تنتشي مدينة نابولي فرحاً بمقدم الفتى الذهبي، فتبدي زينتها للقادم الأسطوري، تحييه برفرفات أعلام وهتافات جماهيرية، لافتات متدلية من النوافذ وشرفات المنازل، بعضها منسدل من أعلى السطوح وأخرى معلقات بين الجدران وتقاطعات الطرق، أقمشة زاهية تفيض محبة وحميمة شعب، ترفل بشعار وألوان نادي نابولي السماوي، مدونة بعبارات ترحيبية وصور للفتى بهندامه الرياضي، "الآن أصبح الأسطورة بيننا" و"مارادونا نحبك، فنحن سعداء لأنك بيننا"، و"FORZA MARADONA - هيا مارادونا".
يا فتى إنه شعب شغوف لمجيك، متلهف لرؤياك، متطلع لفنك، ينتظرك بكل الشوق، لتحقق آمال النابلويين المضطهدين من ظلم الشمال القاسي ونظراته المتعالية والمتعجرفة ضد ناديهم المشبع بالهزائم والمتذيل قائمة "دوري الكالشيو" القريب جداً من حالات الهبوط للثانية، يكافح من أجل البقاء في الدرجة الأولى مع نهاية كل موسم رياضي.
كم يمنون النفس بأن تخرجهم من إحباطهم المستمر، مشجعون متيمون ربطوا أنفسهم بالسلاسل على سياج ملعبهم (سان باولو)، يرجونك لتأتي إليهم لتنقذهم من حالات التيه والإذلال.
صور ناطقة أبلغك بها المدير الرياضي لنابولي "أنطونيو جوليانو"
وبحالة حبهم الجنوني لك، وأن شعبه سيموت من أجلك، وذلك أثناء جولة المفاوضات معك، وكاد "جوسيب نونيز" رئيس برشلونة المتحامل ضدك أن يعرقل الصفقة في اللحظات الأخيرة، خصوصاً حين علم باستماتة النابلوليين نحوك، طالباً زيادة مبلغ إضافي قدره 500 ألف جنيه استرليني! ليكون المبلغ الإجمالي 6,9 مليون جنيه.
كيف لنادي نابولي أن يدبر الزيادة وخزينته باتت شبه خاوية، من أين المال؟
الإصرار وروح التحدي شكلا تضامناً غير مسبوق في الأندية الإيطالية لفعل شعب جنوبي ضرب مثلاً يحتذى به من أجل أن تكون بينهم، إكراماً لمدينتهم العريقة واعتزازاً بناديهم، فقد جمعوا التبرعات من خلال توزيع مجموعات في الشوارع والأحياء، وأبرزها في الحي الإسباني المزدحم بالسكان، وثمة حوالات أتت من المقتدرين والميسورين وعلية القوم، وسيولات نقدية من أصحاب الدخل المحدود، وحتى التعساء والفقراء مدوا يد العون والمساعدة بما تيسر، مساهمات عديدة من كل أنحاء المدينة وما جاورها من البلدات، آلاف الليرات الإيطالية جمعت بتسارع يومي وأضيفت مع أموال المتبرع الأكبر رئيس النادي "كورادو فيرلاينو" فخر نابولي والمؤثر في المشهد، وأيضاً المؤسسات وشركات المدينة لم تتخلف عن ركب التبرعات.
أجواء تضامنية تفيض بالعنفوان وجموح العواطف، أمطرتك بوابل محبة، فاستجاب قلبك طوعاً، لم تغرنك تلك الأندية التي دخلت على الخط في اللحظات الأخيرة فأصبحت مزايداتها خاسرة، هي أندية الشمال المتخمة بالمال والإعلام والبهرجة والغرور، استجبت للمحبين لك ولهفة الموعزين وأنين البؤساء ومناداة الفقراء من أبناء نابولي الذي ذكروك بطفولتك ونشأتك المعدمة في "فيلافيوريتو"، إحدى ضواحي "بوينس آيرس"، ذلك المكان المكتظ بالسكان، الفائض بالأوساخ والمجاري والأكواخ، المعششة بالفقر الذي نهش جلدك، كنت تنسى حالة البؤس حين تلعب بالكرة لساعات مع أقرانك وتنصرف عند حلول الظلام، ذلك الحي البائس الذي شهد بدايات تفجر موهبتك، وباركت تربته ردحك الأول، صبية صاحوا "دييجو.. دييجو" على أثر مراوغتك الراقصة التي توقف العابرين، وركلاتك المدوية صوب مرمى من دون شبك ولا قوائم، تعلن أهدافاً مع تطاير الغبار، فترتطم الكرة بجدران بيوت الصفيح محدثة فزع أهالي الدار.
