تلك البريئةُ مِنْ جنون المبتدأْ
قرأتْ مَصَبَّ حروفها نبأً ..نبأْ
درجت بلون براءةٍ وتوشَحتْ
بالخصب واقترحت هطولاً مِنْ رَفَأْ
والنذرُ موسيقا الخيالِ وصوتُهُ
قد أشبعت منه فضولاً قد صدأْ
كانت تمورُ بعزفها وبضوئها
وتهزُّ مِنْ وترالحقيقة ما برأْ
وكلون سلواها تُهيلُ رمالَهُ
الذهبية المعنى لتبهرَ مَنْ قرأْ
كانت إذا اشتاقت تشمُّ حريرها
"بلقيسةً " فاقت بنجواها سبَأْ
وتريقُ طعم جموحها برشاقة
حَدّ احتضان المستحيل إذا طرأْ
مِنْ هذا النص المراوغ في فتنته ورؤيته نتشرف الكثير مِنْ تجربة الشاعرة أمل الفرج ... الشعرية والفنية في اشتغالاتها المتكاثرة والملأى بحكايا الإبداع ، ففي هذا النص مِنْ مجموعتها الشعرية " وشاح لاذع الحمرة " تتضح معاكم ومداخل الخارطة المفاهيمية لهذه التجربة العريقة بامتداد عمر الدهشة الفارعة والتي تخترق الزمن وراهنيته وحدوده فقد أعلنت عن تفردها منذ أول وعيها النصي حيث جنون المبتدأ .. وماذا تفعل البدايات حين تكون مجنونةً معبأةً بالجمال والتماهي معه وفيه ..
فقد اقترحت هطولاً خصبًا ، وجعلت للخيال موسيقا جامحه لابد لها مِنْ أنْ تتَشَبَّعَ وإلا صدأ صوتُهُ وفضوله ..
وهي مع كلِّ ذلك مشغولةٌ بنظرية التلقي وبصناعة القارئ الواعي حيث تعمل على إبهاره منذ اللحظة الأولى وبكلِّ عنفوانها تعيش الأنثى داخلها حيث تبني عالمها الذي يصنع حرير المعنى ومملكة الظلال ما يشي باستحضار الملكة بلقيس وهي تتربع على " سبأ " في بعدها الحضاري والثقافي والجمالي ..
تستطيع أن تخلق عالمها كيفما شاءت وإن جاء بشكل المستحيل الطارئ ...
مِنْ هنا نتلمس عمق هذه التجربة في ديوان "وشاح لاذع الحمره .. بالكثير مِنْ فضاءات المشروع الشعري والمظاهر اللغوية والاشتغال الرؤيوي .. حيث أضفت على كلِّ نص بُعدًا جمالاً ورؤية متفردّة ، تشعلُ شهقة القمر النائم في جفونها وتخلع أقمصة الشفاه وتخيط العزلة في وجهها .
فنجانها قريةُ بلون القهوة ، ونهرٌ مِنْ قصائد ، ونكهةُ ريح ..
هكذا تهندسُ أملُ نصوصها التأملية حيث براعة اجتراح المعنى وخصوبة الدهشة في رهانها على لحظة المفارقة والانزياح المغامر تقول في نصها :
لما عشقت عشقت فيك تعطشي
وعشقت حتى لحظة استهتاري
نلاحظها كيف حوَّلت الصورة إلى بُعْدٍ مختلفِ عن المألوف حيث تعشق "لحظة الاستهتار " وهي لحظة مبتكرة اجترحتها أمل بكلِّ ثقةٍ ومغامرة ..
وتقول في نصها .. " ذكرى مهاجرة "
والبسمة العذراء تقطفُ لونها
مِنْ وشوشاتٍ كالمساءِ إذا افترى
اتكأت في هذا البيت على لُعبة المفارقة التي حولت البيت والصورة مِنْ تمطيتها المألوفة إلى دهشة مختزلة في نهايته حيث خبأت لحظة الرهان الجمالية إلى نهاية المشهد فأن تقطف البسمة لونها مِنْ وشوشات المساء .. أمرٌ متوقع ولا تباين فيه .. ولكنها فاجأت المتلقي باستخدام لفظة " افترى " وهنا تحدث الصدمة الباهرة ، فالافتراء .. وعدم الوضوح ، وتأجيل الحقيقة هي روح الشاعرية وبها تتصاعد لغة الشعر حيث يكون " أعذب الشعر أكذبُهُ " وفي هذا المنجز العديد مِنْ التقنيات الفنية والجمالية التي اشتغلت عليها الشاعرة في وشاحها اللاذع بحمرة المعنى وفرادة اللغة بانزياح الصورة وأنسة الكلام ، وشعرية الفراغ النصي ، وتوظيف الرمز ، واستدعاء الأب الشعري وتحويله إلى قناعٍ فنيّ مراوغ .. وسأشير لبعض العناوين على سبيل الفهرسة الخاطفة وللقارئ مساحة التفكير ومواصلة الاكتشاف اللذيذ مِنْ هذا المنجم المفعم بالجمال .
- أنسةٌ الكون :
ومِنَ ازرقاق خيالها غصَّ الدُّجى
بالأبجدية حيث أصبح شاعرا
- رائحة المكان :
تقاسمْنا الطفولة في وجوهٍ
وأرصفةٍ ستكتبنا .."قطيفا"
تعال لكي نُقلِّمنا صباحًا
" قد يحيا " يصيب لنا الرفيفا
- تجليات الذات .. وقداسة الأنا
مِنَ الشقوق التي كالعمر كالتعب
خرجتُ برهان ضوءٍ في صلاة نبي
فكنتُ شاعرةً أشياؤها ارتبكت بالبوح واستعرتْ مِنْ جمرة الشَّغب
- التناص القرآني :
ورست على الجودي فليس بظلِّها ..
إلا دموع الأولياء على الثرى
في هدهدي ..كم سليمان سأعزفُهُ
سأعزفُ الحلم ما أوتيت مِنَ وَترِ
- حضور الرمز التاريخي :
أنا إلياذة انتظارك هيا
هيّء الآن نورسات نحيبكْ
سفر ورافائيل جاء لنجدتي
يطوي ركام المستحيل ليغرقا
يُلقي سلام النص في إلياذة الأنــ
ــهار يغري حرفها المتألقا
فقرأت تمثالاً بلون حضوره
أوحى لقلبي نحته الإِغريقي



