12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

عبد الله مهدي.. أحد رواد الفن في المملكة يرحل عنا

ما إن نلتقط الأنفاس ونكفكف الدمع لفقد عزيز إلا ويخطف الموت عزيزاً آخر، وكأن هادم اللذات يتربص بالأحباب المقربين إلى قلبك، المحببين إلى نفسك، خطف أرواح دون اخطار ولا إشعار، نصبح على نبأ رحيل أحدهم ونمسي على رحيل آخر، ليتضاعف الحزن على الحزن، يحاصرنا الأسى ويسيجنا الخوف ليدنينا من رعب النهايات، تضيق الرؤية والغشاوة سواد، نبصر الدرب بتعثر وسط مشاغل الدنيا التي لا تنتهي، نقسر الأقدام خطواً لعلنا ننسى الأحزان، نقوى بعض الشيء تجملاً، ولكن فجأة ترتبك كل الخطوات على وقع كلمات الفناء، نسمعها فيتزلزل الكيان.
بالأمس وعند الرابعة عصراً رن جرس جوالي والمتصل الأخ عباس المختار، رددت عليه معتقداً في ظني بأنه سوف يسألني عن أمر فني كما العادة، وبعد التحية والسلام، قال لي هل أبلغك عبد الغفور النصر برسالة ما، قلت له لم أفتح الواتس منذ ساعتين تقريباً وربما أكثر، فهم من ردي بأنني لا أعلم شيئاً يريد أن يخبرني به، قال ما سمعت شيئاً عن أبي أشرف قلت لا، مستفسراً منه هل هو مريض تريد أن نزوره، لكن لم يخبرني بأن به أي عارض، فقبل ليلة البارحة كان يرسل لي رسائله المعتادة، بعد صمت لثواٍن قال لي بصوت خافت: يا عزيزي أبو أشرف أعطاك عمره، نعم! ماذا تقول يا أبا فاضل؟ أعد الجملة، أبو أشرف في ذمة الله، معقولة، يا إلهي ما هذا الخبر المفجع، منذ متى؟ إعلان الوفاة منشور في أخبار المجتمع- سيهات، أرسله أبو هادي أكيد بعثه لك.
ربكة كلام والسماع طنين، أغلقت الجوال متصلاً في الحال بعبد الغفور النصر بعد أن اطلعت على رسالته على عجل، وأجاب: "العزيز أبو أشرف الله استخاره إلى جواره ظهر هذا اليوم"، يا الله، ربي رحماك، تبدلت مشاعري رأساً على عقب تائهاً لوقع وهول المفاجأة لا أعرف إن استرسل في الكلام، مرتعد الفرائص، خبر صادم، غصة في الحلق.
دنوت من مقبرة سيهات وصوت تلاوة القرآن منبعث من الميكرفون يجلل المكان وحشود عند المغتسل، احتضان مع عبد الغفور ومكبر الصوت يتلو الآية الكريمة "يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور"، بعد صلاة المغرب بنصف ساعة شيعته الجموع وسط تهليل وتكبير، قرأنا على روحه الفاتحة عند مثواه الأخير.
رجعت للبيت أسوق سيارتي وحيداً إلا من حزني أنفث الآهات وأردد شجناً عراقياً "والعمر شمعة انطفت".
قبل يومين ودعنا المعلم عبد الله خميس مساء السبت ويوم الثلاثاء ودعنا المعلم عبد الله مهدي، معلمان فاضلان أضاءا عقول الطلاب علما ونوراً، تركا آثاراً طيبة لا تمحى عند المجتمع المدرسي وفي حياة الأصحاب والمجتمع، جعل الله قبرهما ضياءً ونوراً.
وببالغ الحزن والاسى وشهقة الأنفاس، أسلط الضوء على بعض من سيرة الأخ العزيز الفنان عبد الله مهدي في السطور الطويلة والمتداخلة لعلي أقرب الصورة للقراء الأعزاء.
تعرفت على شخصية عبد الله المهدي أول مرة في الغرفة التجارية بالدمام سنة 1976، والمناسبة معرض مسابقة الفنون التشكيلية السنوية التي تقيمها رعاية الشباب، والتي تضم نتاج فناني الأندية الرياضية لكل مدن وبلدات وقرى المنطقة الشرقية، وبينما كنت أتجول في المعرض مندهشاً بالأعمال الفنية، قدمني أستاذي عبد الله علي آل حسين الذي عرفني بالمعارض وأخذ بيدي بمصافحة عبد الله مهدي، رحب بي وبحرارة قال لي: "لوحتك - تأثيرات حمراء - جميلة، استمر سوف يكون لك مستقبل مشرق"، فرحت بثنائه ومدحه لعملي البسيط، كلام من فنان متميز له أبلغ الأثر في النفس، عرفت في الحال أن الاثنين كانا زملاء دراسة في معهد التربية الفنية للمعلمين بالرياض سنة ١٩٧٣، ويعتبر المهدي خريج الدفعة الثالثة للمعهد في عصره الذهبي حيث تتلمذ على يد الفنان العراقي سلمان الدليمي.
