بسم الله الرحمن الرحيم
قال رســـول اللّه (صلى الله عليه وآله): "إنّ اللّهَ عَزَّوَجَلَّ فَطـــَمَ ابْنَتِي فاطِمَـــة وَوُلدَهـــا وَمَنْ أَحَبًّهُمْ مِنَ النّارِ فَلِذلِكَ سُمّيَتْ فاطِمَة".
حیاة الزهراء علیها السلام حافلة بالعطاء وزاخرة بالفضاٸل والسجایا وهي المثل الأعلی للنساء، وبما أنها سیدة نساء العالمین فهي جدیرة بالاقتداء واتخاذ حیاتها دروساً تهذب تعاملاتنا وتصلح واقعنا.
ومن الخطأ أن نجرّد حیاتها من کل شيء، ولا نبقي إلا مأساتها وبكاءها، لیس مقبولاً أن نتغافل عن نهجها التربوي ونغرق في البكاء، لا يحق للمرأة أن تنشغل بالبکاء والعزاء ولا تحترم حقوق جیرانها.
الكل يحب الزهراء عليها السلام ويواسيها، لكن الحب شيء والولاء شيء آخر، تعالوا بنا نتصفح بعضاً من جوانب حیاتها.
1/ فاطمة وبر الوالدین
-----------------------
فاطمة عليها السلام لم تنقطع عن صلة والديها حتى بعد زواجها ولم تنشغل عنه ولم تنسه، حتى أنه كان يسميها أم أبيها لشدة رعايتها وعطفها وحنوها عليه.
لكننا نرى كثيراً من النساء حين يتزوجن ويغادرن بيت أهلهن يقطعن الصلة بوالديهما وينشغلن بالبيت الجديد ولا يزرنهما إلا وقت حاجتهن إليهما، وهذا الوضع يشمل الرجال والنساء، كثير من الرجال أيضاً يصبح لديهم جفاء إما بسبب خلافات أو وجهات نظر أو الانشغال بالعمل، وهذا أمر مستنكر ولا يُعذر المرء عن زيارة والديه والاطمئنان عليهما حتى لو كبرا ولم يميزا بين أبنائهم
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
مَن من النساء اليوم تستقبلُ والدها في بيتها؟ مَن تخفف على أبيها آلامه وأحزانه؟ مَن تحسِّسه أنه كان يوماً يرعاها ويتمنى رضاها؟ هذه فاطمة الزهراء نِعم البنتُ التي لا ينقطع نبینا محمد (ص) عن زيارتها ولا هي تنقطع عن زيارته فهل اقتدينا بها؟ وهل حققنا ثمرة بكائنا وحزننا علیها؟
هناك من ينجبون كثيراً من الأولاد والبنات، وعند كبرهما يتهرب الكل من رعايتهما فيتركونهما للخدم أو يودعونهما في دور رعاية المسنين وبهذا يوفون حقهم لأبويهم، هل من البر أن يزور الأبناء أمهما وأباهما من العيد إلى العيد؟ هل من البر أن يخاصم الأبناء والبنات آباءهم وأمهاتهم لمجرد خلاف عائلي أو مادي أو مذهبي أو فكري؟
هل من البر أن يسافر الأبناء إلى خارج وطنهم وينسوا أهلهم طیلة حیاتهم؟ هل من البر أن يعتني الممرضون والممرضات بالمرضى ويؤكلوهم ويمسحوا دموعهم وأبناؤهم لا يتفرغون لزيارتهم؟ هل من البر أن يطرد الابن أمَّه لإرضاء زوجته؟ هل من البر أن يتمنى المرء موتَ أمه وأبيه ليرتاح ويفرح بعد موتهما؟ هل من البرِّ أن يتخلى الأبناء عن رعاية والديهما ويكلفا أخاهما الأصغر بالرعاية والعلاج؟ هل من البر أن تُبعد البنتُ أمها عن ضيوفها كي لا تنحرج بمنظرها؟ هل من البر أن لا يستقبل الرجلُ أباه مع ضيوفه كي لا يستاء من شكله أو مهنته؟
