسلل من بين سعفات النخيل، جو مشرق بالفرح غامر بالبهجة والانشراح، الجذوع والعذوق والأغصان تتفتق نضارة، تنساب عليها حبيبات الندى، الزرع يتبسم صبحًا كأنه يرد التحية لأصحابه، أصوات البلابل تطرب النفس، ثمار ملقاة على امتداد العشب، رطب ولوز وجيمبو وتين، نخل زاخر بالخيرات، أن تعيش في ربى الطبيعة فالعافية لباسك والطيبة طبعك.
جمعنا صرات البقل والفجل والفرفخ والحندبان، رتبناها في "المراحل" وغطيناها بالخيش المشبع بالماء، ووضعناها داخل صندوق "الگاري"، انطلقت مع خالي تقودنا الحمارة عابرين دروب "المعامير" المتعرجة، مررنا بجبلة "العگير" التي يفوح منها رائحة اللحم المشوي، أدخنة تتصاعد من سفحها وتعرجات أرضها المائلة سوادًا ورمادًا، اشتعالات نار في جثث حيوانات لم تزل تحترق، تحوم حولها كلاب تلعب بأذيالها، قال لي خالي: هنا مستقر الدواب الميتة بفعل هرم أو مرض، هذه مقبرة الحيوانات. سألت خالي: لماذا لا يتم دفنها في حفر، منظر الحرق مؤلم وأيضًا الروائح كريهة تزكم الأنوف، قال: النار أسرع في تحلل الجسد فيصبح رمادًا بينما حفر القبور مضنٍ بحجم الأجساد الضخمة، إلا من عزت عليه بقرة حلوب، إذا جاء أجلها أكرمها صاحبها دفنًا في جوف التراب.
منظر جبلة لعگير من كثرة اشتعالات النار التي تنهش أجساد البهائم الميّتة تحسب المكان كأنه "مقبرة هندوسية" تلك ديانة تؤمن بحرق الإنسان الميت، لاعتقادهم أن حرق الموتى سيحرق معهم خطاياهم، وتصاعد الدخان من الجسد هو بمثابة الخلاص، والنار المطهر النهائي للروح؛ لتصعد للآلهة، وقد تخلصت من الذنوب والخطايا! معتقد راسخ منذ آلاف السنين ولم يتبدل رغم أن غالبية شعوب الأرض بجميع دياناتها وحتى الوثنيين في أدغال إفريقيا يدفنون موتاهم، عقائد بعض الديانات تتغلب على كل منطق.
بعد أن اجتزنا مساحة العگير قليلًا، نظرنا يجول في الناحية اليسرى، لنخل طويل يسمى "الريملات" ومسجده الذي يسمى باسمه، مبنى صغير تحسبه دارًا ألا من محرابه وهو العلامة الوحيدة التي تبين أنه مكان عبادة، مسجد بني من أجل العابرين الذين تدركهم الصلاة، سواء كانوا متجهين شرقًا أو غربًا وبالعكس، وفي نفس الوقت موقعه يتوسط شارعين يؤديان بتجاه الشمال الشرقي إلى منطقة الزور الوادعة.
خالي يشير إلى نخل "الحياله" الذي قام عليه عمنا منذ زمن، يقع شمال نخل لحليبي يفصل بينها الشارع وشرقيه نخل أم الوغل، انعطفنا جنوبًا ثم شرقًا وعن يميننا "نخل أم چلوه" شمال مقبرة المصلى، خطوات وواجهنا شرقًا "نخل الوزارة" الممتد طولًا، وعلى ناصية الدرب رأيت أول شخص أشاهده في حياتي يذاكر دروسه بين الزروع، ناديته من فوق مستراح الگاري قواك الله يا جاسم الحداد (سهوان) رمقنا بنظرة خاطفة وأعاد بصره في الكتاب ملوحًا بيده دون كلام، قلت لخالي هذا بيتهم على سفح قصر تاروت من الجهة الجنوبية،
-أحد الشخصيات البارعة في تاروت.
أخبرني خالي "هذا أبوه يمتهن الحدادة مع أعمامه أبو عبد وحسن، لكن توفي أبوه "الگيضية" اللي راحت (1969) وبقي الاثنان يمارسان المهنة يساعدهما أحيانًا أولاد أبوعبد، عبدالحسين وسعيد، هو الدكان الوحيد وسط سوق تاروت، شغلتهم واجد متعبة، تبغى إليها قوة عضلات، أصوات المطارق على الحديد تعور الرأس، وشرر النار المتطاير مثل الچي على أياديهم، بس نافعين الناس، نشتري من عندهم المحاش والمناجل والمناچس، والقدوم، وحتى السكاكين، ويعملون سواطير القصابين، ومسامير الدرايش واللنجات والگواري ورمانات الأبواب".
وأكملت تفاخرًا حسب تعاملي البسيط مع دكان الحداد "وبعد أبوعبد يحط في دوامتنا كاور طويل مسنن حتى نشلف بها دومات الأصحاب اللي نغلبهم، ويسوي لينا بعد حنية الفخ باربعة قروش"، بالفعل أبو عبد صانع ماهر وفنان وأستاذ في مهنته، كان دكانه مقصدًا لكل سكان الجزيرة.