ومنذ تلك اللحظة التي أتت وسط جنبات المعرض أصبحنا إخوة، نتقابل باستمرار، نتزاور، نتناقش في أمور الفن والحياة، نسافر لمعرض هنا وهناك، حتى شكلنا جروب مصغراً من خمسة أشخاص منذ أكثر من عشر سنوات يتكون من "عبد الله علي حسين وعبد الله المهدي وعبد الغفور النصر وعباس المختار وكاتب السطور"، نذهب لفعاليات عديدة خصوصاً إلى مملكة البحرين، وقد أشرت في مقالة سابقة إلى تجمعنا ضمن سرد ثلاثية "زمن الطيبين" وفحواها عن فوائد ثمار البمبر، متطرقاً لإحدى رحلاتنا الفنية الجميلة.
كل الصفات الجميلة تتمثل في شخصية عبد الله مهدي الإنسان والفنان والمنعكسة في توأم روحه الملازم لظله، اثنان من فناني المنطقة شكلا صحبة طويلة هما الأستاذ الفنان المبدع علي هويدي والأستاذ الفنان المتميز عبد الله المهدي، صحبة استثنائية إيقاعها ممتد من بواكير الصبا إلى فترة الكهولة، حبهما للفن وقربهما مع بعض جعلهما يسهران في فترة الشباب طوال الليل إلى وقت تباشير شمس الصباح يرسمان، يتجليان مع الفن والإنجاز، فكانا من الأسماء اللامعة منذ انطلاق معارض رعاية الشباب في منتصف السبعينات من القرن الماضي، وكل الصحب يعرف ملازمة بعضهما البعض، ما إن تقابل واحداً منهما لا بد أن تقول ما هي أخبار صاحبك لشدة العلاقة المتينة بينهما، علاقة أخوية، فنية، أسرية، ورفقة متميزة في الغدو والرواح.
دائماً يطيب لهما زيارات معظم مراسم فناني المنطقة والتحدث معهم عن قرب بين فترة وأخرى، وإذا أتيا إلى منزلي كأن هلال العيد معهما حل، كم أسر حين يزوراني مساءات الخميس، يتحدثان عن ماضي سيهات الأمس وحراك الفن وبدايات المعارض وأسماء الفنانين وبراعة هذا الفنان وقدرة تلك اليد، وتأخذنا الأحاديث بعيداً في تاريخنا التليد، عن حياة الآباء والأجداد ونساء أول، وعن تبدل أحوال الزمان والمكان جغرافياً وتاريخياً، حين يستأذنان مني عند الثانية فجراً دون إدراك للوقت، أقول لهما "حين احلوت الجلسة تذهبان!"، يردد بمحبة بالغة: "سنعاود الجيات إذا في العمر بقية".
عبد الله المهدي فنان تشكيلي حاز على إعجاب المسؤولين في رعاية الشباب، الأمر الذي تم على أثره اختياره ضمن بعثة خارجياً لدراسة الفن في أمريكا مصحوباً بشهادة تميز من معهد التربية الفنية للمعلمين، وهي التي خولته ودعمته أكثر.
ولكن وبكل أسف بعد مرور سنتين على الدراسة مر بظرف خاص وقاهر حال بينه وبين تكملة الدراسة، فرجع مجدداً لمهنة التدريس، ثم تقاعد قبل عشر سنوات بعد أن بلغ السن النظامية، أخذ يجري ويمارس رياضة المشي يومياً متفائلاً بالحياة برغم خضوعه لعملية القلب المفتوح في بلاد العم سام، أتى بعد نجاح العملية وراح يتواصل مع الأصدقاء لكنه ودع الريشة منذ سنوات وأصبح في حالة جفاء مع اللوحة! الأمر الذي أبعده عن التقاط اسمه ضمن احتفالية رواد الفن التشكيلي في المملكة التي عقدت قبل 3 سنوات في الرياض، وكان يستحقها مع زميله علي هويدي، فهما بالفعل وعن جدارة يستحقان التكريم لكنهما غيبا ربما نسيا، وأيضاً المرحوم ميرزا الصالح المجايل لهما تجربة وعمر، وكذا الفنان عبد الله علي آل حسين.
الغريب في الأمر أن التكريم أتى لأناس أصبحوا في عداد المتوقفين عن الفن ومنذ زمن، فقط استحضروا من الذاكرة بينما غيب آخرون يشابهونهم تماماً وربما أقل بكثير من إنجاز من ذكرت أسماؤهم أعلاه، ومشهد التكريم في بعض اختياراته يذكرني بالمثل الشعبي: "البعيد عن العين بعيد عن القلب"!!
لكن كثيراً يستحق الاحتفاء وجزء قليل استطاع أن يلمع صورته بنفض الغبار عنها، فوقع عليه الاختيار وهو حق مشروع، ومن لم يكترث بسيرته ضاع في دروب النسيان.
