12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

كيف نمحو الأمية؟

هل الأمية محصورة فعلاً في جهل القراءة والكتابة؛ ليحمل الإنسان بعدها شهادة المعرفة؟
لا أحد ينكر مطلقاً أهمية القراءة والكتابة ودورهما في حياة الإنسان، وأنهما الأساس للانطلاق نحو آفاق المعارف المختلفة تعلماً وفهماً وإدراكاً، وكلما اتسع أفق المرء سواء بالقراءة أو السمع أو المشاهدة كلما اتسعت آفاق المعرفةً والتحصيل والنبوغ لديه.
إلا أن ذلك ليس كافياً لكي يخرج هذا المتعلم من عباءة الجهل والأمية، فعليه أولاً أن يطبق على نفسه بعض ما أتقن، وثانيًا أن يتعامل مع غيره وفقاً للنواميس والأعراف والقوانين المنزلة والمقررة والمسلم بها، والتي تعلمها واستفاد منها خلال مسيرته الحياتية قولاً وفعلاً.
هذا يعني أن الأمية تأخذنا إلى مضامين ومعانٍ أخرى نوجز بعضها:
فإذا ظن المرء بنفسه ابتداءً بعد أن قرأ وكتب وتحصل على بعض العلم أنه قد أحاط بكل شيء خبرًا، فإنما هو يوغل في الأمية أكثر من حيث لا يدري.
وكذلك البخل بالعلم بعد الفهم والإجادة دون إفادة الآخر، فلا معنى لأن يحيط المرء بمعرفة في منحى معين دون أن ينفع بذلك أهله ووطنه وهذه أمية بلا شك.
وإننا حين لا نطبق على أنفسنا ما تعلمنا وفهمنا وأيقنّا من أخلاقيات وسلوك وكأننا لا نفعل مداركنا لنسبغ عليها الأفضل مما فقهنا في الحياة.
ومن الأمية أن نخوض في كل شيء ونفتي في كل أمر وكأننا لو حصلنا على شهادة في الطب أو إجازة في الدين مثلاً فإن ذلك يجيز لنا أن يكون الواحد منا هو الفقيه والطبيب والمهندس والصيدلاني والكهرومائي، ونُصِرّ على أنه الصواب وربما يكون هو الخطأ بعينه وهو ضرب آخر من ضروب الأمية.
ومن الأمية ألا نظن بالآخر الخير كما نظنه بأنفسنا وأن نحقره ونهمشه ونزدريه إن كنا نظن أننا أفضل منه علماً أو مكانة أو غنىً أو وجاهة، فما بالك لو كان هو الأفضل والشهود على ذلك غالبية الناس.
كما أن من الأمية أن نستخف بمن سبقونا علماً ومعرفةً وخبرة ولايزالون يجتهدون ويتجددون ويبدعون ويتمرسون كلما تقدم بهم العمر، ونحن نظن أننا الجيل الفاضل والقادم لإزاحة كل شيء وكأن الماضي القريب أو البعيد أصبح بضاعة فاسدة والحال أنه الأساس والرأي السديد والمشورة الصائبة والقاعدة الصلبة التي يرتفع عليها البناء ويتجدد العطاء ومن يظن غير ذلك فهو جاهل وبعيد عن الواقعية ولا يرى إلا إلى حدود أرنبة أنفه.
ومن الأمية ألا نتطور ولا نتبدل ولا نؤمن بالتغيير والتطور وهنا نفتقد التجديد فتسبقنا الحداثة بكل ما تحمل من تكنولوجيا ونظم ونظريات نحن بحاجتها لنساير العصر لا أن نكون قابعين في مكان قد نفر منه الجميع وبقينا فيه مقيدين وهذا لعمري لهو التخلف والأمية!
والأمية ليست هي بالضرورة عدم القراءة والكتابة وهذا ما ألمحنا إليه في البداية بعدم دقة المعنى، فكم من قارئ وكاتب لا يجيد كل منهما سوى العلم بهما وأما في التطبيق فلربما يكون صفراً على الشمال إلا من مفاتيح الرزق والمنافع الآنية، عكس ذلك الذي لم تسعفه ظروف الحياة للتعلم ولكننا نجده مكافحاً جاداً، ومجاهداً صبوراً يحفر في الصخر لكي يكون إنساناً كما يريده ربه تعالى، فيكد ويتعب ويخرج من تحت يديه شبابًا وشابات قد دفعهم لأن يحصلوا ما يظن أنه خسره وفي الحقيقة أنه ربح من على الجبهتين، كذلك الذي يملك تحت يديه كنزاً من المعارف والخبرات المتراكمة التي نراها واضحة في تجاعيد وجهه ورعشات أطرافه وبساطة لسانه، ويكفينا أن نجلس بين يديه لنغرف مما يسهب ونوثق ذلك كتابة فقط لا غير وهي حدود معرفتنا.
ونقول أولاً وأخيراً: إن الأمية العمياء هي جهلنا بالدين لا سمح الله عبادات ومعاملات، بما فرضه سبحانه وتعالى والذي خقلنا من أجل عبادته بالطريقة والشريعة التي أرادها، وليس كما وكيفما نهوى ونقرر دون تدبير وتدبر، والعمل وفق ما شرعه تعالى وسنَّه نبيًُّنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
ما ذكرنا والكثير مما لم نذكر نحتاج أن نراجع فيه أنفسنا حتى نمحو الأمية بحق وحقيقة وليس من خلال الورقة والقلم.



error: المحتوي محمي