عناق امتد لستة أيام، تنبعث منه رائحة القِدَم والتراث، ترسم ملامحه بفرشاة الماضي الذي يصارع البقاء، عناق بين حضارة تجاوز عمرها خمسة آلاف عام وبين ذاكرة تلصصت على أجزاء من تلك الحضارة وعلى أجزاء أخرى من تاريخ مناطق القطيف، عناق خلقه الفنان الفوتوغرافي محمد الخراري بعد أن وقف مستعرضًا عددًا من أعماله "ذاكرة جصية" في ليالي "بستان قصر تاروت"، فظهر للزوار جمال التراث وهو يلتصق بحنينه على جدران أخرى من التراث مطلًا عليها من زاوية مسقوفة بجريد النخل تضيؤها فوانيس الزمن القديم.
اختار الخراري 12 لوحة من ذاكرته الجصية لعرضها في بستان قصر تاروت، وهي تمثل جزءًا يسيرًا من مشروع تم جمع أعماله في كتاب "ذاكرة جصية"، يضم بين أوراقه صورًا لزخارف البناء الأثرية في محافظة القطيف.
ولم يكن ظهور لوحات الفوتوغرافي محمد في قصر تاروت المغادرة الأولى لتلك اللوحات من صفحات كتابها، فقد استعرضها لأول مرة قبل 3 أعوام، في صالة تراث الصحراء بالخبر.
وتعكس لوحات ذاكرة جصية صورًا للزخارف الجصية في البيوت القديمة، باعتباره واحدًا من مكونات البيوت الأثرية في منطقة تاروت وقلعة القطيف وأحيائها، حيث تنوعت الالتقاطات لتلك الزخارف بعدسة الخراري التي اقتنصتها من عدة زوايا لعدد من البيوت.
وعمد الخراري في الظهور الأول لمعرض ذاكرة جصية، إلى تغيير الصورة النمطية لتقديم التراث، والمدفوعة بدافع الحنين عادة، حيث قال لـ«القطيف اليوم»: حاولت حينها تقديم التراث في معرض فني كمادة خام، يتذوقها المتلقي بطرائق عدة وصور شتى، فالمادة البصرية تكتنز بعدًا تاريخيًا، ثقافيًا، حنينيًا، جماليًا، ومعماريًا هندسيًا.
ومضى في حديثه عن المعرض الأول لذاكرته الجصية قائلًا: عرضت أعمال مشروع "ذاكرة جصية" في صالة عرض نخبوية إن صح التعبير، تستهدف الفنانين في المقام الأول بمختلف توجهاتهم الفنية، والهدف الآخر كان لفت أنظار الفنانين والمهتمين بالتراث المحلي وتحديدًا الزخارف الجصية التي أوشكت على الاندثار. وأعتقد أن معرض ذاكرة جصية حقق أحد أهدافه من خلال تحفيز الكثيرين ممن انشغلوا مؤخرًا في توثيق هذا الجانب فنيًا.
وفرق بين تجربة العرض الأولى وهذه التجربة بقوله: في بستان قصر تاروت جاء المعرض تأكيدًا إضافيًا لتلك الغايات، إضافة إلى التأكيد على أهمية الموضوع لعموم الناس، بجميع مستوياتهم الثقافية والعمرية، وخصوصًا في ظل الاهتمام الأهلي والرسمي بالتراث والآثار في المملكة العربية السعودية بشكل عام، وأظن أنه من المهم على الفنان التأكيد المستمر على تجربته من خلال المشاركات المختلفة، وفي الأماكن التي تحقق غاياته.
ويعتبر الخراري مشروع ذاكرة جصية في تماهٍ مع الامتداد التاريخي للمنطقة، ولذا فإنه يجد أن أعمال هذا المشروع تحقق وتؤكد عمق الأصالة، والأهمية لمنطقة تاروت التاريخية، كما أنه يصفها بمثابة الحوار الحي بين ذكريات آيلة للنسيان، حوار بين مراحل تاريخية مختلفة، تذكرنا في نهاية المطاف بالعمق الإنساني والثقافي لهذا المكان.




