تتباهى في واحة سيوة الأمازيغية المصرية النخلة هي النخلة في طولها وجمال جريدها وطعم رطبها، والعيون الجوفية هي العيون التي كنا نرتادها صغارًا، صافية حلوة وفي لونها اللمعان، وفي عمقها (التنور) التي تتراوح ما بين 8 إلى 20م، وهندستها التي تماثل عيون القطيف المميزة التي تبدأ من الأسفل بالشكل المربع وصولًا للأعلى لتأخذ الشكل الدائري، أرضها خصبة منتجة للكثير من الثمار والخضار والورقيات والمنتجات الغذائية كالمربى والعسل، تحاط بالصحراء الممتدة، ومن جهة أخرى المياه والبحيرات المتنوعة ما بين الحلوة والكبريتية وأحواض الملح، وسيوة تتألق كأنها عروس في نقاء هوائها وأنواع محاصيلها، وهدوء وسكينة ليلها!
يتداخل الوصف في الواحتين، كأنك في واحة القطيف قبل 50 عامًا، في بساطة وسماحة أهلها الذين يتحدثون الأمازيغية وهم خليط بين عدة قبائل الأمازيغية والبدو، طرقاتها الترابية وبين مزارعها وسوقها المركزية الوحيدة ستشاهد الحمير (الگاري) والتك تك، والدراجات النارية وهي الغالب، والسيارات.
طرقاتها زراعية ترابية محاطة بالقصيب والنخيل وأشجار الزيتون، والليمون البلدي، ما أن تشاهد منتجات سيوة ستنقلك الذاكرة لمنتجات واحة القطيف من حيث الشكل واللون والطعم، وأما رطبها وتمرها فيمتاز بالطعم المميز والحجم الكبير الملفت للنظر.
رجالهم ذوو سحنة سمراء، يرتدون الثياب (الدشداشة) والشال الملفوف على رؤسهم، قليلو الحديث، أصحاب كرم وابتسامة، بيوتهم غالبًا من دور واحد ومن مواد محلية بسيطة (الطين والرمل الملحي)، نساؤهن لا تجدهن في الأسواق أو الأماكن العامة، فقط خروجهن للضرورة القصوى، الأم والأخت والبنت والزوجة، عملهن غالبًا في البيت ولهن أعمالهن التي تعتبر مصدر دخل للعائلة وتنتج الكثير من المصنوعات الحرفية المحلية والتي تمتاز بها سيوة، كالخوصيات والأقفاص والسجاد المزينة بالرسومات والزخارف المميزة بالألوان الصريحة والقوية، وتشتهر سيوة بصناعة الفخار والتذكارات الملحية والصوف والسجاد، وبأسعار منخفضة، وحين وصولنا للمنتجع أنا وإسماعيل هجلس، بدأنا البرنامج بعد سويعات رغم التعب وطول الطريق من القاهرة لسيوة 10 ساعات بالحافلة، ورغم أن الرفقة الطيبة مع الملتحقين معنا بالملتقى وبسمو أخلاقهم، وبرغم تفاوت مستوياتهم الأكاديمية والفنية إلا أن هذه الفوارق اختفت عند اللحظات الأولى، وبدأ التعارف والأحاديث الجانبية، وبمجرد وصولنا للمنتجع بدأت الفعاليات التي نظمت داخل المنتجع الريفي وهي عبارة عن ورش العمل للرسم والخزف والتصوير والنحاس والطباعة والخط العربي، في فكرتها التعرف على معالم سيوة وتبادل الخبرات والتجارب، وهذا بحد ذاته إضافة معرفية لا يمكن الحصول عليها إلا بمثل هذه الملتقيات، إنها رحلة علمية فنية بامتياز تستحق العناء عشناها بكل تفاصيلها بعبق الماضي وذكرياته الجميلة لواحة سيوة الأمازيغية المصرية على حدود ليبيا والتي تبعد 80 كم فقط.