لكننا لن ننسى الفنان التشكيلي عبد الله المهدي الفنان المبدع، فقد أفردت صحيفة "اليوم" عبر ملحقها الثقافي الأسبوعي "المربد – ٢٧٨٥" بتاريخ يوم الاثنين ١٠ ربيع الثاني ١٤٠٠ الموافق ٢٨ يناير ١٩٨٠ م، ثلاثة أرباع الصفحة عن فنه بقلم الفنان والصحفي أحمد المغلوث، مشرف صفحة فنون تشكيلية.
وجاء في المقدمة: "هذا الأسبوع يطل علينا وجه من واحة القطيف، هو معروف بين أقرانه وزملائه الفنانين كفنان صاحب اتجاه فني مميز، إضافة إلى ثقافته وحيويته ومثابرته المستمرة في تقديم الجديد من الأعمال التشكيلية المبدعة، وكيف لا والفنان عبد الله مهدي من الفنانين القلة الذين يدركون أبعاد الفن التشكيلي وما يثيره من متعة ما بعدها متعة لدى الذين لديهم هذا الميل وذاك الشغف وهذا الهاجس الداخلي الذي يمور باستمرار ويتدفق عطاءً ووجوداً".
والمتعة بالنسبة لفناننا عبد الله مهدي هي أن يحيل اللوحة البيضاء إلى وجود ذي مغزى وشكل مثير يعطي دلالاته الفنية التي بها يخاطب العالم وتجسد انفعاله وموقفه منه..." - انتهى الاقتباس.
وقد قدم فناننا الراحل أكثر من اتجاه فني من الواقعية إلى التأثيرية إلى التجريدية وأغلب أعماله مستلهمة من البيئة المحلية.
وعنه يقول زميله الأستاذ الفنان عبد الله على حسين الذي رافقه على مقاعد الدراسة، وكذا في دروب التدريس الطويلة بعد أن سمع بخبر رحيل صديقه ليلة البارحة: "أقدم العزاء لنفسي ولإخواني ولزملائي ولمعلمي التربية الفنية وللإخوة الأعزاء الذين عرفوا هذا الشخص، طيب الأخلاق، صاحب القيم العالية، لم يكن عبد الله مهدي فناناً تشكيلياً فحسب، إنما هو الفنان بما تعنيه كلمة فنان، فنان تشكيلي ليس مجرد رسام بالفرشاة واللون الزيتي، كان فناناً في مختلف أنواع الفنون، في النسيج، الخزف، خامات البيئة، النحت، وله تجارب عديدة وقدم ورش عمل لمعلمي التربية الفنية على مستوى المنطقة وخارجها.
عندما كنا ندرس في الرياض، كان عبد الله مهدي متفوقاً، خصوصاً في مادة الخزف، حتى معلمو المعهد كانوا يعتمدون عليه اعتماداً كلياً في تشكيل الصلصال والحرق والتگليز، وكان أيضاً بارعاً في طباعة المنسوجات، سواء طباعة الباتيك، أو طباعة اللاينو (الجرافيك)، وأيضاً تشكيل المعادن، عنده مهارة
قوية جداً ودقة منمنمات تشكيلية، يفتقدها أي فنان آخر.
مرة أخرى أعزي نفسي وأعزي زملائي وهذه سنة الحياة، ولكن افتقادنا لمثل هؤلاء الأشخاص خسارة فادحة للساحة الفنية على مستوى المملكة.
رحم الله الفقيد وأسكنه الله الفسيح من جناته وحشره الله مع محمد وآل محمد الأطهار، الفاتحة لروحه ولأرواح أسلافه ولجميع المؤمنين والمؤمنات.
أشهد أن الفنان عبد الله المهدي يده ماهرة في كل مجالات التشكيل وله ذائقة فنية عالية وذاكرة دقيقة في وصف المعارض القديمة ويسرد أسماء أجيال الرواد، وأيضاً يمتاز بتحليل للعمل الفني بأسلوب شيق.
سلام على روحك الطيبة يا عبد الله مهدي، سلام على كل لحظة جميلة نثرتها في وجوه الجميع، فقد كنت جميلاً لم تعرف للزعل محلاً ولا للجدال إقناعاً، عفيف اللسان عن كل ما يشين، مسالماً، كافاً عافاً، لحديثك جاذبية وطلاوة، حضورك خفيف الظل، وجهك طلق المحيا، نفسك كريمة سمحة مع الصغير والكبير، تسأل عن الصحب أينما كانوا، مبادراً بالسلام ومتواصلاً مع الجميع بروح حانية، رحيلك لا يعوض وكأن جزءاً من أعمارنا رحل، جزء من ذاكرتنا فقد، لأنك أحد الأشخاص الذين ملأوا حياتنا صفاءً ومودة آسرة ومحبة رائعة، كنت يا عزيزنا متهيئاً لسبغ وضوء صلاة الظهر، وما إن انتهيت حتى فاضت روحك وصعدت لبارئها، هنيئاً لك بهذه النهاية وأنت طاهر البدن بنية القلب متجهاً لربك الأعلى.
سلام على روحك المسالمة.





error: المحتوي محمي