الماء هذا السائل العجيب الذي لا حياة من دونه، والحاضر دومًا حيثما عاش إنسان أو حيوان أو نبات، وهو عنصر حيوي وضروري وعطاء من الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}، فالماء هو المشروب الصحي الذي يمكّن جسم الإنسان من تأدية وظائفه الطبيعية ويجعله يتخلص من المواد السامة، ولكن علينا أن نعلم أي ماء نشرب؟! تتوقف جودة وسلامة ومأمونية الماء على حسن الإدارة ومدى تطبيق التشريعات الدولية والمحلية، وهي من الأولويات الإستراتيجية مقابل ندرة الموارد المائية العالمية، وفي المملكة نواجه تحديًا حقيقيًا يتمثل بتزايد استهلاك المياه، مما ينذر بخطورة المرحلة المقبلة، لكن هنا لن نبحث عن وسائل جديدة، وعن مصادر مياه متجددة، بل يتعدَّى ذلك إلى انتهاج أساليب وتقنيات وبرامج وإجراءات إدارية وتشريعية مثل دعم الدراسات وعقد المؤتمرات وتوسيع التعاون بين مراكز الأبحاث وتوفير قاعدة من المعلومات والبيانات المتصلة من أجل رفع جودة المياه، وتحقيق الحماية وتحسين نوعية المياه المخصصة للشرب، وقد قامت محطات المعالجة بالمؤسسة العامة لتحلية المياه بتأمين المياه الصالحة للشرب للمواطنين بكافة مناطق المملكة من حيث النوعية أو من حيث الكمية بواسطة تنمية وتطوير موارد المياه، والوقوف على مدى إمكانية الاستفادة من الدراسات ووضع الخطط المناسبة وتنفيدها لهدف الارتقاء والوصول لمصاف الدول الناجحة في هذا المجال؛ فالمياه المعالجة الداخلة إلى شبكة المياه العامة يجب أن تكون متزنة المعادن وخالية من الملوثات الكيميائية والجرثومية.
وبادئ ذي بدء، فإن المعادن أو العناصر الغذائية المعدنية لا غنى عنها لاستمرار الحياة، فلا صحة جيدة ولا قوة دون معادن، فبعض هذه المعادن يحتاجها الفرد بكميات كبيرة نسبيًا، وأشهرها الكالسيوم، والبوتاسيوم، والصوديوم، الفوسفور، والمغنسيوم، والحديد، وهناك معادن يحتاجها الجسم بكميات صغيرة جدًا، ولذا تسمى بالعناصر المعدنية الصغرى ومنها المنجنيز والنحاس واليود والزنك والفلور والكوبلت. وعندما تلجأ إدارة مشاريع الكفاءات المحلية بالمؤسسة العامة لتحلية المياه بمعالجة مياه الشبكة بعنصر المغنسيوم تحت ذريعة دوره في تنشيط الجهاز الإنزيمي، فهذا يعني وجود حالة فقر المغنسيوم أو ما يعرف بـ"عوز المغنسيوم" وهي حالة نادرة الحدوث نظرًا لتوفر المغنسيوم في الأغذية الطبيعية والحية وخصوصًا الأغذية النباتية، تلك الأغذية قادرة على تقديمها للجسم، ولا تعتبر من العناصر المعدنية الصغرى، ولكن قد تظهر حالة عوز المغنسيوم على الأشخاص الذين يعيشون زمنًا طويلًا على أغذية غير متزنة، ويهملون الخضراوات والتمور والحبوب الكاملة والبقول والأسماك التي هي أغنى المصادر بالمغنسيوم.
ولكن إلى أي مدى يمكن الاطمئنان إلى هذه المياه؟ سؤال أجاب عنه مدير إدارة مشاريع الكفاءات المحلية بالمؤسسة، حيث كشف لـ«اليوم» في مؤتمر تعدين البحار - 23 مارس 2022م- أن المؤسسة تسعى إلى تطبيق التقنيات في استخراج المعادن، ومثال ذلك محطة الشعيبة، مشيرًا إلى أن الفروقات بين أسعار مياه الشرب، تعتمد على نسبة المغنسيوم، وأن هناك دراسات مثبتة تؤكد أن عدد مرضى السكري سيتراجع بناء على نسبة المغنسيوم. ماذا يعني هذا الكلام؟ هل مياه الشرب بحاجة إلى دعم؟ لا شك أن الأمر لا يؤخذ دون إدراك مخاطر نقص المعادن والأملاح في مياه الشرب، وأنا أتساءل: هل دعم مياه الشبكة العامة بعنصر المغنسيوم من منظور علمي سيخفف معاناتنا من داء السكر المزمن؟ وهل هناك دراسة تؤكد أن دعم المياه المعبأة وغير المعبأة بعنصر المغنسيوم أعطت نتائج إيجابية لمرضى السكر؟ وهل لدينا ما يثبت الجودة للأغلى دون الأرخص مثلًا؟ لاشك أن داء السكري من النوع الثاني سببه سلوكي غذائي ونمط حياتي، فالاستهلاك المفرط للكربوهيدرات والنشويات والسكريات هو المسؤول الأول عن زيادة السمنة والسكري، وعندما نتناول وجبات غنية بالعناصر الغذائية مع الاعتدال والتوازن في تناولها، يقل خطر تعرضنا للمرض وكذلك خطر الإصابة بنقص الفيتامينات والمعادن، والقول بأن الماء المدعم بالمغنسيوم خيار صحي، فيه تبسيط للأمر! وهذا ما دفعني إلى كتابة هذا المقال وكذلك إصرار أحد الزملاء المقربين والسابقين في العمل على إبداء الرأي حيال ما جاء في جريدة اليوم والذي حمل عنوانًا مثيرًا "أخيرا.. اكتشاف سبب ارتفاع حالات السكري في المملكة" و"انخفاض «المغنسيوم» بمياه الشرب وراء ارتفاع حالات «السكري» في المملكة!"، وهنا لا ننسى ما نشر على صفحة جريدة الوطن في أكتوبر 2018م -تقرير للكاتب الصحفي خالد الصالح حول مؤتمر جودة مياه الشبكة- وقد تصدر التقرير عنوان "مؤتمر الجودة يصدم الجمهور: المياه المعبأة تسبب الكسل والضعف"، مثل هذه العناوين التي تتصدر صفحات إعلامنا المرئي والمقروء هي أسلوب إثارة يلجأ إليه كثير من الصحفيين والكتّاب، تبث القلق والذعر في نفوس الكثير من الناس وهاجس يطاردهم ويؤرق مضاجعهم، والسؤال: ماذا بقي لنا من مأكل ومشرب؟
يبدو من ورقة العمل التي قدمت في المؤتمر أن هناك توجهًا للاستفادة من كنوز مياه البحار كمصدر للعناصر المعدنية الطبيعية وضخها في مياه الشرب غير المعبأة لحماية المستهلك من حالات الإصابة بنقص المعادن التي تنتج عنها مشاكل صحية خطيرة، مضمون هذا التوجه لا شك أنه قفزة نوعية وصورة مشرقة في تحسين نوعية المياه المخصصة للشرب والتي تصلنا عبر الشبكة العامة، وهذا يعني أن مياه الشبكة العامة ستصبح في المستقبل مياه شرب غير معبأة؛ كونها خيارًا صحيًا؛ لأنها موزونة الأملاح ومتعادلة المكونات والقياسات، وهذا يدل على حجم المعالجة لمياه الشبكة العامة، والواقع أن كلا النوعين؛ المياه المعبأة وغير المعبأة يخضعان لنفس المعالجة الكيميائية، فالماء الذي نشربه تعرض لسلسلة من المعالجات الجائرة أثّرت على قيمته الحيوية وسبب لنا أمراضًا كثيرة لا سيَّما على الكبد والكلى وجهاز التنفس والدورة الدموية وغيرها من الأمراض المزمنة والمستعصية.
ما نلحظه في منطقتنا أن مياه الشبكة العامة في الغالب غير محلاة أو مخلوطة وتحتوي على أتربة وأحجار وشوائب ومواد غريبة، نراها دومًا في قاع الخزان الأرضي وعلى فلاتر التنقية والتصفية، وفي صفاية الخلاطات والحنفيات، وتراكم الأملاح على أسطح الخلاطات والإكسسوارات، وبين نقاط توصيل تمديدات الشبكة، دليل على عدم صلاحية مياه الشبكة للشرب، هذه المؤشرات تجعل من الجهة المعنية عدم التسرع في مطالبة الناس بأفضلية مياه الشبكة العامة دون اتخاذ إجراءات وقائية كفيلة بإقناع وطمأنة الناس بجودة وسلامة ومأمونية المياه!
إن الاعتماد على مياه الشرب المعبأة بقوارير يتزايد، رغم انخفاض عنصر المغنسيوم الذي يترواح ما بين 3-5 أجزاء في المليون في معظم العلامات التجارية المحلية، حسب اللوائح الفنية والمواصفات القياسية التي تنص على أن "الحد الأقصى لتركيز عنصر المغنسيوم في مياه الشرب المعبأة 30 جزءًا في المليون. (المصدر: GSO 1025)، وفي المياه المعدنية الطبيعية المعبأة على أكبر من 50 جزءًا في المليون بشرط أن يذكر عبارة يحتوي على ماغنسيوم (المصدر GSO 987/ 2007)، وعزت ذلك لعدم إطمئنان الناس إلى شبكات جر المياه للمنازل، وإلى زيادة الوعي لأهمية سلامة المياه، ومواصفاتها التي تحظى وهي في القوارير بثقة المستهلك أكثر من غيرها لأنها آمنة ونظيفة.
رأينا الكثير من الناس لجأوا إلى تركيب أجهزة تحلية منزلية وفلاتر تنقية وتصفية وأدوات تخفيف الملوحة. ماذا يعني هذا؟!
وأخيرًا، قدمت كل هذا لأقوال: كم هي حاجتنا إلى مياه شرب طبيعية، صارت المياه المعبأة وغير المعبأة هاجسًا يؤرق الكثيرين، ولا يمكن الاطمئنان إلى هذه المياه، ولا ينبغي أن نسلم بسلامة المياه التي نشربها، فضلًا عن تلك التي تأتينا عبر الشبكة، وقد تحظى المياه المعبأة في قوارير بثقة المستهلك أكثر من غيرها.
منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات



