12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أمي من فريق الأطرش (1)

أيها العابرون بين الدروب الظليلة، أيها الصاعدون جذوع النخل، يا أصحاب المناجل، والسواعد المفتولة، سلام على جباهكم السمر التي لوحتها  شموس "القيظ"، تحايا عز لأجسادكم التي اعتجنت بطين الحرث، وتشبعت بندى الورد، قبلات على هاماتكم العالية كما النخيل، تباركت خطواتكم الرادحة من غبشة الصبح  الى وقت المغيب، جسارة أقدامكم جدارة حياة مهرولة في كل المواسم.
يا وجوه الخير، يا من شققتم الأرض شقًا، وأنبتم فيها بذور عطاء، ما أروع أناملكم المخضبة بالطلع، وعبق الرياحين، تحايا حب بعدد غرسكم، وألوان حصادكم، سلام عليكم يا رجال الأمس، وسلام على أجسادكم المكافحة.
ظمأ يشدني لشمال جزيرة تاروت لمنطقة شهيرة  بزراعة الحشائش، والخضار، وحقول البطيخ، والطماطم، حقول ممتدة إلى منطقة الجبال حتى تخوم البحر، أرض خصبة ونماء، أنبتها المزارعون بأشجار النخيل، والكنار، والتين، واللوز، والموز، والجيمبو، والبمبر، والرمان، أطياب ثمر ارتوت من نبع "الركايا"، ودوران "الجوازر"، والعيون الارتوازية.
منجل و"قدوم وصخين ومحش" عدة عمل لرجال جابوا الأرض حرثًا، ونباتًا، وحصادًا، صناديد لم يهزهم برد ولا ريح، ولم يقولوا أف عن  لحظة تعب، ولم ينهرهم أحد، يفترشون السعف، ويتوسدون الليف، يتنفسون أكسجين البساتين عطرًا، ويتوحدون مع كل غصن ونبتة، يراقبون مواقع النجوم ليستدلوا على دورة الفصول، وقياس "الولمة"، وعلى مشارف المساقي و"اللبو" انعكست صورهم وتسابقوا صعودًا لفعل "الترويس" و"التنبيت" قبل انشقاق عذوق النخلة، يستأنسون إلى اللفاف، والتحدير.
مشرئبة أعناقهم  لشد الكر، واحتضان جذع العمة، يداعبون "شماريغ العذوق" كصدر محبوبة مكتنز، أناملهم تنتقي القطوف الدانية، يهبطون من عل وعلى الرأس "مخرفة"، مليئة بالأحمر، والأصفر، درجات ألوان تسر الناظرين، والمتساقط بني أو أسود، "صرام" يلتقط فردة فردة، وآخر صعود  "التحدير" لقص عذوق الرطب "المتمر"، ينزل من عل بواسطة حبل، وينشر في "الفدا"  يكوم على السميم  و"يچنز" في "القلات"، تنتظره الأسواق.
جزء يرص على "المسحة " المبنية بالرماد المبلل (الطفو)، ذات أخاديد يتقطر عليها السائل الأسود، وينساب في حفرة مبطنة، يغرف منها الدبس الغليظ، ويوضع في أواني فخارية أو معدنية، كأنه عسل مصفى، يسكب على اللقيمات، ويخلط مع البرنجوش، والعصيد لذة للآكلين.
الرطب أو التمر صنوان، آيات محكمات علت من شأنه وقدره، وأحاديث قيلت في حقه، وقصائد شعر تغزلت به، وبحوث، ودراسات تحدثت عن فوائده ومزاياه، طعام الغني والفقير عبر الأزمنة، استقامت عليه أبدان، وقوي عودها، درأ أقوامًا عن الجوع والفاقة.
ما أسعد الفلاح حين يجمع حصاده، وجه مستبشر يلهج لسانه بالحمد والشكر:  يا أيتها النخلة المباركة، أنت رافقتِنا من المهد إلى اللحد، كم نفوسًا فنيت وارتحلت، وأنت صامدة حية تعانقين عنان السماء.
فلاحون صلبة أرجلهم درعوا الضواحي، لجز البقل، والفجل، والبصل و"القت"، يسبحون في مروج خضراء، متكئين بتحفز بين ربطة "عقب" لجعلها   "صرات" تتجمع  أكوامًا في جوف "المرحلة"، تساق على الكاري لتحط رحلها في الأسواق ويطاف بها بين أزقة المنازل.
تزدان مزارع كثيرة  بحضيرة الأبقار، والعجول، تعيش وتتزاوج في حضن الطبيعة وتتكاثر، وطعامها  "عومة وكت" أنامل النساء حاضرة لمسك الضرع حلابة يومية، يقسم لحليب ولبن وسمن، منتج طازج لذة للشاربين.
وخير معين للفلاح صلابة حمار يشد على ظهره القاري، للتحميل،  والمواصلات بين الغدو والرواح.
أُلِفت حياة مجللة بالصلوات، وتغريد الطيور، عيشة هنيئة بين "طاسة" لبن ورطب متنوع أشكاله، وأحجامه وأسماءه ودرجات ألوانه.
كل نخل يكنى باسم  خاص به، والقواطع بينهما ليس "حضار" من سعف حين يبلى؛ فالتداخل كثيف إلى حد التشابك من الصعب فرز كل نخل على حدةٍ، وحدهم الفلاحون يعرفون الفواصل، والحدود من عداد الغرس، وأسماء نوع نخلة ونخلة.
فلاحون كلما غرسوا نبتًا جديدًا أنبأتهم الأرض عن آثار لعهود سحيقة، من شدة سواعدهم في تقليب التربة هوت "صخين" على أوان فخارية، وجرار صابونية، وتهشمت تماثيل بضربة فأس، ومن سلم بيع بثمن بخس، غنمها أبو كبوس من وراء العيون، وقليل  استوطن متاحفنا الوطنية.
يا زروع يا أروع  البساتين، يا معامير فريق الأطرش يا سحر العيون، جمالك فاتن بحسن بهاء، أنت أبعد من المرئي والمنظور، أنت أرض خصبة، وكنوز مخبأة.



error: المحتوي محمي