12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

السَّاعة الثَّامنة

تُوفي والده، وترك خلفه ثلاثة أبناء، كان علي الأكبر مُنذ صغره، يحمل المسؤولية تجاه تربية أخويه، يُساعد أمه المثكولة في توفير لقمة العيش، ومُتابعتهما في الدراسة، بعد الانتهاء من الدوام في المدرسة، يتناول الغداء مع أسرته، يرتاح قليلًا، ويقوم بمُذاكرة دُروسه، ثمَّ يذهب إلى العمل مع الحاج عبد الله في محله التجاري، لبيع الأواني المنزلية، يعُود ليلًا، يتناول العشاء، ويُرتب حقيبته، ثُمَّ يجلس مع أمه، يستأنس بحديثها، تحكي له عن والده قصصًا، أصبحت لا تُفارق ذاكرته، وخلجات قلبه، يُطبب جراحها، يُشعرها بالدّفء والحنان، ثمَّ يُقبل رأسها، ليخلد إلى النوم على فراش دعائها، ونبضات لمساتها الرقيقة.
مرّٓت الأيام بما تحمله من التّٓعب والقلق، بما ينتابها من الجُهد، والأمل..، تخرج علي من المرحلة الثانوية، وتم قُبوله في الجامعة، لم يكل أو يمل في الاهتمام بدراسته، يقضي يومه بالمُذاكرة، يتسم بالصفات الحميدة، ملامح وجهه هادئة، يُمطر كلّ من حوله باللّطف، بقدر ما تشعر بالسَّعادة عندما تُبصره بقدر ما يجعلك تُفكر عن ماهية وجودك في الحياة، ليكون قدوة حسن للآخرين، كان إنسانًا مُتفردًا، يشدُّك ناحيته دون أن تشعر، مُتعلقًا بالقراءة حدّ الذوبان، الدعاء في دقائق يومه، له الأهمية الكبيرة، يُمارسه، كاحتياج الأحياء إلى الماء، لا ينفك عن الوصال معه، ليتسم بالحياة.
السّنين، تمضي سريعًا، تخرج من الجامعة، لم تسعه الفرحة، أقامت له أسرته حفلًا بسيطًا، الأم احتضنته، احتضان الأمل، الذي صقلته الأيام الطوال، وغردته العصافير أنغامًا، الآن تُحدق باتجاه الغياب، لتناديه، كالحاضر، الذي يرتقب بُزوغ الحُلم، يعزفه الفراق.

حصل على وظيفة راقية، جعلته سعيدًا؛ لأنّٓه سيُوفر من خلالها لأسرته عيشًا رغيدًا، تحسَّن وضعهم المعيشي، أخواه تخرجا من المرحلة الثانوية، والتحقا بالجامعة، بقي هو مع أمه يُراعيها، إلا أنَّ الحياة لا تكتمل فُصولها، تعرض علي إلى وعكة صحية، تمَّ على إثرها دُخوله إلى المُستشفى، ليُكشَف أنَّه مصاب بداء السَّرطان.
استقبلت أسرته الخبر، كالصَّاعقة، الأم سقطت على الأرض، تعرضت إلى الإغماء، فقدت وعيها.
أن تكون مُتفائلًا، هذا يمنحك دافعًا قويًا، يزيد من إرادة الحياة في ذواتنا، برغم ما نُعاني منه..، ينصح الأطباء دائمًا المرضى بألوانهم المُختلفة بأنَّ الروح العالية، والتَّفاؤل، الأمل، النَّظرة الإيجابية، تُساعدهم على مُقاومة المرض، والتَّغلب عليه، إنَّها تجعله مُطمئنًا، صابرًا، الصبر الجميل..، يُحدث علي أمه، التي تجلس بجانبه، تحتضن بيدها اليُمنى يديه، وباليُسرى، تمسح جبينه، وعيناها تذرفان الدموع الحارقة.
ولدي علي..، آه..، لا تُفارقنا، لا أستطيح الحياة بلا علي..، تتقطع الكلمات في شفتيها، كأنَّها تقرأ قلبها المُوجع، وتفرشه على وجعه، ليبرأ..، أليس في قلب الأمهات الشّفاء؟!، أليس لدمعهنَّ ما ينثره الشَّوق، وترسمه النَّبضات حنانًا، ليبتسم علي، لتعود ضحكته، وأنسه، كلماته..، لا زال يتشح بالصَّمت، ويتأمل وجه أمه، ويربت على خدها لمسًا، يضع أصابعه على حُبيبات دموعها، ويقُوم بتحريكها، أراد أن يُسكب وجهها بالدموع، يُمرر أصابعه في كلّ وجهها..، أتراه يُلون لوحة، هي وجهه، كي لا يغيب عن وجهها، أكثر الأشياء، التي لا تمحوها الذاكرة، تأتي في اللحظات الأخيرة..، في لحظات الفقد.
للموت جاذبية، تجعلنا قبل دنوه، نُحدّق مليًا في أحبتنا، نكتب قصيدة الوداع من خلال نظراتنا في ملامحهم، نُصغي بكلّ حواسنا إلى كلماتهم، في حين أن شفاهنا لا تُبدي رغبتها في الحديث، النَّظر وحده ما يشبعنا لحظة الدنو، لحظة مُفارقة الأحبة.
مرَّ شهر من إصابته..، رجع إلى المنزل، سخَّرت أمه، كلّ سُبل الراحة له، واقفة على خدمته، تظلّ جالسة بجانبه، تُداريه، وتُعطيه الدواء في مواعيده، تنام في حجرته، أنين أوجاعه، وتأوهاته، تخترقها، تَحرق قلبها، لتفرش سجادة صلاتها، تغسلها بدموع الأم، التي تخشى فراق فلذة كبدها، نُور بصرها، تخطو في حُجرته ذهابًا وإيابًا، لا تلوي إلى حال، يُبلسم جرحها، وخوفها من الفقد، سوى رفع يديها بالدعاء.
في مساء الثُّلاثاء..، تحديدًا في السَّاعة الثَّامنة من بداية ظُلمة اللّيل..، المساء، الذي يسكن ذاكرتها، ولا تنساه الأم مدى حياتها، قامت بتجهير العشاء له، حملت خُطواتها إليه، وفجأة سقطت على الأرض، تصرخ بأعلى صوتها: علي..، علي يا ولدي.
حضرت على الفور جارتها أم سمير لها، وبناتها، إنَّها تُلقي جسدها عليه، فقد فارق الحياة، علي فارق الدنيا، تاركًا لأمه ألم الفراق، أبعدوها عنوة عنه، وقام أبو سمير بالاتصال على المُستشفى، الذي أحضر سيارة الإسعاف، وفور وصولها، كانت لحظات الوداع، كان علي، يحتضن صُورة والده في صدره، الآن، الأم تُشيع ابنها إلى مثواه الأخير بنظراتها، وهم يحملونه إلى سيارة الإسعاف، والبُكاء، لا يزال..، إنَّ الفقد موجع..



error: المحتوي محمي