12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

لم يعُد ظلًا.. ولم تعُد

لم يأتِ..، أراه ظلًا واقفًا في الاتجاه الأيمن من أصابعه، يتأمل ضوء الشَّمس، يقرأ ما تُخبئه حُبيبات التراب التي طالما، يُرشفها الماء العذب، ليشتدَّ عُودها، لا زال يتأملها، قلبه يعتصره الألم، لم يأتِ في خُلده أنَّ فُصول روايته الأولى، ستقف في المُنتصف طريقًا، كلماته نفذ وميضها، تجاربه، وأفكاره، خيالاته غفا جفنيها ذات لحظة ما.
وضع يراعه بعيدًا مُنذ زمن، لا يعلم أنَّ أوراقه التي عانقها الضَّوء حبرًا، أصبحت الغياب على هيئة، تُشبهه، شخصياته التي نقشها، لم تعُد ما بين يديه، تسير إلى اللاشيء، مُتعجبًا، كيف يستطيع كتاب الرواية، يُسطرون أحلامهم، أفكارهم، وتطلعاتهم، أحزانهم وأوجاعهم، رُؤاهم عبر احتضان القرطاس، ليُكملوا الصفحة الأخيرة منها، النهايات غالبًا تكون الأشهى نُفورًا، الأقرب إلى الصَّدمة، إلى اتخاذ طريق مُغاير..، أخذته المُحاولة كثيرًا، ليكتب روايته الأولى لم يستطع إليها عناقًا، أو قبلة خرساء عابرة، ثمَّة لا شيء، يختزله، الآن على أقل تفسير...
في بداية تعلقه بالكلم، مارس كتابة الشّعر، احتواه لحدّ الجُنون، دقائقه، تُسابق أختها، لم يعُد الشّعر، يمنحه الاكتفاء، واللّذة الاشتهاء إلى استغراقه الغض، استغراقه للدفء، للّغة لحاف ناعم، كلّما جئت إليه مُثقلًا بآهاتك، احتضنك، ليُذيب أحزانك، ويُسقطها، لم يعُد الشّعر، يُشعره بذاته، لا يأتي استغراقًا، كفوضى تُبعثره، اتجه إلى النَّثر بلا قصد، بعض الأشياء، ننساق لها دون أن تكون هدفًا، نسعى إليه، ولكنَّها الأيام، تضعنا بين عصا رحاها، لتدور بنا، وينساب من عمق حرارتها القمح، رغيفًا، قد يُشبع أفئدة، تتلظى من الجُوع..، قرأ في النَّثر كثيرًا، إلى مُختلف الكتاب، ألهبته البلاغة انتشاء براءة الطّفل، دُميته، حين أبصرها قبل أعوام..، الآن، يُلاعبها بساحة منزلهم الكبير، كان الأطفال، يلعبون، يتبادلون الابتسامة حينًا، يبكون أحيانًا أخرى، وهو يُشاغبهم من بعيد، وبين يديه كتابًا، يقرأه...
وبعد كلّ ذلك، استفحل خُطواته، يبحث عن روايته التي لم تكتمل فُصولها، لم يجدها، يقينًا، إنها الأيام، أرادته متعلقًا بالفقد، الأطفال بلغوا رُشدهم، لم تعد الدَّمية، تستهوي مرحلتهم، إلا أنَّه لا زال، يتأمل حرارة الضَّوء، كهمس، يسبح في رماد الأطلال، لعل روايته الأولى، تسكنه بقاياها، إن لم تُفارقه بلا عودة، الآن..، عزم على كتابتها.
جلس في حُجرته، تناول يراعه، جعله في امتداد بياض قرطاسه، تنفس بعمق، استجمع أفكاره، أغدق عليها بمشاعره، وأحاسيه، لينطلق من جملتها التي جاءت ذات غفلة من الوعي، لتبقى الخنجر الذي كلّما أغمض عينيه، قام بطعنه في أيّ ناحية من جسد أفكاره وأمنياته، ليفترش أحلامه عند الشَّاطئ، تائهة بلا ملامح...
- هل تُحبني، سالم؟!، سؤال، جاء، يحمل في رغوته مُفترق طُرق، أيهمس في أذنيها، مشاعره، لا استقرار..، أنفاسه أصبحت أنينًا، تسربل بالمُفاجأة التي لم ينتظرها يومًا، أو يتوقعها، لم يرد في خلده، أن يقف هذا الموقف، الذي يجعله، يضرب الأعداد في بعضها، تقذفه الرغبة حينًا في أن يصارحها بحبه الذي أخفاه زمنًا...
سالم رجل انغمس في اليراع، يُرافقه في كلّ شيء مُنذ ربيع أيامه، يُجير حياته بكلها من خلاله، كأنَّه خط الاستواء بالنّسبة إليه..، فجأة، كأنَّما حياته بكلّ تفاصيلها، ترتع في نهر المُفاجآت، لم يُخطط لحظة، ليدخل عالم الكتابة، كانت تُمثل رغبة جامحة، يراها شبه مُستحيلة، ولكنَّ شخصيته لا يجذبها المُستحيل، يتخذه هذا المُستحيل صعبًا، يُبادر، ويجتهد، ليصل إلى ما يصبو إليه؛ لأنَّه يُتقن مهارة الوقت، ويتفهم حكاية، أن تصل في الأخير، مُتمسكًا بثقافة النّهاية...
