ماذا يصنع الألم النفسي والهم بوجدانك وفكرك حتى أضحيت خيالًا لا يرى، ويفقدك طعم الحياة فلا تشعر بوجود شيء يستحق الاهتمام أو المتابعة، فكل شيء اتشح بلون السواد مما أفقد عينك بريقها ونفسك إعجابها بما حولها ؟!
هناك أمر مهم وهو أن عيننا في تلك اللحظات الحزينة لا ترى بشكل جيد إذ قد أحاط بها الضباب من كل اتجاه، ولو تجاوزنا تلك الشرنقة التي حبسنا أنفسنا بداخلها لرأينا ما حولنا بطريقة أخرى قد تغير وجهات نظرنا، فكما أن الموقف الصعب الذي مررنا به يمثل نقطة معتمة، ولكن هذا لا يعني أن حولنا لا يتمتع بشموع مضيئة تحتاج منا إلى سعي للوصول إليها، فالغايات لا تقع بقربنا بل هي المسافات والمتاعب التي نبذلها تقربنا إليها وتجعلها في متناول أيدينا، فليس هناك من أهداف في قبضة أيدينا كعصفور نداعبه على يدنا وتارة أخرى على رأسنا، فالحياة مسارات ومضامير يستعد لها الأريب بكل قواه ليظفر بمطلوبه، وما يكتنف المسير من متاعب وعراقيل وصعوبات بالتأكيد تزيدنا مسؤولية وإصرارًا للبلوغ إلى المبتغى، أما الاستغراق في الأحزان والهموم فيعني السقوط اللا متناهي في الضعف النفسي وفقدان الثقة بالقدرات والوقوع في براثن اليأس والتحطم.
الاستغراق في الأحزان والهموم حتى الوصول إلى حالة الاستيلاء والحبس بين قضبانها لا يندفع فجأة، بل هو وليد مواقف متتالية من الخيبة والسقوط الذي غابت عنه إرادة التصحيح والنهوض مجددًا، فهذا التحول من حالة الحيوية والنشاط والاندفاع في ساحة التخطيط والعمل، إلى حالة الخمول والكسل والنظرة التشاؤمية للقادم من الأيام هو نتيجة فقدان الثقة بالنفس وغياب الرؤية التصحيحية، فغدا ينظر لنفسه كإنسان عاجز ومحطم بعيد عن الإمساك بخيط الأمل، ومن آثار تلك النظرة السوداوية أن تعتم على بصيرتنا وبصرنا من رؤية ما حولنا من أمور حسنة يمكنها أن تسعفنا في طريق الصعوبات، فهدوء النفس وتحصيل السعادة مبتدأها نظرة التفاؤل والأمل بغد مشرق يختفي عنه ظلام وآلام الأمس، فبدون تلك الإشراقة لا يمكننا مواجهة طبيعة الحياة المكتنفة لجميع أنواع البلاء والمصاعب، فتلك الهموم تتحول إلى ضغوط نفسية تتكسر منها أضلاعنا فلا نكاد أن نتنفس، ولا يبدد تلك الغيوم ويقشعها من سماء آمالنا وتطلعاتنا إلا المراجعات الذاتية لخطواتنا وإجراء محاسبة دقيقة نخرج بعدها بمجموعة من الملاحظات والاستنتاجات، يبدأ من بعدها في وضع جدولة لأهدافه القصيرة التي يتنقل من خلالها من مرحلة إلى أخرى، فمواجهة التحديات ومحاولة حلحلة الأمور ودحرجتها نحو الانفراج يمثل السعادة الحقيقية بتحقيق وجوده واختبار قدراته، فالبحث عن حلول بالجملة دفعة واحدة ليس بمخرج ولا رأي سديد بل هي انفراجة تدريجية تنتج من نشاطه ومثابرته وصولًا إلى النتيجة المتوخاة، وكلما تقدمنا خطوة في طريق الحل والبحث عن مخارج فهذا يعني تحقيق إنجاز وتقدم نحو الخطوات الأخيرة.
الليل المظلم والمعتم بالأحزان والمليء بالجفون المقرحة والدموع الساكبة إنما هو عنوان مجتزأ من فصول حياة طويلة لا ينبغي الوقوف عندها وحدها، فمن منا لا يصيبه الهم وتمر عليه عقارب الساعة ثقيلة الخطى ولكن هذا لا يعني الاستسلام والتقهقر، فالعنوان الأسمى في إنسانيتنا الجميلة هو القوة والصبر والتطلع بعين الأمل لغد أفضل، ومجرد مواجهة مشكلة أو عثرة لا يعني نهاية العالم وانغلاق صحف الحلول، وبالتالي فليس أمامنا سوى اللجوء إلى مخدع الآلام والهموم والانكفاء على النفس، فالصعوبات في حقيقتها محطات اختبار لقدراتنا وإصرارنا على تخطي تلك العقبات والاستمرارية في ميدان التفكير الواعي والعمل الدؤوب، ومجرد ارتكاب أخطاء أو صدور التقصير والإهمال في فترة ما لا يعني مواصلة هذا الهدر، بل هناك وقفات مع النفس وتفحص الأداء وتقويم سلوكياتنا وتصرفاتنا وتعديل ما اعوج منها، فقوة الشخصية شجاعة في الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية وبذل الجهد لتغيير الواقع نحو دفة الإيجابية، ولعلنا نجد في من حولنا ممن يحملون شموع الأمل ما يضيء نفوسنا ويساعدنا على مغادرة الدهاليز والليالي المعتمة.



