حياة الإنسان الدنيوية ومصيره ومستقبله أصبحت رهينة نفسه وخاضعة لتأثير حالته النفسية التي بدورها تؤثر على حالته الجسدية، فالتركيز على إصلاح الجسد من جانب ومعالجة انحراف النفس من جانب آخر من أهم المكاسب التي ينالها الإنسان في هذه الحياة لأنها مفتاح سعادته، ولأنه بعد ذلك يستطيع معالجة سائر القضايا، وتحصيل مختلف متطلبات الحياة.
لا يخفى على كل ذي بصيرة أن الصحة النفسية والعضوية تسيران جنباً إلى جنب من أجل بناء جسم سليم خالٍ من الأمراض والآفات، ولو تساءلنا: ما الذي يميز معيشتنا التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا العصرية؟ نجيبكم باختصار شديد بأن عصرنا الذي نعيش فيه هو عصر الترهل والضغوطات النفسية والحياتية وانتشار الأمراض وتأثيرها على مستقبل الحياة.
ندخل بعد هذه المقدمة إلى أمراض العصر وكيفية الحد منها، والتعرف على دور الشخص في حماية نفسه.
إذا كنت من أصحاب الطبع الهادئ والسلوك الرزين فإني أنصحك بالابتعاد عن ذلك الشخص الذي يشبه القنبلة الموقوتة حيث ينفجر لأدنى سبب يعتريه، بل إنه يثور بلا سبب أو علة ظاهرة، إنه هكذا دائماً بصورة تدعو إلى العجب، ولكنها في الوقت نفسه تدعو إلى الشفقة، فهذا الشخص لا يكاد يبين من نحوله وضموره، وعيناه الحمراوتان تكاد حدتهما وشدة إشعاعهما تحرقان كل ما وقعتا عليه، ناهيك عن الرجفة التي تصيبه وكأنه واقع تحت زلزال عنيف، يحدث كل هذا وأنت في كثير من الأحيان لا تستطيع أن تجد سبباً مقنعاً لما يحدث، وبالمقابل فإنك ترى شخصًا آخر إلى جانبه لا تكاد تشعر بوجوده فهو هادئ هدوء النسيم، أو كحقل طبيعي أو بستان خلاب، ينعشك هواؤه وأنت تتأمل فيه، يحتفظ بهدوئه وبرودة أعصابه رغم وجود سبب جوهري للإثارة، فهل يتعلق هذا بالضغط النفسي أم تراه بسبب أمر آخر؟
إن جسدك أشبه بسيرة ذاتية متنقلة يعكس تجاربك في الحياة، فنحن نخزن مشاعرنا وتجاربنا وذكرياتنا ليس في عقولنا فقط، بل في أجسادنا وفي خلايانا وفي جلودنا وبكل جزء من جسدنا، وجميعنا يعرف أن كل عضو من الجسد له دور يلعبه حتى لو كان دورًا صغيرًا جدًا بحيث إنه عند حدوث خلل في أي جزء من الجسم فذلك يؤثر في الجسم برمته، لهذا فإن أحد المفاتيح الهامة لمعرفة أسباب الأعراض تقتضي النظر في الوظيفة المحددة التي يضطلع بها الجزء المريض والتعرف إلى الدور الذي يلعبه في عمل الجسم ككل، وكيف يرتبط بما يحدث في حياتك، وبوجه الخصوص ما الذي تعنيه تلك الوظيفة من الناحية النفسية؟ فمثلًا هل تعلم أن الظهر يرتبط بالمسائل المتعلقة باستمرار الحياة مثل كسب الرزق والأعباء المادية وإعالة الأسرة أو العصامية، وكذلك الآلالم في أعلى الظهر يخزن فيه مشاعرنا المكبوتة من غضب واستياء وشعور بالذنب وخجل وخوف، كما نخزن في هذه المنطقة من ظهرنا ذكرياتنا مع أشخاص نرغب في إبعادهم أو تجاهلهم، ويرتبط الجزء الأعلى من الظهر بالتعبير عن النفس من خلال الأعمال وبكل ما يعيق ذلك التعبير، كما أن أسفل الظهر يعبر عن الثقل والعبء والمسؤولية التي يحملها الإنسان، وإذا لم يكن عندك إحساس بوجود من يدعمك ويساندك وفقدت الشعور بالأمان فإن هذا الجزء من الظهر سينهار.
إن تجاهل المشاعر والانفعالات مؤٍذ جدًا يكفي أن تفكر فيما سوف تشعر به عندما يتجاهل أحدهم مشاعرك، ولذلك عليك إيجاد طريقة ما لتعبر عن نفسك، وقد يكون هذا من خلال الجسم أو من خلال السلوك.
إن أي مشاعر نكبتها ونتجاهلها ستعبر عن نفسها كسلوك أو شعور اكتئاب، أو كآبة، أو غضب. فالمشاعر والانفعالات لها دور جوهري في حالتك الصحية، وقد نشرت مجلة التايم تقريرًا يقول: "إن السعادة والأمل والتفاؤل والرضا تحد من خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين وأمراض الرئة والسكري وارتفاع ضغط الدم والزكام وعدوى الجهاز الأعلى من الجهاز التنفسي أو تخفف من حدته" كما يشير التقرير إلى أنه يمكن للاكتئاب - وهو نقيض السعادة - أن يؤدي إلى تفاقم أمراض القلب والسكري ومجموعة كبيرة من الأمراض الأخرى، لهذا إذا فهمت لغة النفس والجسد للأعراض والأمراض؛ يمكنك اكتشاف ما هو مهمل في نفسيتك وانفعالاتك وتأثير هذا على جسدك، وسرعان ما تكتشف بفضل نقطة القوة هذه، أن هناك تواصلاً متبادلاً حميمًا رائعًا يؤثر في حالتك الجسدية وكذلك صحتك العقلية والنفسية.
بعد أن كشف الطبيب على المريض لم يجد سبباً عضوياً لما يشتكي منه، اقترب منه وسأله عن سر قلقه، فأجابه بصمت، بلغة العيون، فبادره بالقول: ابتعد عن الانفعال والزعل!
الحقيقة هؤلاء ليسوا مرضى جسديًا، وكل ما بهم أنهم يشعرون بالألم أو الاكتئاب أو القلق أو التعب، فالعامل النفسي له تأثير كبير على اعتلال الصحة، وهو ما يعانيه الكثير من المرضى، حيث يشتكي الكثير من الناس من عدم قدرتهم على أداء وظيفتهم الطبيعية بسبب معركتهم الحياتية المعاصرة المرتبطة بتلك المشاعر، وقد يشفى الشخص من مشاكل عضوية لكنه قد يبقى حاملاً للضغط النفسي لفترة من الزمن! ولقد اتضح أن الناس يختلفون في استجابتهم لتأثير الضغوطات الحياتية.
وماذا يبقى من الإنسان إذا ذهبت صحته؟ وما هي قيمته بعد ذلك؟ كثيراً ما يشكو بعض الناس ممن تجاوزوا الثلاثين من العمر من آلام غير عضوية، فيذهبون إلى المشافي والمستشفيات زرافات ووحداناً، وقد يبقون مرضى على السرير الأبيض لسنوات طويلة، وتتفاقم حالاتهم الصحية، ويلحق بهم أضراراً جسيمة وتكاليف باهظة، هم يحلمون بالشفاء، لقد انقلبت حياتهم في هذه المرحلة العمرية إلى يأس وتدهور، وربما الاحتضار، وبذلك لم يكن أمامهم سوى التسليم بقضاء الله وقدره، هم أفنوا عمرهم في المستشفيات، وهنا مكمن الخطر حين يتحول المريض إنساناً محطماً بكل معنى الكلمة، فالإحباط والكآبة تحيط به وستظل تلاحقه وتؤثر على صحته ومسيرته المعيشية، هذا ما نلمسه في مجتمعاتنا بصورة واضحة، إنها تحولات نفسية في مجتمعنا، لكن تمرُّ علينا ولا نقف عندها لنبحث في تفاصيلها.
يقول خبراء واختصاصيو علم النفس: إن توفر عنصر واحد من عناصر إثارة الضغط لا يكفي لإحداث الضغط، ذلك أن ما قد يكون مثيراً للضغط لفرد من الأفراد قد لا يكون مثيراً لفرد آخر، فما هي الأسباب؟ من أهم أسباب حصول الضغط النفسي توفر القابلية عند الفرد بسبب طبيعته الشخصية، يضاف إلى ذلك الكيفية التي يتعامل بها الفرد مع الموقف، فإذا أدرك الموقف على أنه موقف تحد وكسر عظم؛ فسيتخذ إجراءً معيناً يواجهه به كنوع من التحدي ورد الاعتبار، أما إن أدرك خطراً مادياً ومعنوياً من الموقف فهو في هذه الحالة قد يعمد إلى الالتفاف على الموقف بما يتناسب مع مصلحته وبما يتقي به الأضرار والأخطار المادية والنفسية.
من أهم سمات هذا العصر كثرة التذمر
والشكوى وسرعة الغضب والانفعال، وتعتبر من الاضطرابات النفسية الشائعة على مستوى العالم، كاستجابة لتحديد الحياة اليومية المعاصرة، فعلى الصعيد العالمي يعاني أكثر من 350 مليون شخص من جميع الأعمار من مثل هذه الضغوطات الحياتية، فهي سمات سيئة تعاني منها كثير من المجتمعات، هي إحدى مصائبنا التي تجعلنا في أحضان العلاجات الطبية والدوائية، مثل هذا الانحراف السلوكي الذي طرأ على مجريات حياتنا العصرية لها عواقب وخيمة على الصحة، وسببه عدم إدراك أصحاب هذه السلوكيات للآثار السلبية مما ينعكس على حالتهم الصحية، فعندما يتعرض الإنسان لأي مؤثر يؤدي للغضب أو التوتر أو القلق وغيره من الانفعالات الإحباطية، فإن الجسم يستجيب لهذا الانفعال على نحو هرموني عصبي يؤدي إلى استنفار جميع أعضاء الجسم للقيام بجهد عظيم وهو نوع من التكيف الوظيفي الهادف إلى الهجوم بغية الدفاع عن النفس، وفي مثل هذه الحالات قد يصاب الإنسان بعوارض صحية خطيرة، وليس هناك من سبيل لتفاديها، ولكن في وسعنا أن ندرب أنفسنا على مواجهة المنغصات أو المثيرات بشيء من التجاهل وعدم المبالاة، هذه المثيرات سمات لا قيمة لها ولا غاية، وساحة الحياة مليئة بالتجارب والمشاكل لا تستحق منا أن نلتفت حولها ونضيع رسالة نحاسب عليها يوم الحساب، فنحن نعيش في هذه الدنيا لحظات قصار سرعان ما تنقضي سنفرح لأن البلاء والمصائب ستتجسد في صور جميلة نثاب عليها، فقدنا كل منافذ الراحة والابتهاج التي نحلم بها، قد تمر لحظة سعادة في ومضة البرق الخاطف، يحدث كل شيء بسرعة ودون مقدمات، لذا فمن الضروري أن يكون الإنسان عالماً بمصلحته وصدق المثل الذي يقول "الإنسان طبيب نفسه".
منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات.



