12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

في بيتنا دستور

دخل منزله فرأى فوضى عارمة؛ ألعاب الأطفال مبعثرة يمنة ويسرة، رائحة الطعام تملأ المنزل، صوت التلفاز مرتفع. دخل غرفة الأطفال فرأى ابنه الكبير لا يزال نائمًا، الساعة تشير إلى الثانية بعد الظهر. فقرر أن يعقد جلسة مع أفراد عائلته وأن يغير هذه الفوضى، ووضع عدة نقاط لتكون قانونًا يجب الالتزام به.
اعترض الولد الأكبر قائلًا: لا يمكنني أن أنام مبكرًا. هل يمكن أن تعدل هذه الفقرة؟!
أجابه الأب: بل هذه الفقرة التي لا تقبل التعديل. وسيتم اتخاذ الجزاء المناسب ضد كل من يخالف هذا الدستور.
نعم نحن بحاجة إلى دستور وقانون يضبط الفوضى التي يعيشها البعض، دستور يجعل الحياة الأسرية ذات مسؤولية وذات قيم وذات رسالة. وإليكم بعض النقاط التي أرى أننا بحاجة إلى الالتزام بها في منزلنا:
استأذن قبل الدخول
قال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور: ٥٩].
لكل فرد من أفراد العائلة خصوصية، ويجب احترام هذه الخصوصية من خلال الاستئذان والذي يعني طلب الإذن، ويكون لدخول بيت، أو الانضمام إلى مجلس، أو الخروج منه، وقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: الاستئذان ثلاثة: أولاها يسمعون، والثانية يحذرون، والثالثة إن شاءوا أذنوا وإن شاءوا لم يفعلوا، فيرجع المستأذن (١).
تكلم بهدوء
للأسف بعض البيوت تمتلئ بالصراخ والغضب والأصوات العالية، تلوث لا ينتبهون له لأنهم اعتادوا عليه، حتى لو صار البيت هادئًا لاستنكروا ذلك. لذلك تجنّب الصراخ، فأنت لست في ملعب رياضي وتشجع فريقك المفضل. وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله يحب الصوت الخفيض، ويبغض الصوت الرفيع (٢).
الصلاة لوقتها
قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون - ٩]، إذا أردت أن تعرف مدى انضباط شخص ما ومدى حرصه على الوقت فانظر إلى مدى محافظته على أداء الصلاة في وقتها.
يقول الإمام علي (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يؤثر على الصلاة عشاء ولا غيره، وكان إذا دخل وقتها كأنه لا يعرف أهلًا ولا حميمًا (٣).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما من عبد اهتم بمواقيت الصلاة ومواضع الشمس إلا ضمنت له الروح عند الموت، وانقطاع الهموم والأحزان، والنجاة من النار (٤).
لذا ينبغي تربية الأولاد على تأدية الصلاة في وقتها منذ نعومة أظفارهم، لتكون هذه عادة طيبة تلازمهم حتى الكبر.
أنت مسؤول
بث في نفس طفلك روح المسؤولية، افرض عليه بعض المهام البسيطة كارتدائي ملابسه بمفرده، أو تنظيف غرفته والتعود على هذه المهام سيخلق روحًا من المسؤولية لديه.
يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني مسؤول وإنكم مسؤولون (٥).
بل عليك أن تؤسس طفلك على تحمل المسؤولية في جميع أفعاله وكل عمل يقوم به فهو مسؤول عنه حيث يقول ربنا: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر - ٩٢].
لا تكن أنانيًا
هل لاحظت أن طفلك يميل إلى أن يبقى وحده، ويقضي معظم وقته في النشاطات الفردية، كمشاهدة التلفاز أو الألعاب الإلكترونية؟ هل لاحظت أنه لا يُحب أن يُساعد أحدًا، ويشعر بالضيق عندما يطلب منه خدمة ما. هذه بعض علامات الطفل الأناني، ويجب عليك أن تستبدل صفة حب الذات والاستيلاء على الأشياء بصفة التعاون والمحبة مع الآخرين، والمشاركة مع الآخرين، يجب أن يسود قانون التعاون بين أفراد الأسرة وقد جاء في وصية الإمام علي إلى ولده الحسن (عليهما السلام): "يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَانًا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا".(٦).
قل الحقيقية.. لا تكذب
قد تلاحظ أن الطفل يرتكب العديدَ من الهفوات أثناء لعبه بالمنزل، على غرار كسر شيء ثمين في المنزل أو تلويث الأثاث، وعندما تستدعي الأم طفلها لتسأله عن المسؤول عن كسر المزهرية على الرغم من أنها تعلم مَن الفاعل، سيُنكر ويدعي أنه لا يعرف من المسؤول. عادة، هكذا تكون الكذبة الأولى. وهنا يأتي دور الوالدين في الطريقة الصحيحة للتعامل مع هذا الموقف (الكذب) من خلال: عدم الصراخ وعدم العنف في العقاب، وتوضيح ما ورد في ذم الكذب كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إن الكذب يسود الوجه". وروي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: "عاقبة الكذب الندم". وعنه (عليه السلام): "الكذب فساد كل شيء" (٧).
ليكن شعار الصدق وقول الحقيقة هو السمة البارزة بين أفراد الأسرة، وكما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "عليكم بالصدق، فإنه باب من أبواب الجنة" (٨).
الهوامش:
(١) وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج ٢٠ - الصفحة ٢١٩
(٢) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٢ - الصفحة ١٦٨٠
(٣) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٢ - الصفحة ١٦٢٦
(٤) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٢ - الصفحة ١٦٤٣
(٥) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٢ - الصفحة ١٢١٢
(٦) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦: ٨٤
(٧) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٣ - الصفحة ٢٦٧٧
(٨) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٢ - الصفحة ١٥٧٢



error: المحتوي محمي