12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

نيّة ولو بشِق تمرة!

في علم الإدارة يخبرونك عند عمل أي مشروع أنه لابد من التخطيط له ووضع دراسة جدوى لتضمن ما يعود عليك من أرباح، والتي قد تكون برهان نجاحك.
أما في علم الفقه فيخبرك الفقهاء أنك لتقوم بأي عمل أو عبادة لابد من نيّة تعقدها بقلبك يكون منها القصد والبوصلة هو الله والقرب منه ولضمان قبوله لابد من الإخلاص فيها فلا يدخل مع النية لله شركاء كالهوى ومصالحها والرياء وطلب إعجاب الناس وغيرها.
النيّة رغم بساطتها لكنها ثقيلة وصعب إحراز تمامها فقد تبطل عملًا إذا دخلت نية أخرى عليها، كمن ينوي الصيام بالبدء ثم ينوي الإفطار وحتى لو لم يشرع بتناول المفطر فإن نيته بالإفطار تبطل صومه.
أو من ينوي صلاة الفريضة بالمسجد قربة لله ولكنه مع وجود الناس ينشط لأداء النوافل وتدخل نية أخرى بالخط وهي نية طلب إعجاب الناس.
ولا أعلم إن مرت على أسماع بعضنا قصة من كان يحرص على الصلاة بالمسجد بالصف الأول ويستأنس لنظرة الناس له بالمحافظة على هذا الشرف ليكون من خيار الناس، لكنه بأحد الأيام تأخر وكان بالصفوف الأخيرة وشعر بنظرة الناس له وأدرك أن صلاته بكل تلك السنين كانت لكسب نظرتهم لهذا اضطر لإعادة عبادة 30 سنة لأن النية لم تكن خالصة لله.
جميل أن نصلي ببيوت الله ونشجع عليها خاصة في أيام وليالي شهر الله لنعمرها بذكره وتجتمع الأكف في دعائه ومناجاته، ولكن هل نحن نضمن نيتنا؟
هل أنا أذهب للمسجد لأنه بيت الله الذي أشتاق لذكره فيه وتنفس جو الروحانية الذي يشحن روحي بطاقته، أم أن نيتي هي نظر الناس ومدحهم أو حتى الالتقاء بهم بالمسجد وربما الحديث معهم وترك العبادة جانبًا؟
هل أنا أصوم شهر رمضان لأنه فرض من الله عليّ وأمر يجب علي تنفيذه وطاعته فيه لأنه من فروع الدين الإسلامي، أم إني أصومه طلبًا لإنقاص الوزن أو كبرنامج صحي أو لأن عائلتي تصومه ومجتمعي يصومه فإذا ما خرجت عن هذا النطاق تركت صومه؟
شيء خطير قد لا ندرك دخوله على أعمالنا وعبادتنا هو مثل الفايروس بل أشد خطورة، فايروس كورونا مثلا الذي للتو نتعافى من أزمته وتعود حياتنا لطبيعتها بعد أن عطل اقتصاد أمة برمتها كنا نستطيع الكشف عن وجوده والتعافي منه خلال أيام حتى لو طالت أيام الشفاء لدى البعض، لكن فايروس الشرك الأصغر في نيات أعمالنا قد يكون ذرة من حس النية متناهية الصغر ولا نشعر بوجودها وتكون مهدمة لأعمال وعبادات سنين طويلة من أعمالنا وتحتاج منا الإعادة لكن يبقى الكشف عنها مرتهنًا بالنفس ذاتها (بل الإنسان على نفسه بصيرة) فيكفيه سؤال نفسه لمن أقدم هذا العمل؟.
للأسف المسألة ليست فقط لمن تقدمه بل كيف نقدمه؟
نحن حين يأتي لنا ضيوف أو أناس يملكون مكانة اجتماعية مرموقة تقوم الدنيا ولا تقعد للتحضير لاستقبالهم وإعداد أفخر الأطباق وشراءها ولبس أغلى الملابس بمناسبة لقائهم وقد يكونون أناسًا غربًا لا نعرفهم ولا تربطنا بهم أي قرابة، لكن ماذا نفعل نحن حين نلتقي الله ونتصل به في صلاتنا مثلًا، قد نكون نرتدي أردى الثياب أو التي نخجل منها ولا نرتديها أبدًا في حال استقبال أحد من الناس ، لكننا لا نخجل من الصلاة بثوب متسخ أو يحوي رائحة الطبخ وغيرها.
في حديث وصية النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذر يقول فيه: يا أبا ذر إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، يا أبا ذر إن التقوى ها هنا، وأشار بيده إلى صدره.
بالطبع نحن ندرك لطف الله وأنه لا ينظر لمادياتنا البغيضة التي نتعامل بها فيما بيننا وينظر لنيات قلوبنا وقربها منه، ولكن أفلا يستحق تعظيم نعمة المثول بين يديه إن كنا نستطيع ذلك؟!
نحن على مائدة ضيافته في أيامك ولياليك يا شهر الله والتي حثنا رسول الله (ص) لتفطير مؤمن صائم لندخل ببركات الضيافة بقوله: مَن فَطَّرَ مِنكُم صَائِماً مُؤمِناً فِي هَذَا الشَّهرِ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِندَ الله عِتقُ نَسَمَةٍ، وَمَغفِرَةٌ لِمَا مَضَى مِن ذُنُوبِهِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ الله! فَلَيسَ كُلُّنَا يَقدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ -صلى الله عليه وآله: اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشَربَةٍ مِن مَاءٍ.
فليس مهمًا كمية الإفطار التي سنقدمها في إفطار عدد من المؤمنين أو واحد منهم ولكن المهم النية في إفطارهم وإن لم أملك شيئًا فشق تمرة أتشارك بها معه الإفطار قد تجلب لي ربح مغفرة ما مضى من ذنوبي وتقيني من النار.
ما أيسر ديننا وأرحمه إذا نظرنا له نظرة تعطيه حقه من المعرفة دون النظر لأي مشوشات من أحد لا يعرفه ويحب تشويه صورته السمحة والرحيمة.
وكيف لا يكون كذلك وربنا رب رحيم بعباده ورسوله تجسيد رحمته على الأرض التي به صارت أمته مرحومة.
رسول الله بعظمته هو صاحب الفضل علي إذ أهداني تمرة إفطاري بيومي الثالث منك لأتشارك بها مع المؤمنين بكلامي حين يتردد صوته الحنون بإذني ليقول: فَاسأَلُوا اللهَ رَبَّكُم بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَن يُوَفِّقَكُم لِصِيَامِهِ، وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَن حُرِمَ غُفرَانَ الله فِي هَذَا الشَّهرِ العَظِيمِ.



error: المحتوي محمي