حين يكون لديك موعد بالمستشفى فإنك تتحضر له وتستعد له خاصة إذا احتاج صيامًا أو الابتعاد عن بعض الأمور لعمل تحاليل بصورة صحيحة وقد تضع لك المنبه أو تذكير بالتقويم كي لا يفوتك وقد تذهب من قبل الوقت لكي لا تصادفك زحمة السير، وكذلك الأمر للسفر أو لأداء اختبار مهم أو مقابلة وظيفية وحتى الذهاب لرحلة كورنيش مع الأصدقاء لابد أن يكون هناك استعداد وتخطيط مسبق لها.
نعم هناك من يخطط لأمر ما لأشهر لكن تبوء الخطط للتلف بآخر اللحظات وقد لا يخطط البعض للقاء ولقاء سريع دون تخطيط يحمل درجة الامتياز ولكنها بالطبع حالات طارئة ونادرة.
فحديثنا عن الأمور الطبيعية التي تحتاج استعدادًا وتحضيرًا نفسيًا قبل أي شيء مادي لاستقبالها، فالأم حين تستقبل وليدها الأول لا تحتاج لاستقباله مهدًا وملابس وألعابًا وحفل استقبال وهدايا وغيرها فهي تحتاج بالطبع قبل كل ذلك لتحضير روحها لاحتضان طفل صغير ليس له حول ولا قوة وسيكون اعتماده الأول عليها وستكون مصدر الطعام والشراب والدفء والنظافة والعلاج والتعليم والتربية وكل شيء يحتاجه بحيث لا تتأفف منه والسهر على رعايته وتربيته مهما كانت صعبة.
للأسف بتنا بزمن بات معنى الأمومة ينحى منحى خطيرًا لدرجة أننا نرى حالات نستغرب حصولها على لقب أم لسوء معاملة أطفالها وتخليها عنهم، وما سبب ذلك؟ إنها لم تتهيأ جيدًا لتلقي هذه المسؤولية وحمل وسام أن الجنة تحت أقدام الأمهات الذي بالطبع لن يكون بالمجان ودون جهد وتعب في التربية الصالحة.
ونحن على أعتاب ميلاد الإمام الحجة ابن الحسن (عج)، أيفترض أن يكون الاستعداد له ماديًا بشراء أبهى الملابس وأرقى الماركات، وعمل التوزيعات والحلويات لتوزيعها على الأطفال والنساء ممن يخرجون بليلته ليقضوها إلى وقت متأخر دون إحياء ذكراه وحضور مولد؟
أيفترض أن تتبرج النساء وتلبس شيئًا لا يمت للحجاب بشيء ويلتهي الرجال عن حضور المساجد ليؤدوا أدوارهم البهلوانية بليلته الشريفة والتي تكون بمثابة ليلة قدر صغرى تنتظر من يطرق فيها أبواب السماء للولوج إلى نور كوكب النور؟
نعم الفرحة مطلوبة لنكون ضمن من يفرحون لفرحهم، ولكن الخلاصة في كيفية التعبير عن الفرح؟
فهناك من يفرح ويستغل هذا الفرح بالمجال المائل عن جادة الطريق، وهناك من يوظف فرحه بالمباح والمستحب.
لكن يُخطئ من يعتقد أن البقاء على الوضع المعتاد هو الأمر الصحيح بكل ما يحمل من أخطاء تتكرر كل عام بل تتضاعف لتؤلم صاحب المناسبة، واقعًا نحن ونحن أناس عاديون جدًا تتألم قلوبنا من بعض المناظر فكيف تتربى الفتاة مثلًا على طاعة مولاها إذا كان مباحًا لها بليلته خلع حجابها أو إبراز زينتها للأجانب بدعوى الفرح لمولد إمامها وكان الأدهى أن أمها من تدفعها لذلك؟
بشهر رمضان وبليلة القدر الكبرى يقال كيف تعرف مقياس قبول الأعمال منك إذا شهد القلب والروح تغييرًا للأفضل لا بل حتى الصلاة كيف تعرف قبولها؛ إذا كانت بالفعل تنهاك عن المنكر والفحشاء، كذلك ليلة النصف وهي كما قلت ليلة قدر صغرى نحن كيف كنا قبلها وكيف أصبحنا، وما هي الأمراض الروحية التي تشافينا منها فيها، وما هي العادات الجديدة الحسنة التي اكتسبناها وأصبحت برصيدنا؟.
ما هو تأثير ميلاد الإمام (عج) وكيف تحضرنا نفسيًا وروحيًا لاستقبال حدث ولادته لنتنعم ببركات وفيوضات يومه لنحظى بعيادي لطفه وحنانه على مواليه ومحبيه وكل منتظريه.
أعود لأقول قد يتحضر الكثير من الناس للناصفة بصورتها المادية أكثر من المولد بصورته الروحية، فتراهم يتزاحمون بمحلات الملابس والتوزيعات والزينة للتحضير لتكون الصورة براقة حين تصويرها، لكن أين جوهر المولد الشريف؟
نحن مازلنا لا نستطيع استيعاب عظمة ليلة ميلاد المنقذ لنا من الغرق، فنحن نغرق واقعًا في رمل متحرك من الملهيات دون أن ندري أننا لا نمد اليد له لملامسة يده الممدوة لنا لا بل قد نصد عنه وربما نصفعه بأفعالنا القبيحة التي لا تصدر ممن ينتظره.
هناك قصيدة لإحدى الرواديد أعجبني إعلانها حيث كانت لميلاد أمير المؤمنين (ع) وكان يشارك بالإعلان عدة شخصيات وربما رواديد من عدة بلدان، وجميعهم كان يردد عبارة تبدأ باسم القصيدة وهي على حب علي، فبدأ أحدهم بقوله على حب علي سأغض بصري ولن أسمع الأغاني، وآخر قال على حب علي سأبتعد عن الغيبة، وأب قال على حب علي سأرافق ابني وأربيه تربية صالحة، وطفل قال على حب علي سأحب أمي وأبي وأطيعهما، وآخر قال على حب علي سأؤدي صلاتي بأول وقتها، وآخر قال على حب علي سأنتظر إمام زماني وأدعو له كل يوم.
ما أجمل الحب الولائي إذا ترجم هكذا، وبإمكان أي شخص وضع العبارة التي يشاء ليعبر مثلهم فيها عن حبه لإمام زمانه بليلة ميلاده، دعونا نتسامح على حبه، دعونا نهجر كل منكر لأجل حبه، دعونا نتوسل في ليلته أن يقبلنا من أحبته وممن يحبون من يحبه ويبغضون من يبغضه وممن يتوافق عملهم بعمله، دعونا نبتهل بعيدًا عن مشاغل الدنيا ونناجيه ونقول له كم نحبه وندعو أن يكون حبنا صادقًا فعلاً يصل قولاً وفعلاً لقلبه.
دعوا الناصفة لا تشرق فقط بالأضواء والأنوار المادية بل بنور الأرواح التي تتزود النور من كوكب نوره الوهاج لتكون ولادة جماعية نولد فيها جميعًا من جديد لنعود بدعائنا وإحيائنا ليلته بالعبادة والذكر كما ولدتنا أمهاتنا لنشترك معه بتاريخ الولادة بالنصف من شعبان حتى يتوافق الختام معه بإذن الله.