سالم، يمتلك حسًا مُرهفًا، وثقافة جديرة بأن ينسجها، ذاته تتفاعل سراعًا مع كلّ الأشياء من حوله، يُعانقها، كعاشق، يسبح في مياه زرقاء، تُراقصه الأمواج لحنًا، يُطوقه الشَّفق الأحمر.
أجابها:
- نعم، أحبك، قالها، وشفتاه ترتعشان.
- ولماذا لم تخبرني بذلك مُسبقًا؟!
- لا أعلم..، لم يخطر في بالي أنّي سأقولها، أو سأخبرك بها يومًا، لقد جعلتها في داخلي، مُتلذذًا بنغمها، كلّما مرّ طيفك، أو احتواني همس شفتيك، أصغي إلى سيمفونية التَّيه، وأغمض عينيَّ في انتظار صُبح، يأتي، وكأنَّه لا يأتي...
رمقته بعمق، يفُوح من نظراتها لمعان، لم يتمكن من فك شفراته..، ما يُؤلم حقًا، أن تحمل في قلبك ما لا يستطيع قلبك حمله، واحتماله، ولا تستطيع البوح به...
ما أغرب الإنسان لا يشبع..، أمنياته إن وجدها في زاوية، أراد زاوية أخرى، ليرتوي.
- أحسست بذلك، شعرت به في أعماقي، يُدغدغني، وحين أسأل نفسي عنه، لا أجد جوابًا غير قلب عاشق، رتبه الحُب، تأثيثًا كيف يشاء؛ فأحببت سماعها منك...
لم يستوعب سالم ما حدث، جرفه التَّفكير مليًا ناحية الغيبوبة، أحس بنشوة، كان يُمثل ثقلًا أزاحه عن جسده، الغُموض الذي أرهقه.
أيُّ لذة، يشعر بها حين يكتب، حين يقرأ، ثمَّة ما يُغريه، ما يبعث في حناياه إلى الانغماس في ذاته، يحمل بين حُبيبات عقله نظرة، تختلف عن الآخرين -هكذا يبدو-، أو لعله الغرور، الذي ينتابه، بأنَّه مُتفرد عن غيره، دائمًا في عباراته، يتجه إلى اختراق معانيها، التَّعمق في دلالتها، مُحاولًا استشراف الفكرة الطَّرية، البعض لا يفهمه، أو أنَّه لا يمتلك لغة البيان، سعيًا في بزوغ فكرته، مُرورًا إلى أدمغة المُتلقي.
ذات مساء، خاطبه أحدهم: بماذا تشعر أثناء الكتابة؟، أجابه: نحن نكتب لعدة أمور، أهمها: أن نعيش لحظة الكتابة، بمرارتها، وحلاوتها، أن نكتشف أنفسنا، أن نُعبر عن أفكارنا، أحلامنا، وأمنياتنا.
بعد مُرور الوقت، بعد أن تسلقا معًا سلّم أحلامها، أخيرًا سيجمعهم الوقت، تقدَّم سالم إلى خطبتها، كانت هدى سعيدة، السَّعادة تتملكها، كعصفورة، تُزقزق فوق غصنها الطري، تمَّ عقد القران في ليلة، القمر يتوسط السَّماء، والشتَّاء، يفرش الدَّفء في الأنحاء..، وبينما الضيوف في بهو المنزل، يتقاسمون ما لذا وطاب، إذ تعرضت هدى إلى وعكة صحية مُفاجأة، تلوى جسدها على خطيبها، لتسقط على الطاولة، وينساب الدَّم من رأسها، حملها سالم، والدَّمع، يُغطي عينيه، يُرافقه أخوها رأفت، وتوجها إلى المُستشفى، وسالم يصرخ في بكاء، هدى..، هدى..، أدخلوها غرفة العناية المُركزة، لحظات..، كأنَّها بعمر كلّ تلك السنوات، كأنَّها بعمر كلّ الحُب، كأنَّها بعمر كلّ الأحلام التي نسجاها لحياتهما، كأنَّها الوجع الذي سيرافقه في حياته، لقد فارقت رُوحها الحياة، وفارق معها ذاته، وروحه، وكلّ شيء، كان يتمناه...
دخل سالم إليها، وجدها على سرير أبيض، مُغطاة..، أزاح الغطاء عن وجهها، الدُّموع، تنهمر..، أدار عينيه، لا تهدأ..، أراد أن يُشبع عينيه، وقلبه، فبعد وقت ليس بالكثير، ستكون تحت التراب، فلن يراها، أو يسمع كلامها، أو يقرأ عينيها كلّ صباح...
أتعلم يا صديقي..، لقد مرَّ على وفاتها عام، ولكني أعيشها في كلّ يوم، كأنَّها للتَّو معي..، يا صديقي..، هل شعرت يومًا بأنَّك، ستفقد شيئًا، كان يُشعرك بكلّ الأشياء، وبفقده، لن تنظر إلى هذه الأشياء، كما كنت تنظر..، يا صديقي..، قد تكون ظلًا ذات يوم، وقد تكون ظلًا، هي..، فلم تعُد أنت ظلًا، ولم تعُد ظلًا، هي..، يقُول سالم إلى صديقه حسام.



error: المحتوي محمي