واصلنا المسير وخالي يربت على رقبة الحمارة بالخيزرانة لتتجه نحو الدرب المراد، ويدندن "لا لا يالخيزرانة أهل الهوى ميلوكي، لا لا وإن ميلوكي مالت الروح معاكي"، اقتربنا على مشارف مقصدنا، نزل غافية على امتداد البحر، ومنارة بيضاء منتصبة شموخًا، إطارات الگاري وأرجل الحمارة تخوضان في مياه مستنقعات راكدة ونبات الأسل يغطي مساحة شاسعة، برية مكشوفة إلا من نخيلات متفرقات، واحدة منهن يتدلى من سعفها خيوط وقطع أقمشة ملونة، ها قد وصلنا السنابس، ودخلناها عند مكان توديع الحجاج والمسافرين للديار المقدسة، سرنا شمالًا ونصيح بالطرقات الترابية، "بقل، رويد، فرفخ حندبان"، بين مناداة وأخرى تفتح أبواب البيوت، يخرج أطفال وتأتي نسوة، تتبادل الأيدي البيع والشراء، صرة صرتين، ثلاث، نضع قرشًا وقرشين في "چيسة" قماشية صغيرة، درعنا أغلب الدروب من الشمال إلى الجنوب، وكلما مررنا بمنعطف أو زاوية منزل، يوافيني خالي بمعلومة، فأنظر للأمكنة التي كونت لديه ذكرى بعين مختلفة، يشير بإصبعه هذه بناية الأسود "هنا يا ولد أختي أول مرة أشوف دكتور في حياتي وعمري خمس سنين كنت مريضًا بلگزوزو، وعالجني الذيباني وهذا أول دكتور في السنابس، بعدما ضربني لبراه تعفرت كنت أنا ويا أمي، جايين مشي، لكن رجعتي مانا عارف أحرك ارجولي متسودن، وأمي ما هي قادره تخفني من فقلي لأني كنت دبه" مقاربات المشهد 1959م، وأشار خالي بأن دكتورًا آخر نافس الذيباني وهو أبو أيوب وأيضًا تذكر والدتي أن هناك دكتورًا ثالثًا وحسب قولها "دكتور اسمه أبوفيصل، إذا جاء بيضرب يد أي مره بالابرة لازم يلبسها چيس حتى لا يشوفها
ولا يلمسها"!
بدأت الشمس تسخن ونحن نصيح (بقل رويد)، ووصلنا إلى وسط السنابس وقال خالي "شفت هذه الدار المبنية ليست سكنًا إنما تسمى "عين السيف" مقسومة نصفين؛ قسم للرجال وقسم للنساء، هذه عين مطلعتنها الماكينة الجداحة".
رديت على خالي "علمتني أمي عنها تقول إذا جت السنابس وراحت ويا أمي العودة
يزورون بيت عمتها رضوية مرة علي بن عيسى فردان كانت "تروي" وياهم من عين السيف وعمرها تقريبًا تسع سنين"، رد خالي "هذا صحيح أذكر جيتي ويا أمك العودة وخالتك زليخة كنت بعدني فريخ، نزور بنات عماتنا رضيوه وأم جاسم العبادي، والطريق مو بعيد من بيت بت عمتنا رضيوه إلى العين بس خمس دقائق مشيًا، هذا يا ولد أختي ما هو شيء قدام اللي بعلمك عنه، قبل لا يطلعون عين السيف عن كلام أمك العودة، كانت نسوان وفتايا السنابس يطلعن من غيشة الصبح ويدگن مشوارًا مشيًا إلى وينه؟ إلى عين العودة عند قصر تاروت حتى يروين الماي وكل واحدة على چتفها بغلة -آنية فخارية- أو فنتان متروسات ماي ما يجئن إلا هن هلكانات وعلى رأسهن نقلة فياب، وكل يوم على هالحال رايحات وجايات، حياة نسوان ديك لسنين شقى في شقى، مسكينات وحدههن جدلن الماي من دون لرجال لأن عين العودة ما يوردها إلا النسوان "لسنين خلت أخبرتني أمي وجدتي عن حكايا جلب الماء"!
العطش هو الذي دفعهن لتحمل المشاق، معاناة لا يدرك حجمها إلا من عاش أزمنة العذاب، ورأى بأم عينه نساء تدرع الدرب من سنابس إلى تاروت سيرًا على الأقدام بمسافة 2.5 كم، نسوة قادمات وأخريات غاديات، طوال اليوم، في عز البرد وسموم الصيف محملين على أكتافهن إكسير الحياة، ما أصعب المشوار حين يكون في شهر رمضان، مهلك، مضنٍ، يأكلهن التعب، ويستنزفهن العطش، حاملات للماء لا يستطعن شربه والمسافة بين الكتف والفم شبر!
كم نفد الماي ليلًا والأطفال عطاشى، وتصيح الأم، "وين أجيب لك الماي في عتمة الليل"، يفززن من النوم منذ طلوع الفجر، ويقطعن دربًا موحشًا، مارين بطريق المقبرة، وأحراش غابات النخيل، يفزعهن نباح العواوي والكلاب الضالة، يصلن عند عين العودة، يستحممن على عجل ويرفعن حمولة مجهدة، ماء يتدفق على رؤوسهن والأكتاف، وبعد جهد جهيد يصلن إلى بيوتهن وقد تقطعت الأنفاس. أصيح بأعلى الصوت لله دركم يا أمهات الأمس، أنتن صناع حياة.



error: المحتوي محمي