منذ بدأ أبي تعليمي الصلاة كان أكثر دعاءٍ سمعته يكرره : ((يا ولي العافية أسالك العافية ودوام العافية وتمام العافية والشكر على العافية عافية الدين والدنيا والآخرة بحق محمدٍ وعترته الطاهرة)). كنت أردد الدعاء خلف أبي دون إدراك له شأني شأن أي طفلةٍ بدأت لتوها في حفظ مفردات الصلاة، حتى كبرت ولاصق ذلك الدعاء لساني! ولربما استبدلته -نادراً - في صلاتي بأي دعاء آخر، إلا أنني كنت أركن إليه دون سبب محدد وكنت أظنني أدركت معانيه .. ربما رأيته الصورة المؤمنة للمقولة المأثورة "الصحة تاج على رؤوس الأصحاء".. أقول "ربما" لأنني لم أدرك السبب الحقيقي لتعلقي به حتى اللحظة. ولكثرة ترديدي له التزمت به كالمسيرة لا المخيرة في جميع دورات الصلاة التي أقمتها خلال أكثر من عشرة أعوام، فخرج كل طلابي وهم يرددونه كما كنت أردده. يا الله !! مضى من العمر أكثر من ربع قرن وأنا أردد تعويذة أبي دون الشعور بحلاوتها.. وكأنني أعلقها تمائم حفظٍ دون الإحساس الكامل بمعانيها، حتى شاء الله لي أن أرى تلك التعويذة حاضرةً أمامي، متجسدةً كشخصٍ بهي الطلعة ينظرني ويبتسم. رأيت الفهم الكامل لمعاني ذلك الدعاء بعد أن صليت الظهر يوم أمس في غرفة الانتظار بالمستشفى، والمرضى يحيطون بي وبكل من أرادت الصلاة كحلقةٍ تبحث عن بعض الضوء الإلهي.. كانت أغلب المريضات نائمات.. لا .. بل كل المريضات عدا واحدة، نائمات وهن ينتظرن أدوارهن برتابةٍ مميتة إلا أنني أخالها مملؤة أملاً في قلوبهن، وكيف لا، وهن يستيقظن دون نداءٍ مسبق على أرقام انتظارهن المكتوبة في الشاشة الإلكترونية، وكأن هناك ملاكاً تكفل بأن يهمس في أذن كل واحدة منهن : "استيقظي، بدأ رقم انتظارك يظهر على الشاشة". وسط صلاتي رفعت يدي وبدأت أتمتم :"ياولي العافية .. وتوقفت.. نعم ياولي العافية وياخالقها ومالكها وموجدها من العدم كللني بها وكل من أحب.. اختنقت وحبست دموعي وأكملت صلاتي، وصوت أبي في أذني. عدت لمقعدي وأنا أنظر للغرفة بكل مافيها، تأملت الأجساد التي أنهكها مرضٌ اختار لنفسه أن يكون خبيثاً متنامياً في خبثه كيهودي محتل.. الحقائب المهملة، صوت الأنفاس التي تعلو دون أن ترسم لخروجها قواعد الإتيكيت أمام الغرباء.. الوجوه المصفرة.. كل ذلك يجعل الجميع هنا سواسية، كلهن في غرفة انتظار النساء يبحثن عن بصيص أمل دون حرصٍ على مايملكن من متاعٍ في حقائبهن، فما جئن له أثمن من كل ما امتلكن طوال حياتهن التي لم تتجاوز سور الشباب. ثمة وميض أحمر يتراقص في الشاشة.. صوت خفي يهمس لي: انتبهي ظهر رقمها، التفت لأيقظها من غفوتها إلا أنها استفاقت قبل التفاتتي، ابتسمت وتوجهت نحو الباب، ركضت وراءها وأنا أتساءل ماذا لو كنت أنا مكانها ! تحسست قلبي جيداً وكأني أتأكد بأن تعويذة أبي مازلت معلقة عليه تحميني.



