في وقت تعج به الساحة الثقافية والفكرية والمعرفية بمختلف العناوين والموضوعات المتعلقة بشتى صنوف العلوم والفنون والجوانب الحياتية، نطرح سؤالًا مهمًا يتعلق بتصنيف تلك المعارف من جهتها القيمية والإثمارية، فالقراءة ليست مجرد تسلية لقضاء الوقت الممتع، بل هي وسيلة وطريقة آلية لتنمية المدارك العقلية وتوجيه العقل البشري نحو التعامل مع المواقف والأحداث والمفاهيم وبناء المستقبل المشرق وصناعة السعادة البشرية، وأمام هذا السيل الجارف من الأفكار الغثيثة والعبثية المضيعة للأوقات والكلمات المسمومة والملوثة، لابد من وجود معيار يميز بين هذا الكم الهائل من المعارف واختيار ما يكسب وجودنا تألقًا ورقيًا، ينعكس على مستوى تفكيرنا وحواراتنا وتنميط سلوكياتنا وتوجيه دفة حياتنا نحو الأداء المتميز والإنجازية وشق طريق الضياء المعرفي والمهاري في المستقبل، فالخواء والضعف التفكيري والنظرة الجدية والمسؤولية للأمور، يستتبع كل ذلك حالة من الضياع والاستنزاف الوقتي وتآكل الدور الوظيفي على مستوى الإطار الدراسي والمهني والأسري، إذ تبرز اليوم على مشهد حياتنا وعلاقاتنا الكثير من الأزمات والعقبات والظواهر غير المقبولة، والمشكلة لا تكمن في وجود الصعوبات في حياتنا فهو أمر طبيعي وسنة من السنن، ولكن مفترق الطرق هو كيفية التعامل مع التحديات والتوترات الطارئة، فالمنهج المعرفي يدعو إلى التعامل بواقعية وهدفية وجدية للبحث عن المعطيات والعوامل وصولًا إلى النتائج والخطة التطبيقية لذلك، فطريقة التفكير الإيجابية تعني ببساطة تسليط الأدوات المعرفية التي عملنا كثيرًا على تحصيلها وتنظيمها لتكون أداة فعالة في إدارة حياتنا بطريقة منطقية هادفة، وهذا ما يبرز أهمية التنميط لقراءاتنا لتنصب في إطار الأهمية والفاعلية والإنتاجية بعيدًا عن حالة الشتات والانتقاء غير المدروس.
ومن نماذج القراءات الهادفة هو الاطلاع على المعارف القرآنية الثرية بالمعلومات والتوجيهات والقيم الفكرية المتنوعة، فخلاصة تلك المعارف تمس جميع مفاصل حياتنا المعرفية والأخلاقية والنفسية والاجتماعية، بما يحدث تحولًا وجوديًا وتأصيليًا في شخصية الإنسان ومستوى وعيه وفهمه، فالنظرة القرآنية ليست بجامدة في الوجدان بل هي حركية بمستوى جامع لكل خطانا وسلوكياتنا وتعاملاتنا، فالآيات القرآنية تستهدف الوصول بالإنسان إلى حالة الرقي والتكامل في جميع أبعاد شخصيته، وينعكس ذلك على طريقة تفكيره ومستوى تصوراته وحواراته والانطلاق في ميادين الحياة متسلحًا بالأمل والتطلعات الألقية، ومهما كانت مستجدات الحياة وتعقيدات مشهدها اليوم فإنها ليست بالأقوى أمام ذلك الإنسان المكتسب للمعارف الهادفة والتي تحدث تحولًا ومسارًا إيجابيًا على مستوى ممارساته.
الكلمة تؤدي دورًا فاعلًا في إحداث حالة من الوعي والتوعية إذا كانت تملك قيمة وجودية وتمركزت في الإطار التطبيقي، إذ أن بعض الكلمات توزن بالذهب ولكنها تذهب أدراج الرياح نتيجة الازدواجية بين الأقوال والأفعال، فالكلمة الحقيقية موقف وبناء ينسج معالم الازدهار والتقدم الفردي والمجتمعي، وما يرثى له اليوم هو ما وصلت إليه ساحة التواصل الاجتماعي من مستوى ضحل ومتردٍّ بسبب كثرة الموضوعات المملة وغير الهادفة والمنفلتة، حتى بات البعض يقضي الأوقات الكثيرة متنقلًا بين تلك الساحات ولكن حصاده ضئيل لا يذكر والسبب هو طريقة الاختيار للمادة المقروءة، إذ القارئ الواعي لا يستهدف كل موضوع وفكرة تصل إليه ليقضي معها وقتًا معينًا دون مخرجات مفيدة، بل يملك وعيًا وفهمًا يجعله يميز في ذلك المشهد بين القراءة المضيعة للوقت وبين غيرها، نعم قد تكون القراءة نقطة معتمة عندما نتمسك بالحشائش ونترك تلك الأشجار المثمرة، نضع في أذهاننا قطع خرداوات ونرمي بتلك المعادن الثمينة، فكم من إنسان ضيع من بين يديه كنزًا لا يقدّر بثمن ألا وهو تلك اللآلئ المكنونة في الآيات القرآنية ومعارف السنّة النبوية وحكم وكلمات أهل البيت (ع)، فالقراءة بعنوانها العام ليست هي المكسب بل تلك القراءة الهادفة المنطوية على هدف أسمى وهو بناء النفس وتهذيبها وصناعتها وفق أسس القوة والاقتدار.