هل من البر أن يسكن الأبناء والبنات القصور ويتركوا آباءهم وأمهاتهم في البيوت الآيلة للسقوط ذات الأثاث البالي؟ هل من البر أن يصطف الأبناء والبنات مع أمهم ويعادوا أباهم لاختلافه مع أمهم؟ هل من البر إطعام الأم والأب من بقايا الأكل وسيئ الطعام؟ هل من البر استخدام الوالدين لتوقيع الأوراق ومراجعة الدوائر الحكومية وفتح المؤسسات باسمهما للربح المادي؟ هل من البر استخدام الوالدين لحراسة الأطفال ورعايتهم وتحمل مشاكلهم حين الانشغال بالوظيفة أو السفر؟ هل من البر تكلفة الوالدين بإعداد الطعام وتنويع الطبخات لإرضاء أمزجتهم؟
وأخيراً، هل من البر أن يوصي الأبناء جيرانهم بتفقد والديهم وتلبية احتياجاتهما لأنهم مشغولون بحياتهم الجديدة مع أبنائهم ومشاريعهم؟
قال أحدهم: ابنتي الکبیرة لا تزورني ولا تسأل عني، وقال آخر: ابني اصطحبني في مشوار طویل لأوقّع له صفقة باسمي واستلم أرباحها أمامي ولم یتعطف عليَّ بریال واحد رغم وظیفته المرموقة وراتبه الخیالي.
فهل بكاؤنا یکفینا وحزننا ینجینا رغم ما فینا؟
هل أزید أم أکتفي؟
قالت إحداهنَّ: ابنتي لم تر والدها منذ انفصلنا ولم یسأل عنها حتی کبُرت وکبرت حسرتُها علی فراق أبیها الغاٸب الحاضر، وقال أحدُهم: أبی لایسأل عنا ولا ینفق علینا منذ انفصل عن أمّنا، وهناك ما یَندَی له الجبین ویعفُّ القلمُ عن ذکره لمرارته وقساوته.
فهل بكاؤنا یکفینا وحزننا ینجینا رغم ما فینا؟
2/فاطمة الزوجة الصالحة
------------------
ضَرَبت فاطمة ع أروع المثل في احترام زوجها وخدمته طوال حياتها وصبرت معه فی العسر قبل الیسر.
وفی واقعنا من لا تتحمل الظروف الصعبة ولا ترتضي بالحیاة المتواضعة فتقرر البحث عما یلاٸم نفسیَّتها، وکم من امرأة طلبت الانفصال عن زوجها لتبحث عما یناسبها، وکم من امرأة شتتت أطفالها، وهناك من عملن السحر لأزواجهن، وهناك من اشتکین على أزواجهن في المحاکم، ونغصن علیهم حیاتهم، وهناك من جعلت من زوجها خادماً لها وأسقطته بین الرجال، وهناك من تُکیل الإهانات والشتاٸم لزوجها أمام الناس فتقلل من قیمته، فأین أنتنَّ من فاطمة الزهراء وماذا تعني المحبة والولاء؟
٭٭٭٭٭٭٭
2/فاطمة الأم
رَبّت فاطمة الزهراء (علیها السلام) أبناءها أفضل تربية، فلم تمیِّز أحَدَهم عن الآخر ولم تقصِّر فی تعلیمهم.
وهذا ما یجب على الأمهات الیوم تهذیب أبناٸهن وبناتهن وتعلیمهم الاحترام والابتعاد عن الحرام، وعدم التفضیل بینهم، فهذا یولد الحقد والکراهیة والعصیان والتمرد، وهذا ما ورد فی الموسوعة الحدیثة: "الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ شَريعةُ العدْلِ والرَّحمةِ، ومِن صُوَرِ العدلِ: المساواةُ بَينَ الأولادِ في العَطاءِ والهدايا؛ فإنَّ تَفضيلَ بعضِ الأولادِ على بعضٍ لا يَأتي إلَّا بالأحقادِ، وإيغارِ الصُّدورِ، فيَنتُجُ عن ذلك عقوقُ الأولادِ للآباءِ، فلا يَبَرُّونَهم".
فلنربي أبناءنا تربیة محمدیة، لا نسمع منهم إلا الکلمة الطیبة، ولا نسمع عنهم إلا خیراً، ونربي بناتنا تربیة فاطمیة تلتزم بالعفة والحیاء، ولا یتفنن بعباءتهن المطرزة والمخصرة والملونة ویتجولن بها في الحداٸق والأسواق، ولا نترکهن ینافسن الرجال فی کل مکان.
الزهراء علیها السلام ربّت زینب والحسن والحسین وجعلت كلاً منهم یفدي الآخر بروحه وماله، وبعض الإخوة في هذا الزمن یعادون بعضهم على مال وقیل وقال، وبعض الأبناء یؤذون جیرانهم، قال تعالى: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ)، والنبي ص أوصی بالجار قائلاً": "ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورِّثه".
فهل يؤذي الجارُ جارَه؟ هل یرضیك أیها الجار انتقال جیرانك من جوارك؟ هل تقبل أن یتجمع أصدقاؤك عند بیتك کل یوم للفجر بسیاراتهم ودباباتهم وصراخهم وشجارهم دون مراعاة لجیرانکم؟ هل من اللاٸق تجمیع سیارات السکراب عند بیتك للتصلیح والتشلیح؟ هل من حسن الجوار أن تبیع السمك عند باب بیتك وتنتقل الرواٸح لسابع جار وتزداد الرواٸح في اللیل والنهار؟ هل من الرجولة والبطولة تفحیطك فی منتصف اللیل وإزعاج الناٸمین والمرضی وترویع الأطفال في بیوتهم؟ هل تزداد فرحتك حین تروّع الأطفال في مناسباتهم وتجلب القاصي والداني لیفسدوا فرحة أقربائك وجیرانك بدباباتهم والتفحیط بسیاراتهم؟
قال رسول الله ص: ((إياكم والجلوسَ في الطرقات))، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا بُدٌّ من مجالسنا، نتحدث فيها، فقال: ((فإذا أبيتم إلا المجلسَ، فأعطوا الطريق حقَّه))، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: ((غَضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)).
٭٭٭٭٭٭
4/عبادة فاطمة (ع)
روى الإمام الصادق (عليه السلام) بسنده إلى الإمام الحسن (عليه السلام)، أنه قال: رأيت أمّي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلةَ جمعةٍ، فلم تزل راكعة وساجدة حتى انفجر عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتُسَمِّيهم، وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعوا لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أُمَّاه، لِمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت (عليها السلام): يا بُنَي، الجار ثم الدار.
وعن الحسن البصري: "ما كان في هذه الأمّة أعبد من فاطمة (عليها السلام)، كانت تقوم حتى تورَّم قدماها".
و سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن فاطمة: لِمَ سمّيت زهراء؟ فقال: "لأنّها كانت إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض".
والحدیث عن عبادة الزھراء یطول، ونختم بالإشارة الی تسبیحتها التي نذکرها بعد کل فریضة.
روي أن فاطمة (عليها السلام) طلبت من أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) خادمة تخدمها، فقال (صلى الله عليه وآله): "أوَلا أدلُّكِ على خير من ذلك؟"، فقالت (عليها السلام): "بلى يا رسول الله"، فقال (صلى الله عليه وآله): "تُسَبِّحِينَ الله تعالى ثلاثاً وثلاثين، وتُحَمِّدينَه ثلاثاً وثلاثين، وَتُكَبِّرينَهُ أربَعاً وثلاثين".
وخلاصة بحثنا أن نبکي سیدة نساء العالمین لمصابها ونواسیها في أحزانها، ونفرح لفرحها ولکن لا ننسى الاقتداء بها في برِّها بوالدیها وطاعتها واحترامها لزوجها وعنایتها بتربیة أبناٸها وعبادتها وزهدها ودعاٸها، (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، صدق الله العلی العظیم.
وعظم الله أجورکم، وصلی الله علی محمد وآله الطیبین الطاهرین.