ها هو شعب نابولي يفز لك كطفل ينتظر هدايا عيد الميلاد، ناسياً همومه وحالاته المعيشية المتردية، وبأعلى صوته يناديك يحييك، وباسم مدينته الغنية بجمال المكان وعمق التاريخ الضارب في القدم.
نابولي تفتح خزائنها الحضارية وتستقبلك بصلابة أرض شهدت صراعات وتألق أمم وأفول ممالك، مع مجيئك أبصرتها دهشة من نور، ورؤية من عجب، ففي كل ناحية قصة وكل جدار أثري وراءه حكاية.
مدينة مفتوحة على اللازورد في عناق أبدي، تستأنس لنوارس البحر طيلة الوقت، صوت الموج الذي لا يهدأ يداعب منازلها وجدران حديقتها المعلقة التي تشبه حدائق بابل الأسطورية.
مدينة جلبت سفن الغزاة فاقتحموا قلاعها وهدموا الأسوار، طمع في أراضيها كل عابر ومحتال، نهبت واستبيحت على مدى قرون، تقاطر الدم على السواحل وسال على سفوح الجبال، وبين تخومها ذات ليل سنة 79 م، غضبت الطبيعة بانفجار بركان من جبل "فيزوف" وخلف مأساة إنسانية، فطمر إحدى بلدات نابولي المسماة " بومبي" بكاملها، غابت عن العيون لمدة قرون، وأميط عنها الركام صدفة قبل 150 عاماً، فكشف عن مدينة مليئة بالعجائب والأسرار - كاتب السطور زار بومبي ووثقها صوتاً وصورة قبل أربع سنوات - هي محج سواح العالم، وقيل عنها ما قيل، والعنوان الأبرز بأنها مكان للفحشاء والرذيلة، فأتاها الغضب الإلهي فجعلها غثاءً أحوى، وهناك من يبرئها ويراها بأنها حضارة سادة ثم بادت، لا شك هي إحدى عجائب العالم القديم مثلت نهضة أمة في الفكر والعلم والفن والسياسة.
مساحة نابولي وبلداتها متناثرة بامتداد أراضيها الخضراء، طمع فيها الطامعون وسرقها الغزاة والأفاقون، وتوالى على ممالكها سلالات من حكام وأمراء ودوقيات وأساقفة قبل وبعد الميلاد، ومر بها العرب وجابوا طرقاتها بالخيل والعتاد، لنجدة أحد ملوكها، حروب لم تهدأ إلا بعد أن توحدت أراضي الأمة الإيطالية قبل قرن ونصف القرن من الزمان (1871).
الداخل لنابولي يرى التاريخ يتكلم دون ترجمة أو شرح، هي متحف مفتوح تخلب الحواس، صنفها اليونسكو في قائمة التراث العالمي، كنوز تخاطب البصر والبصيرة لمعالم تعود لقرون خلت ولم تزل شامخة إلى اليوم، آثار وكنائس وأديرة وقصور وتشكيلات معمارية من الفن القوطي والرومانسي والباروك، وأيضاً من وحي السلطنة العثمانية والعرب، تأثيرات حاضرة تنطق سيرة كل من مروا بها غزوا أو استيلاءً أو حصاراً.
شواهد شامخة تدل على عظمة نابولي ومكانتها بين أمم التاريخ، حيث تعود نشأتها منذ العصر الحجري، والإغريق أسسوها تمدناً منذ القرن الثامن قبل الميلاد، وكذا الرومان الذين أحدثوا فيها نقلة نوعية كبيرة، اقتحمها النورمانديون القادمون من شمال أوروبا الزاحفون بجيوشهم الجرارة لتوسيع ممالكهم، فبنوا فيها القلاع والحصون، ومن قبلهم مجدها الإسكندر (سيد العالم)، وعند وصول الأسطورة سيجعلها سيدة اللعبة في إيطاليا لردح من الزمن، بل سيحولها لأيقونة تاريخية رياضية على مستوى العالم، نابولي النادي والمدينة ستفتحان أمجاداً للفتى الذهبي لسنين سبع قادمة، هي من أبهر وأمتع سنين أسطورة كرة القدم.



